التأمل في سيرة حكام عرب اليوم يدفعنا لرد الإعتبار للقائد العربي الحجاج بن يوسف الذي مارس الولاية في عهد بني أمية حوالى (956-317) السؤال الذي سيفرض نفسه سيكون :هل كان هذا القائد أشد قساوة من الرئيس السوري مثلاً: ذبح شعبه بمتوسط يومي مئة قتيل يومياً لمدة ثلاث سنوات دون توقف؟!! أو حتى اولئك الذين رفضوا إدانتة بلغة صريحة من الرؤساء العرب ؟ نبش المؤرخون تاريخ الحجاج بأسوأ النعوت لأنه قتل مئة وعشرون ألفاً ، هذا الرقم(وفيه نظر) لا يقدح كثيرًا الآن في سيرة أقل الزعماء العرب إستبدادا ،لأنه ليس جريمة كبيرة أمام الأرقام المهولة من القتلى الذين تسحقهم الزنازين العربية في سراديب المخابرات العتيقة . لنرد للحجاج إعتباره لابد من أن نبحث في سيرته بسؤال كبير هو :هل كانت قساوته التي روج لها الشيعة في كتب التاريخ لها ما يبررها بالقياس لما تفعلها الأنظمة العربية الآن؟ *** كان قائداً من قواد دولة بني أمية، والتي جاءت بعد دولة الراشدين، قاد جيش الملك الأموي عبد الملك بن مروان، يقول عنه المؤرخون أنه تسلح (بسنانه ولسانه) عرف بالسيف وعرف في منابر الخطب، وهو فوق ذلك له اسهامات ثقافية تاريخية كتشكيل الحروف العربية لمعالجة العجمة وحول ديوان العراق من الفارسية إلى العربية. كان يكنى بأبي محمد، ينتهي نسبه إلى قبيلة ثقيف العربية العدنانية، ولد عام 45ه ، ونشأ بالطائف في الحجاز كان والده من شيعة بني أمية ومات في (واسط) في العراق سنة 95ه. لقب الحجاج من أمه وقيل أنها أرادت له أن يكون كثير الحج إلى بيت الله! نسج أعداؤه الكثير المسيء حوله، وكتب التاريخ مليئة به، مثل الطعن في نسبه وأن (أعظم لذاته سفك الدماء)، وقد أحصى أحد الرواة عدد قتلاه فقال (بلغ مائة ألف وعشرين ألف) ووصفه آخر وقال «كان مفلساً من دينه». وتعجب آخر كيف يعتبرونه مؤمناً وكفره فقهاء بحجم ابن جبير، والنخعي ومجاهد والشعبي وغيرهم ! وهناك من دعا الله بموته لتموت سنته. وقال فيه الخليفة عمر بن عبد العزيز المشهور بالعدل «لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم» أما أخطر الشهادات طراً تلك التهمة التي وردت في صحيح البخاري «أنه دس على ابن عمر من سمه في زج رمح». بدأ شرطياً يعمل لدى أحد مستشاري الملك عبد الملك بن مروان، ثم انتقل للعمل مع الملك نفسه. عمل والياً لليمن ثم قائداً للجيش حارب عبد الله بن الزبير وحاصر مكة وضرب مكة بالمنجنيق بعد أن مثل بعبد الله بن الزبير! كافأه الملك بعد ولاية اليمن بالحجاز ويمامة ثم العراق، حارب الخوارج والفرق المتمردة، وعرف بالدهاء والمكر مع قدراته العالية على مخاطبة الناس.. ورغم ذلك يوصف بالرعب والقساوة. من قساواته في معالجة خصومه الطريقة التي بها قتل الصحابي عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير أحد كبار التابعين.. وقتله لأعداد كبيرة تفوق الألف ويقال إن سجونه كانت(بلا سقف وظل صيفاً وشتاءاً، وكان مكتظاً بالناس بعضهم على بعض، وقد مرعليهم يوماً فاستغاثوا به، فقال: اخسئوا بها ولا تتكلمون). قساوته نسجت حولها الكثير من الأساطير، وربما كان هناك ما يبررها كقساوة أهل العراق ومتطلبات السياسة، ولكن ليس من السهل انكار تلك القساوة وبصماتها واضحة على خطبه ومراسلاته. نواصل