ليس من باب الشوفينية الجوفاء البغيضة، ولا من باب الغرور الأجوف أن نقول إن السودان الشمالي مع التسليم بالخسارة الفادحة التي سوف يسببها انقسام الوطن بعد الاستفتاء إلى دولتين مؤهل لأن يصبح دولة عظيمة قوية مؤثرة في محيطها الإقليمي، بل في الدنيا بأجمعها. وأكبر وأهم وأعلى أرصدة ومكونات السودان الشمالي هو الإنسان السوداني المُقيم في الأرض الممتدة من حلفا شمالاً إلى حدود 1956م جنوباً، ومن بورتسودان شرقاً إلى الجنينة غرباً. هذا الإنسان المدهش، الفنان، الكريم، الجبار، المتسامح، المتحضر، المغوار، الفارس، النبيل، الصابر، المؤمن، الشامخ، السامق، الأبي، العريق، هو الذي ينبغي التعويل عليه لامتصاص جراحات تقسيم الوطن وتجاوزها. ولقد انتصر بالنتيجة شبه المؤكدة للاستفتاء على تقرير مصير الجنوب المعسكر الانفصالي بشقيه الجنوبي والشمالي على المعسكر الوحدوي، لكنه لا يُسأل وحده عن هذه الهزيمة التي هي الأقسى والأفدح والأفظع منذ كرري 1898م وإنما يُسأل معه آخرون داخل السودان وخارجه. وكان الوطن تغير تغييراً كبيراً بعد هزيمة كرري التي حدثت في يوم 2 ديسمبر 1898م فانتقل من وطن حُر مُستقل إلى وطن محتل خاضع للاستعمار البريطاني فعلاً رغم اشتراك مصر الخديوية في ذلك الاستعمار. وسوف يتغيّر الوطن تغييراً كبيراً بعد إعلان نتيجة الاستفتاء، فبدلاً عن دولة واحدة، فإن الوطن مرشح إلى أن يكون دولتين. ولقد رأينا في السودان الشمالي أن نقبل بهذه النتيجة المؤسفة لكننا لن نجعل منها حائط مبكى نذرف حوله الدموع ونجتر الأسف والحزن والحنين. فقد دقّت ساعة العمل وأصبح واجبنا الأول هو أن نرتقي بالسودان الشمالي وأن نعمل على تقويته وازدهاره والمحافظة عليه والاستعداد لحمل السلاح إذا ما تجرّأ أي آخر على المساس بحقوقه، وهو قادر على ذلك وعلى ما هو أكثر منه استناداً إلى غِناه الذي أهم عناصره إنسانه العظيم، نعم دقّت ساعة العمل ولا وقت للدموع، ولا وقت أيضاً للصغائر والأكاذيب، ومنها أحاديث بعض السياسيين والصحافيين الجنوبيين وظلمهم غير المبرر للشماليين والشمال. ومن الغريب أن تصدر هذه الأكاذيب والصغائر ممن تلقّوا تعليمهم في الشمال ووصلوا إلى أعلى المناصب ولم يُباشر ضدهم أي شكل من أشكال التمييز، بل إن التمييز الوحيد الذي كان يُباشر ضدهم كان في صالحهم. ومنه ما حدث مثلاً في أبريل 1985م بعد الإطاحة بالنظام المايوي فقد أُعتقل كبار المايويين وأواسطهم وحتى صغارهم ولم يعتقل أبيل ألير الذي كان مسؤولاً كبيراً جداً طوال العهد المايوي الذي استمر 16 سنة، ومن المناصب التي شغلها نائب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس التنفيذي العالي للإقليم الجنوبي ووزير الأشغال والإسكان..والخ. وأيضاً لم يعتقل غيرهم من السياسيين الجنوبيين رغم أنهم كانوا بتحالفهم مع النظام المايوي بعد اتفاقية أديس أبابا عام 1972م من أهم أسباب استمرار ذلك النظام.