ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تثير الجدل: (لو في ولد عجبني بمشي بقول ليهو أديني رقمك) والجمهور يسخر: (خفيفة زي شاي البكاء)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    زيارة تفقدية لوالي سنار إلى محلية سنجة    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأسباب الحقيقية لتخلف الجنوب
نشر في الأهرام اليوم يوم 26 - 11 - 2010

د. واني تومبي لاكو لوكيتاري / ترجمة - محمد الفاتح زيادة
عدم مواكبة التقاليد الاجتماعية لأنماط الاقتصاد الحديث 1 - 2
يحق لنا القول إن فلسفة الإنتاج وسط النماذج الاجتماعية في جنوب السودان، قد ساهمت كثيراً في تخلف الجنوب كتجمع بشري أو رقعة جغرافية. كما يمكن القول إنه لا الاستعمار ولا الحكومات الوطنية المتعاقبة يمكن لومها 100% على التخلف السائد في الجنوب اليوم، وإنه لمن الأهمية بمكان أن يحاول المثقفون الجنوبيون فك طلاسم أسباب تخلف الجنوب، وعندها فقط يمكننا أن نصل إلى نتيجة معقولة نستطيع بموجبها أن نقرر ما إذا كان بقاؤنا ضمن السودان الموحد هو السبب لتخلف الجنوب كرقعة جغرافية أو تجمع بشرى. هذه الأمور يجب التصدي لها الآن وفي الوقت الراهن، قبل أن نطلب من أهلنا الجنوبيين إتخاذ قرار خاطئ في الاستفتاء الوشيك. إنه من الضروري أن يعلموا الحقيقة حتى لا يخيب أملهم بعد اتخاذ قرار الانفصال، الذي قد يرون فيه «عين الخطأ» أنه بمجرد حدوثه ستفتح لهم تلقائياً أبواب التنمية والرخاء في جنوب السودان، وهذا ما يبدو أنه الاتجاه الذي يحاول البعض أن يجر إليه رأي شعب الجنوب، وبعض الكتاب يجادل وكأن الانفصال هو المفتاح السحري لتنمية جنوب السودان، وهذا ما يبدو أنه الاتجاه الذي يحاول البعض أن يجر إليه رأي شعب الجنوب، وبعض الكتاب يجادل وكأن الانفصال هو المفتاح السحري لتنمية جنوب السودان وتحديثه، بل إن البعض يتمادى إلى الزعم بأنه بمجرد الانفصال سوف تصبح رمبيك مثل لندن، وكيف ذلك؟ يا للحزن. كيف لرمبيك أن تصبح مثل لندن بمجرد انفصال الجنوب عن بقية أجزاء السودان، يبدو جلياً أن هواة النقاش على هذا النحو يجهلون كيفية تطور لندن عبر السنين حتى صارت إلى ماهي عليه اليوم، فقط قارن بين أحد أهالي لندن العاديين من حيث مفهومه للتنمية وبين أحد أهالي رمبيك لتدرك مدى الفجوة بين الاثنين، إن هذا حلم سياسي تحت ضوء الشمس، ونسعى لاستبعاده من عقول أهلنا في الجنوب، إن الاصرار على إمكانية تحقيق هذا الحلم إلى واقع ملموس بعد الاستفتاء سوف يصيب الجنوبيين في مقتل بعد أن يستيقظوا من أثر المخدر الذي تجرعوه. وبعد اكتشاف الأكذوبة يصبح لا مناص من الحرب الأهلية التي قد تستمر لعدة قرون. وهذه الحرب لن تقف عند أعتاب الجنوب فحسب، بل ستمتد لسائر الإقليم المتاخم للجنوب، مهدداً السلم والأمن العالميين، مما يستدعي تدخل مجلس الأمن تحت الفصل السابع لفرض الأمن والنظام.
وعوداً إلى أثر العادات المتجذرة في الجنوب على الانتاج وتداعيات ذلك على عدم تنمية الجنوب كرقعة جغرافية أو تجمع بشري، يجدر بنا في البداية أن نعرج على نمط الانتاج في الجنوب. يعتمد نمط الإنتاج في الجنوب على تربية الحيوان «قطاع رعوي وغيره»، وصيد السمك والحيوانات الأخرى، وجمع المتساقط من الثمار الناضجة، والفلاحة والصناعات اليدوية، هذه هي الأنماط الزراعية التي يعتمد عليها أكثر من 90% من الجنوبيين، علماً بأن العائد من النمط الإنتاجي لا يفي بأكثر من إبقاء الفرد على قيد الحياة. بمعنى آخر، إن الإنتاج موجه لإطعام أفراد الأسرة. ويمكننا القول إن غالبية الجنوبيين ليس لديهم كبير اهتمام بتراكم رأس المال المعروف في المجتمعات الاقتصادية الحديثة، وهذا لا يعني أن المنتجين التقليديين في الجنوب ليست لهم الخبرة في توفير جزء من انتاجهم. نعم، لهم إلمام بذلك، ولكن في إطار الأثر الاجتماعي على الاقتصاد، هذا ما جرى عليه الحال منذ آلاف السنين، حيث عاش بتلك الطريقة، ولا يزال الكثيرون يعيشون بنفس الإسلوب إلى يومنا هذا، إنهم عاشوا على ذلك قبل دخول العرب للسودان وقبل وصول الرجل الأبيض للسودان. هذه حقيقة معاصرة وتاريخية في نفس الوقت والسؤال هو: هل في وسع الانفصال عن بقية أجزاء السودان أن يغير من هذه الحقيقة بين عشية وضحاها؟ الإجابة هي «لا» بكل تأكيد، وهل يستطيع الانفصال تغيير هذا الحال في مدى مائة عام؟ الإجابة «لا» وعليه فهل قام الحكام الحاليون للجنوب والمثقفون الجنوبيون بإخبار الأهل في الجنوب أن عليهم تغيير نمط إنتاجهم حتى تلحق رمبيك بمستوى لندن؟ الإجابة قطعاً «لا» . وهل قام الحكام الحاليون للجنوب والمثقفون الجنوبيون بتغيير نمط حياتهم حتى يمكن انعكاس ذلك على حياة المواطنين؟ الإجابة «لا». لقد أخبرني صديق من قدامى السياسيين في الجنوب أنه قاد سيارته في إحدى الأمسيات لتجاذب أطراف الحديث مع صديق له يحتل منصباً وزارياً. وعند وصوله لمنزل الوزير قيل له إن صاحب السعادة ذهب ليتفقد حيواناته في الأسطبل. ولدهشة السياسي أنه لدى وصوله للأسطبل وجد السيد الوزير يستمتع بكوب من اللبن الطازج مع بعض ضيوفه وهو مجرد من كل ملابسه، أي عارياً كما ولدته أمه، كما أن الضيوف كانوا أيضاً عراة، مما تقدم نستطيع القول إن نمطنا الاجتماعي والثقافي هو العقبة في سبيل انتهاج طرق إيجابية وتقدمية تسهم في تطوير المجتمع الجنوبي. وعلى سبيل المثال فهل في وسع الانفصال عن بقية أجزاء السودان أن يسهم في اصلاح أمثال الوزير المذكور حتى ينتقل أثر ذلك على سائر المواطنين؟ أم يا ترى سيستمر الحال كما هو عليه، وبالتالي نفرض على المواطنين نموذجاً ضاراً من الثقافة والسلوك الاجتماعي الذي يأتي بنتائج على عكس ما نحن في حاجة إليه من أجل تطوير وتنمية الجنوب ضمن السودان الموحد؟ وعلى سبيل المثال ، فإن الجنوبيين اغنياء في مجال الثروة الحيوانية ومنتجاتها لدرجة أنه إذا تمت إدارة هذه الثروة على أساس علمي، فإن العائد المادي على ملاك الثروة الحيوانية ضمن السودان الموحد يكون أكثر من العائد حين الانفصال عن بقية أجزاء السودان، لسبب بسيط هو أن السوق في السودان الموحد أكبر من السوق في حدود الجنوب وحده، هل هنالك من دليل على أن العيش ضمن السودان الموحد يمنع الاستغلال الأمثل لهذه الثروة الحيوانية؟ وهل هنالك من دليل على أن طريقة ادارة الثروة الحيوانية بالشكل الحالي ناجم عن وجود الجنوب ضمن السودان الموحد؟ وهل هنالك من دليل على أن الوزير المذكور في المثال أعلاه قد تصرف بذلك الشكل المخزي لأنه يعيش في جنوب ينتمي للسودان الموحد؟ وهل نتخذ الثروة الحيوانية في الجنوب للوجاهة الاجتماعية لا غير لأننا نعيش في جنوب ينتمي للسودان الموحد؟ عليه فإنه ينبغي على ملاك الثروة الحيوانية في الجنوب ألا يسعوا نحو الانفصال عن بقية أجزاء السودان حتى يتسنى لهم استثمار هذه الثروة والاستفادة منها بطريقة أفضل، ومن المعلوم أن المنشغلين بالثروة الحيوانية في الجنوب يشكلون عدداً كبيراً وعليه فإن حسن استخدام طاقاتهم ومجهوداتهم سيعود عليهم وعلى أبنائهم بنفع أكبر، فالجنوبيون في غنى عن الانفصال لتنمية هذه الثروة الحيوانية.
إن الاستغلال الأمثل للثروة الحيوانية جدير بانتشال الجميع في الجنوب من هاوية الفقر الذي يرزحون تحت وطأته، وهنالك حالات من الفقر والتخلف لا تحتاج للمال بقدر حاجتها لحسن الإدارة حتى تلحق بركب التقدم، كما أن هنالك حالات من العجز البشري والمعاناة لا تتطلب سوى تغيير النمط الثقافي والاجتماعي للضحايا حتى يتخلصوا من قبضة ذلك العجز وتلك المعاناة. هذه وأمثالها هي القضايا التي ينبغى علينا الاهتمام بها ومعالجتها، بدل أن نمني أهلنا في الجنوب كذباً بأرض الشهد واللبن التي ستظهر لهم بمجرد الانفصال عن بقية أجزاء السودان الأخرى؟. وبالنسبة للعاملين في مجال صيد الاسماك وصناعتها، ما هو نوع التحسن الذي سيطرأ عليهم حال انفصالهم عن بقية أجزاء السودان؟ لقد ظل هؤلاء القوم يعملون بهذه الطريقة البدائية في الصناعة السمكية منذ آلاف السنين، فهل من دليل على أن وجودهم ضمن السودان الموحد هو الذي جعلهم يعيشون بهذه الطريقة البدائية؟ وهل من دليل على أن جنوب السودان سوف يجد الرخاء فور انفصاله عن بقية أجزاء السودان؟ وهل وقع اختيار هؤلاء القوم على هذا النمط من صيد الأسماك لأن السودان كدولة فرض عليهم ذلك؟ إننا نسوق كل هذه الأسئلة لأن ملايين الجنوبيين يرزحون تحت وطأة الفقر ولا يدرون كنه الأسباب التي تجعلهم فقراء. هنالك البعض الذي يزعم أن آخرين خارج جنوب السودان هم المسؤولون عن اتباعهم هذه الطرق البدائية في الصيد. بل هنالك من يزعم أن فقرهم ناجم عن دولة السودان التأريخية التي أرادت لهم أن يعيشوا فقراء أبد الدهر، من المؤكد أنه لم يتم إخبارهم أن بعض العوامل الاجتماعية والثقافية هي التي جعلتهم يعتمدون على صيد الأسماك كوسيلة لكسب العيش، وأن نفس هذه العوامل هي التي تمنع تحررهم من هذا النمط الانتاجي البائس، كما لم يتم إخبارهم أن الجنوب يذخر بثروات لو أحسن استغلالها لعادت عليهم بالنفع الكبير دون الحاجة لشغل أنفسهم بهاجس الانفصال عن بقية أجزاء السودان، ولم يتم إخبارهم أن بعض ذويهم من الجنوبيين جنوا عليهم وتسببوا في معاناتهم أكثر من الاستعمار أو دولة السودان، على أنهم يحاطون علماً اليوم وكل يوم أن السبب الأول لمعاناتهم وفقرهم ناجم عن دولة السودان والاستعمار. وعليه فإن هذه العناصر الخبيثة تتطلب منهم المسارعة نحو الانفصال عن بقية أجزاء السودان حتى يتحرروا من مزاولة الصيد التقليدي للسمك. هذا لعمري لي لعنق الحقائق السياسية لتضليل هذه الفئة من البشر. وعلى المثقفين الجنوبيين أن يهبوا لتصحيح هذا الفهم الخاطئ وقيادة الأهل نحو مصلحتهم الحقيقية، وإلى جميع صائدي الأسماك وجامعيه في الجنوب أقول إن الإستعمار ودولة السودان لم يجعلاكم تتبعون هذه الطرق البدائية في الإنتاج، ولكن النمط الثقافي والاجتماعي السائد لديكم هو المسؤول عن ذلك، ومن واجبنا معشر المثقفين الجنوبيين أن نبصّر الأهل في الجنوب بأن الاستعمار والحكومات الوطنية المتعاقبة على السودان تتحمل جزءاً من وزر ظاهرة التخلف في الجنوب، ولكن بكل تأكيد لا يقع كل اللوم عليهم بقدر ما هو على النمط الثقافي والاجتماعي لديكم، وقد يجادل البعض بأنه لا يوجد اليوم في الجنوب صائدو أسماك كما هو مذكور أعلاه. إن كاتب هذه السطور يؤكد على وجودهم. ولكن ظروف الحرب جعلت الأمر صعباً عليهم، كما أن وجود الألغام بعد انتهاء الحرب سيسهم في ذلك أيضاً، هؤلاء النفر من الجنوبيين يحتاجون لمن يأخذ بأيديهم ليوضح لهم ماهو المطلوب منهم في يوم الاستفتاء، حيث إن ذهابهم إلى صناديق الاقتراع خلال 4 سنوات ليقرروا في أمر الانفصال لهو خداع وظلم لهم في نفس الوقت، إذ أنهم سوف يخرجون مما هم في حاجة إليه ، وهو السلام والاستقرار. إنهم في حاجة إلى من يقودهم للاستقرار مهما اطلقت عليها من أسماء دولة تقوم نتيجة لتفكير مريض ومتعجل نحو الانفصال باعتباره البلسم الشافي لتخلف الجنوب، وفي حالة حدوث الانفصال فإن معاناة هؤلاء النفر سوف تستمر إلى ما لا نهاية. على المثقفين الجنوبيين أن يتحلوا بالرحمة تجاه الأهل بالجنوب وأن يوظفوا علمهم ليوضحوا للأهل أن عدوهم فيما يتعلق بالتخلف ليس كون وجودهم ضمن سودان موحد. وعلى المثقفين أيضاً أن يسخروا كل طاقاتهم لإقناع المتشككين أن عدوهم في ما يختص بالتخلف هو قيمهم الثقافية والاجتماعية التي توارثوها. هنالك البعض الذي يرى أن السودان الجديد هو أخذ المدينة إلى القرية، بينما يرى البعض الآخر أن تنمية الريف تعتمد على التغيير الطبيعي لبيئة الريف. وهذا خطأ شائع لدى الكثيرين الذين لا يفقهون ماهية التنمية الريفية، يظل الانسان هو العمود الفقري للتنمية الريفية، حيث يمكنك تشييد ناطحات سحاب في رمبيك لتقلد بها مباني لندن، ولكن انسان رمبيك لن يستطيع التصرف مثل انسان لندن وهذا هو المحك، وفي الإمكان تشييد أحدث دورات المياه في جوبا، ولكن المواطنين سيظلون يقضون حاجتهم في العراء ولن يكون في وسعك لومهم. التنمية شيء مختلف عن إقامة مبان حديثة، وهذا مهم للغاية لمحاصرة أغنية الانفصال الخطرة، إن في إمكانك حمل الناس على التصويت للانفصال، ولكن لن تمنحهم القدرة على حكم أنفسهم بصورة متسقة في نظام ديمقراطي كما هو الحال في الدولة الحديثة، والتي صوتوا للانفصال من أجل قيامها، تستطيع جعل الناس يصوتون للانفصال ولكن ليس في وسعك منعهم من تخريب الدولة الجديدة، لأنهم لا يدرون كيف يعترفون بها، إنهم لا يعترفون بها لأنها في رأيهم لا يوجد شبه بينها وبين الدولة التي تدافع عن مصالحهم. إنها لحقيقة أن نمط الإنتاج الذي تمت الإشارة إليه يظل بين الأسباب الرئيسة المؤدية إلى تخلف الجنوب، وذلك إلى جانب الأسباب الأخرى التي فاقمت الأمر، والجدير بالذكر إن نمط الإنتاج هذا تم تناوله في إطار النموذج الاجتماعي السائد في جنوب السودان. كما يجدر بنا التنويه إلى أن السبب الذي يدعونا إلى استخدام هذا النوع من التحليل هو رغبة المؤلف في وضع كافة العوامل المتسببة في تخلف الجنوب على طاولة البحث ثم تناولها من مختلف المنظورات، وإنه من الأهمية بمكان أن نوضح للأهل في جنوب السودان بجلاء تام، أن هاجس الانفصال عن بقية أجزاء السودان ليس هو العلاج لمشكلة التخلف وعدم التنمية في الجنوب.
لعل خير مثال لتخلف نمط الإنتاج في الجنوب ما يعرف ب«زراعة الكفاف الإعاشية» والتي ساهمت بقدر وافر في عدم تنمية الجنوب وتخلفه ، وزراعة الكفاف الإعاشية تكاد لا تفي إلا بالحاجيات الأساسية البسيطة لإنسان الجنوب. ونفس الأسئلة التي طرحناها سابقاً تصلح للطرح هنا أيضاً، وذلك ليكون نقاشنا من منظور إيجابي وعليه فهل في الإمكان الجزم بأن تخلف الجنوب كمنطقة جغرافية ومجموعة بشرية ناجم عن وجود الجنوب ضمن السودان الموحد؟ وهل هنالك تأكيد بشكل قاطع أنه بمجرد تكوين دولة الانفصال في الجنوب فإن زراعة الكفاف الإعاشية سوف يتم تحويلها تلقائياً إلى زراعة حديثة مميكنة، مما يجعل صغار الزراع منتجين كباراً للغذاء الذي سيتم تصديره إلى كبرى الأسواق العالمية؟ وبالتالي ينعم صغار الزراع برغد العيش وينتقلوا من حياة الكفاف إلى حياة الوفرة والرفاهية؟ وهل من دليل مادي منطقي ومقنع لصغار الزراع هؤلاء أن فقرهم المدقع الذي يرزحون تحت وطأته يمكن إرجاع أسبابه إلى وجودهم ضمن السودان الموحد؟ وبينما تظل زراعة الكفاف الإعاشية نوعاً من النشاط الاقتصادي، فإننا ندرك أن القرارات المتخذة في هذا الإطار ترجع إلى نظام القيم الاجتماعية والثقافية السائدة وهذه القيم لا تؤثر فقط على نمط الإنتاج، ولكنها تؤثر أيضاً على نمط الاستهلاك والنظم الأخرى المتعلقة بكيفية استخدام قيمة الطعام. وإذا كان هنالك تساؤل عن تبادل قيمة الطعام المنتج بهذه الكيفية فقد لا يندهش المهتمون باقتصاد صغار الزراع. إن هؤلاء النفر لهم كبير اهتمام باستخدام قيمة الطعام أكثر من الاهتمام بكيفية تبادل هذه القيمة. وبينما يظل ما ذكرناه في هذا السياق صحيحاً فكيف سيكون في وسع اتفاقية السلام الشامل أن تتولى أمر تحسين الأحوال المعيشية لهؤلاء الزراع؟ إن أمر تقرير المصير يجب أن نفهمه في إطار سعادة هؤلاء الناس وبقدر التحسن الذي طرأ على حياتهم. إن تقرير المصير ليس دائماً مرادفاً لعملية سلخ الأراضي من نطاق دولة ما ولا يكفي أن نحاضر زراع الكفاف هؤلاء عن الاستفتاء إذ كيف يمكنهم تحويل الاستفتاء إلى طعام واحتياجات أخرى من أجلهم ومن أجل أبنائهم. وإذا كان حكام الجنوب الحاليون لا يستطيعون توفير السلام والأمن لمثل هؤلاء في الوقت الحاضر، فكيف السبيل إلى معيشة سعيدة يرجوها هؤلاء بعد انفصالهم عن بقية أجزاء السودان؟ وهل يرغب حكام الجنوب في الانفصال ليقوموا بتحسين الأحوال المعيشية لهؤلاء الجنوبيين فيما بعد، حيث أن وجود هؤلاء الحكام ضمن السودان الموحد يمنعهم من ذلك؟ وهل قام دعاة الانفصال وحكام جنوب السودان بعمل دراسة لكشف الأسباب الكامنة وراء امتهان ملايين الزراع مهنة زراعة الكفاف هذه؟ إنه من المعلوم لهذا المؤلف أن السياسة عبارة عن عدة عوامل مجتمعة تؤثر في حياة الناس، وأن ممتهني زراعة الكفاف الإعاشية قد تأثروا ببعض هذه العوامل مما جعلهم ضحايا لهذه القرارات السياسية وإذا كان الحال هكذا، فهل الانفصال عن بقية أجزاء السودان هو العلاج الشافي لهذه الأخطاء السياسية؟
اصدارات مركز دراسات الشرق الأوسط وافريقيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.