:قراءات وتجارب : عبد الله آدم خاطر صادف السبت الماضي ، السادس عشر من نوفمبر الذكرى السنوية لمقتل واستشهاد علي دينار الذي احتل مكانة رفيعة في العالم الإسلامي .لقد استخدم قاعدته السياسية والدبلوماسية والاعلامية كسلطان لدارفور ، أن يتخذ من القرارات السيادية التي أعلت من شأن العقيدة الإسلامية والمسلمين ، إذ اشتهر أنه من الذين داوموا علي كسوة الكعبة بالحجاز ، وانحازوا لدول المحور كمؤشر إنتماء وتحالف الموروث الإسلامي في افريقيا مع الدولة العثمانية التي ظلت تمثل القيادة السياسية والثقافية والفكرية للعالم الإسلامي حتى نهاية الحرب العالمية الأولي. على الصعيد الوطني ، وبما تمتع به علي دينار من مهارات قيادية وتنظيمية ، أدرك مآلات الدولة المهدية ، فظل علي تواصل حميم مع قيادات القبائل الدارفورية ، وعندما أنتهت معركة كررى وهي معركة فاصلة في نهاية الدولة الوطنية التي كان علي راسها خليفة المهدي ، عبدالله بن السيد محمد ، دعا علي دينار قيادات دارفور الي ضاحية العيلفون التي أصبحت نقطة تجمع لنحو ثلاثة شهور . من بعد ذلك أنطلقت تلك القيادات غرباً ، وعبر مدينة الأبيض ، وصلت إلي جبل حلة أول منطقة إدارية في دارفور. في جبل حلة جرت الحوارات التأسيسية لدولة ترث التراث الوطني للمهدية في دارفور ، وبعد مداولات كان علي دينار فيها المرشح الأرجح ، فتم إعتماده سلطاناً لدارفور ، ودالت له مقاليد الامور بمباركة كل الأطراف ، بإعادة تنصيبه، إذا أنه كان مقام السلطان علي أيام مقاومة السلطة المركزية للأتراك. وقال كلمته المشهورة ( كل زول في قديمو ) ، أي أنه لايتدخل في المناصب الإدارية علي مستوى المناطق والقبائل ، وقد نجح بذلك في إستقطاب القدرات البشرية والإنتاجية . في خلال ثلاث سنوات تمكنت دارفور من تجاوز الحالة الامكواكية ( القوى يأكل الضعيف ) ، وأضحت دارفور السلطنة الافريقية المرشحة كمنطقة عازلة بين نفوذ الاستعمارين البريطاني في الشرق ، والفرنسي في الغرب. تمكنت إدارة علي دينار التي أفادت من تراث السلطنة ، وتجربة الدولة في المهدية ، من أن تقيم دولة تنهي النزاعات الداخلية خاصة مع الأمير سنين بكبكابية ، وسلطنة دارمساليت ، وقبائل جنوب دارفور خاصة الرزيقات والبني هلبة ، وتنتهج مبدا الإستقرار الامني بمكافحة العصابات والأفراد النهابين ، وتعدد من مداخل العمل الإنساني والتنمية الصغيرة ، ودعم المنتجين في مجال النبات والحيوان . علي الصعيد الإقليمي والدولي تمكنت الإدارة في توسيع رقعة التواصل مع العالم الإسلامي خاصة إزاء مصروالحجاز وتركيا ، وشمال وغرب أفريقيا ،أما علي الصعيد الإقليمي فقد كان الإهتمام الاكبر بالحدود الغربية للسلطنة وكانت دعاوى السلطان الدائمة أن دارمساليت ، ودار تاما جزء منالسلطنة . كان يؤيده في ذلك سلاطين باشا مسئول الأراضي من خلال المعاهدات الدولية الي أن قامت الحرب العالمية الأولي ، حيث تغيرت السياسة البريطانية على عهد مكمايل وخاصة في الثلاثنيات من القرن الماضى وقد صارت دارفور بوسائل عسكرية ودبلوماسية وإدارية وقانونية جزء من السودان . لقد تعددت الكتابات عن علي دينار كرجل دولة مقتدر ، واختلفت الآراء في تقييم تجربته ومازالت تختلف ، ولعل كثير من الكتابات مضت في سياق الدعاية البريطانية بانه كان رجل دولة ، ولكنه إستخدم البطش وعنف الدولة لأخضاع المخالفين لإدارته . لقد كانت سيرة على دينار كسلطان جزء من معارفنا الأولية ، والتربوية المعرفية ، والحق إنتميت أسرياً لمعسكري النزاع مع السلطان وضده ، وذلك لان السلطة كانت سياسية ولم تكن قبلية بأي حال من الأحوال ، وتلك مسألة معقدة قد يتفرغ لها الباحثون بوسائلهم الحديثة ، علي أني في صميم نفسي كنت أنتمي سياسياً لمعسكر علي دينار لوضوح مرجعيته وبروز ملامح إنجازاته المحلية وإنتماءته الإقليمية والدولية ، على أن الجدل حول علي دينار السلطان الحاكم قد طفي على إمكانية التعرف على ملامح علي دينار الإنسان . كان محمد أحمر من مواطنى كبكابية ، يعمل منجداً للمراتب في شيخوخته، وكانت أسعد اللحظات عندي عندما يأتي الي منزل جدي لأمى لتنجيد المراتب ،كنت أجلس اليه ، احسن ضيافته ، واكثر السؤال عن السلطان علي دينار ، فقد كان محمد أحمر من أطفال الخصوم السياسينالذين قتل أباؤهم في النزاع وقرر السلطان أن يشرف علي تربيتهم بنفسه ، فقد كان يأكل معهم ويشاركهم حياتهم العادية .تجدنى أسال ، ( ولكن ياجدو محمد ، هل كنتم ترون علي دينار في وجهه ؟ وكان رده دائماً ( هاي ياوليد كيف مانشوفو وهو يأكل معانا) ، وأسال مجدداً ،ومايزعل منكم ؟، فيرد والبزعلو شنو ؟ أزيد في القول قالو لينا : مافي زول بشوف وجهو ؟ ويأتي الرد فورا ً ( هاي داك كلو كلام ساكت ). سمعت عن علي دينار كأنسان حكايات مؤثرة ومرطبة للوجدان . علمت أنه في كل عام كان يقام مهرجان للشباب غربي مدينة الفاشر ( بيرقونجي ) ومن ضمن أنشطتها السباق للشباب، فالذي يأتي اولاً من الشباب ، يجلس له السلطان في الأرض ، ويضعه علي فخده تكريما له ، وحثاً للشباب علي النهوض ، والمثابرة ، والاقدام . في احدي مناسبات الصيد ، وقف علي دينار علي مشارف زرع يانع الخضرة ، فأمر بنفخ الأمبابة ( بروجي الطواري ) واجتمع الشتات ، فقال (دعوتكم لأقول لكم أن دارفور يبنيه شخصان أنا علي دا وسيد ( صاحب ) الزرع دا) .وفي ذلك مباركة للإنتاج والمنتجين وتشجيع لهم علي المثابرة للمزيد من الإنتاج تحت رعاية دولة تدرك اهمية الإنتاج . ذات مرة زاره تجار الفاشر ، في قربة شاوايا وهي القرية التي تسكن فيها أمه. وبعد ثلاثة أيام من الضيافة ، قال لهم الآن أسمع منكم قالو له أنهم ارادوا مجاملته في زيارة أمه فرح لذلك فرحاً عظيماً ، وقال لهم أن التجار أساس عمار دارفور ، الصلة المهنية بينهم وتجار دار الصباح ( أم درمان)صلة مهمة، ، لذلك عليهم المحافظة عليها ، وإذا مافشل أي تاجر في تسديدديونه هناك ، يترددوا من أن يجروا التسوية من حساب السلطان( أي الدولة ) لعل من أكثر المواقف الإنسانية تاثيراً، ماجري بينه وبين زوجته سارة أم عزالدين ، فقد لحقت بأم درمان عندما جاء اليها تلبية لدعوة الخليفة عبدالله . عندما وصلتوجدته قد عادالي الفاشر ، وعندما وصلت للفاشر لم يعرها الأهتمام المتوقع ، فذهبت اليه في مجلسه الصباحيواظهرت غضبها عليه أمام الجميع بكلمات جارحة .صمت السلطان برهة وقرر أن يطلق زوجته التى عاشا معاً فى محبة ، ولكنه أصبح ولي أمرها وبعد العدة زوجها لأمام مسجده كاكوم . عندما أوشكت علي الوضوع أمر أن تضع في القصر ، وعندما وضعت مولودا ذكراً ، اسماه بنفسه ( علي ) وبالحق لقد ظلم الحكم ومعه الشائعات(علي ود زكريا ) الإنسان .وقبل أن تحين الذكرى المئوية لرحليه في العام2016ربما أعد السودانيون العدة لأستقبال تلك الذكرى بما يعمق من حب الوطن والإنتماء اليه بناضج المشاركة. //