كتب- سعيد الطيب صاحبت مسيرة الانتخابات الست منذ خمسينيات القرن الماضى وحتى العام الحالى انقسامات داخل جميع الاحزاب السودانية والتى كانت تشارك تحت مسمى حزب تاريخى فى الانتخابات الثلاث الاول ثم تنشطر الى عدة احزاب وتدخل مشاركة فى الانتخابات التالية وكانت اخر الانقسامات قد جرت فى التاسع عشر من يناير الماضى 2015م حينما انقسمت حركة التحرير والعدالة الى حزبى (التحرير والعدالة ) بزعامة ابو قردة و(التحرير والعدالة القومي) وكان قد سبق ذلك الانشطار انقسام حزب الأمة الى خمسة أحزاب أو ربما أكثر والاتحادى الديمقراطى الى أربعة أو أكثر والاتحاد الاشتراكى الى خمسة والمؤتمر الوطنى الى ثلاث والاخوان المسلمين ايضا انقسموا . . والشيوعيون انقسموا الى ثلاثة أو اكثر . . وانصار السنة توزعوا الى مجموعات . . والحركات المسلحة فى دارفور انقسمت ثم تشظت الى اكثر من اربعين حركة كلها تحمل اسم تحرير السودان والعدل والمساواة . والحركة الشعبية لتحرير السودان فى الجنوب انقسمت الى حزبين لدودين حتى الرياضة لم تسلم من التشظى ففى نادى المريخ والهلال أيضا مسميات وجماعات وهلمجرا. لقد مثلت الأحزاب السودانية حجر الزاوية في كل الأنظمة السياسية المتعاقبة منذ اتفاقية الحكم الذاتي والحكومة الديمقراطية البرلمانية الأولى وصولاً إلى حكومة الوحدة الوطنية عام 2005م على غرار الاتفاقيات والبروتوكولات التي قادتها الحكومة ممثلة في المؤتمر الوطني مع أحزاب التجمع الوطني المعارض وحزب الأمة (نداء الوطن) (التراضي الوطني) واتفاقية السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان واتفاق الشرق مع مؤتمر البجا والأسود الحرة إضافة لإتفاقية أبوجا مع الحركات المسلحة الدارفورية وفقاً لاتفاقية السلام الشامل، فلأول مرة يتم إنشاء آلية لتسجيل الأحزاب وتنظيمها وتم التوافق على إجراء انتخابات عامة تتنافس فيها الأحزاب السودانية والقوى السياسية على أساس ديمقراطي حر ونزيه. تتسم الأحزاب السودانية بتباين أفكارها وبتمازج تيارات عدة داخل الحزب السياسي الواحد، فهناك أحزاب توصف بأنها تقليدية وأحزاب أخرى توصف بأنها معاصرة، وبما أن هدف الحزب السياسي في الغالب هو الوصول إلى السلطة والحكم وفرض فكرته ومن ثم نظامه، فقد كانت هذه التباينات الفكرية والسياسية لها الدور الواضح في إخراج أشكال معينة من النظم السياسية في السودان، إضافة إلى خلافاتها الداخلية التي انعكست على الأحزاب السياسية مما يؤدي لظهور الانشقاقات داخل الحزب الواحد، ووفقا لهذا السياق اكد الاستاذ الجيلي محمد احمد ابراهيم الأكاديمي بقسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم أن الإنتخابات المقبلة وبميقاتها المحدد تمثل استحقاقا دستوريا وهذا ليس قول المؤتمر الوطني فقط بل هو بند منصوص عليه في أعلى مواثيق الدولة .وقال الجيلي فى تصريح لوكالة السودان للأنباء أن توقيت الانتخابات لا يمثل مشكلة ، وإنما المشكلة في جوهر العملية الديمقراطية التي يصعب على حزب المؤتمر الوطني والأحزاب المعارضة تحقيقها،فالأحزاب السياسية المعارضة غير مؤهلة لمنافسة المؤتمر الوطني من الناحية المادية واللوجستية ، إضافة إلي الإنقسامات الداخلية والتشتت الذي تعانيه. وأوضح الجيلى أن تجربة حزب المؤتمر الوطني في الحكم وممارسة العمل السياسي هي قطعا تجربة تستحق الدراسة والوقوف عندها كثيرا ، .وبالفعل حدث جزء مما نادت به المجموعة ، ومن ثم بدأ التحول الديمقراطي وقيام الإنتخابات واطلاق نوع من الحريات . وأضاف الاستاذ جيلى قائلا: لا أعتقد أن مقاطعة الأحزاب الكبيرة ستؤثر علي نسب المشاركة في العملية الإنتخابية ، ذلك لأن هذه الأحزاب لم يعد لها تأثير حتي في مناطق ثقلها التاريخي ، وإستعاضت عنها تلك المناطق بحركات وقوي سياسية جديدة منها ما هو يمارس النشاط السياسي السلمي وآخر يحمل السلاح، هذا فضلا عن أن هذه الأحزاب تعاني من مشكلة التمويل الذي كان يمكن من خلاله أن تستنهض ما تبقت من همته وجهده لينعكس ايجابا علي المجتمع مشيرا الى الإنجازات التي حققها حكم المؤتمر الوطني تتمثل فى ثورة التعليم والإتصالات، والطرق والجسور،أي الثورة التعليمية والبني التحتية في الدولة . الى ذلك عزا خبراء، ظاهرة انشقاقات الأحزاب في السودان، إلى جملة أسباب تتعلّق بغياب المؤسسية في تلك الكيانات، بجانب دخول عوامل العرق والجهة في حفز الانقسامات التي طالت معظم التكوينات السياسية، كما أن عدم الاستقرار السياسي شجع الظاهرة. وقد قدم عدد من الخبراء والأكاديميون أوراق عمل خلال ورشة عقدها مركز التنوير المعرفي، عن أثر انقسامات الأحزاب على العملية السياسية. أكد د. بدر الدين بخيت، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا، في ورقة "أزمة القيادة ودورها في الانقسامات"، أن مظاهر الأزمة في الأحزاب السودانية لها أبعاد داخلية تتمثّل في الشلليات وأبناء الدفعة والصلات العائلية (المصاهرة والقرابة) وبروز الجهوية، بجانب أسباب خارجية مثل الضغوطات الأمنية والقيود القانونية والإدارية. وعزا بخيت الانقسامات داخل الأحزاب السودانية إلى غياب المؤسسية داخلها، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الانقسامات.كنموذج حزب الأمة، الذي وصلت الانشقاقات فيه إلى تكوين ستة أحزاب "حزب الأمة القومي برئاسة الصادق المهدي، حزب الأمة الإصلاح والتجديد بقيادة مبارك الفاضل، حزب الأمة الفيدرالي برئاسة أحمد بابكر نهار، حزب الأمة الوطني برئاسة عبدالله مسار، حزب الأمة الإصلاح والتنمية بقيادة الزهاوي إبراهيم مالك، وحزب الأمة القيادة الجماعية برئاسة الصادق الهادي المهدي". نموذج اخر ما حدث للحزب الاتحادى الديمقراطى فبعد أحداث انقلاب مايو 1969م انقسم الحزب إلى تيارين، تيار يقوده الشريف حسين الهندي وهو يقود معارضة النظام منذ بداياته من خارج السودان، والتيار الآخر على رأسه السيد/ محمد عثمان الميرغني الأكثر مرونة مع نظام مايو بحجة حماية أعضاء الحزب التجار من مقايضات النظام القائم حينها ويرى البعض أن ثنائية الزعامة على مستوى القمة وغياب أي خط أيدلوجي يحكم الحزب قد أدى إلى وجود هذين التيارين، أما في عام 1985م فقد حدث انشقاق آخر داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي وذلك بعد الإنتفاضة، حيث كان الإختلاف على مشاركة أعضاء الحزب الذين شاركوا في نظام مايو على رأسهم أحمد السيد حمد والحاج مضوي، إضافة إلى خلافات علي محمود حسنين الذي كون حزب جديد تحت مسمى (الوطني الإتحادي) وبعد يونيو 1989م خرجت الأحزاب لتعارض النظام في خارج السودان على رأسها الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف زين العابدين الهندي، وبدأت تكون تجمعاً انتخب على رأسه محمد الحسن عبد الله يس والذي قدم استقالته عام 1990م ليخلي مقعده للسيد/ محمد عثمان الميرغني، ويعد ذلك بدأت تدب الخلافات داخل الحزب لتقود مجموعة على رأسها الشريف زين العابدين الهندي مؤتمرات في الإسكندرية في أغسطس 1991م وبعد انعقاد مؤتمر المرجعيات حدث انشقاق جديد، إذ طالبت مجموعة بقيام المؤتمر العام واختيار القيادات بطريقة ديمقراطية، على إثر ذلك خرج الحاج مضوي وعلي محمود حسنين والزين حامد قام هؤلاء بتكوين الحزب (الاتحادي الديمقراطي الهيئة العامة) ثم خرجت مجموعة من الهيئة العامة سمت نفسها المؤتمر الاستثنائي وكان يقودها محمد اسماعيل الأزهري ثم مجموعة أخرى بزعامة الشيخ أزرق طيبة. وتعرض الحزب الشيوعي منذ تأسيسه إلى العديد من الانشقاقات ويمكن حصر هذه الانشقاقات في انشقاق 1952م. وكان حول هل الأجدى أن يكون الحزب مستقلاً أم جناحاً يسارياً في الحزب الوطني الاتحادي، فأغلبية المؤتمر الثاني للحزب في أكتوبر1951م وقفت مع الوجود المستقل للحزب وارتباط النظرية الماركسية بالواقع السوداني، ورفضت أطروحات عوض عبد الرازق السكرتير السابق للحزب ومجموعته التي كانت ترى ضرورة أن يكون الحزب جناحاً يسارياً في الأحزاب الاتحادية ودراسة الماركسية أولاً قبل التوجه للعمل وسط العمال والمزارعين وبعد المؤتمر حدث الانشقاق والانقسام الذي قادته مجموعة عوض عبد الرازق وكونوا الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، ولكن التنظيم لم يستمر فالبعض رجع للحزب الأول وبعضهم خرج دون الرجوع للتنظيم الأول أو الأخير. أما انشقاق 1964م ارتبط بالصراع الذي دار بالحركة الشيوعية العالمية بعد انشقاق الصين لتطبيعها مع المعسكر الإشتراكي، حيث كان المنشقون متأثرين بتجربة الصين وسعوا لتطبيقها على ظروف السودان وهي اعتماد الكفاح المسلح لإسقاط نظام الفريق/ عبود ورفض الحزب الشيوعي طريقة التطبيق كما هو وتمسك بموقفه المستقل عن الصين والسوفيت وطرح شعار الحزب السياسي العام لإسقاط نظام عبود في أغسطس عام 1961م وقد كان على رأس التيار المختلف مع الرأي العام للحزب والتي قادت لانشقاق الحزب، أحمد شامي، يوسف عبد المجيد، أحمد جبريل وكونوا حزباً جديداً باسم الحزب الشيوعي (القيادة الثورية) ذلك الحزب الذي تعرض أيضاً لانشقاقات بداخله ورجوع قياداته إلى الحزب الأول. أما انشقاق عام 1970م فقد كان متأثراً بسلطة انقلاب 25 مايو 1969م .أما انقسام 1994م الذي قاده الخاتم عدلان والحاج وراق حيث قدم ورقة للحزب الشيوعي بعنوان (آن أوان التغيير) يتحدث فيها عن أن الفكر الماركسي لم يعد قادراً على تحليل الحالة السودانية وتقديم الحلول اللازمة للخروج من الأزمة الوطنية الشاملة التي دخلت فيها البلاد بسبب سياسيات النخب، وعلى ذلك فقد نادى الخاتم عدلان والحاج وراق ومجموعتهما أنه وبعد فشل النموذج الماركسي السوفيتي لا داعي لوجود حزب شيوعي مستقل وأن الاشتراكية فشلت بفشل التجارب الاشتراكية. ولذلك انشقوا من الحزب الشيوعي وكونوا حركة القوى الجديدة (حق) والتي انقسمت على نفسها إلى حركتين هي حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق) بقيادة الخاتم عدلان وحركة القوى الحديثة الديمقراطية (حق) بقيادة الحاج وراق في فبراير عام 2000م بعد قيام الحاج وراق بمؤتمر استثنائي أعلن فيه فصل عدد من قيادات الحركة الموجودين خارج السودان على رأسهم الخاتم عدلان ورئيس اللجنة التنفيذية للحركة ومحمد سليمان المسئول عن التنظيم الإداري، وقد أعلن الحاج وراق قيام حركة القوى الحديثة الديمقراطية (حق)، وقد حدث خروج وانشقاق أدى لغرض الحركة الحديثة وأدى خلاف إلى خروج مجموعة بقيادة بشير بكار وأمين صديق ذلك مقابل مجموعة بقيادة الصحفي قرشي عوض، اما في جانب (حق الجديدة) فنشبت خلافات أدت إلى بروز حركة حق (القيادة الموحدة) بقيادة ما يسعى وقتها المجموعة المذكرة المشتركة، وقد اندمجت (حق القيادة الموحدة) في عدة تنظيمات أخرى مكونة الحزب الديمقراطي الليبرالي الموحد في 2008م وعادت مجموعة بشير بكار إلى الانخراط في حق الجديدة بقيادة هالة عبد الحليم. اخيرا تبدو الأزمة التي تعايشها الأحزاب هي أزمة حضارية بالمكان الأولى، لا بد من تطوير تراث الأمة وثقافتها بالدراسة الفقهية والتحليل العملي لواقعنا الاجتماعي والثقافي والتخطيط الهادئ. وقال إنه ولضرورات التحدي الحضاري لا بد أن نربي القيادة على المنهج النبوي وأن تكون الأحزاب فكرية.