باي باي الشمال.. باي باي الخرطوم.. باي باي أم درمان وإلى آخره.. شعارات رفعت في جوبا وربما في غيرها من مدن الجنوب قبل الاستفتاء وخلاله، وإن كنا هنا في السودان الشمالي قررنا أن نحترم إرادة الجنوبيين - المتأثرة بكثير من الإغراءات والتهديدات والوعود- التي سوف تفضي حتماً إلى الانفصال فإننا كنا نتمنى أن تكون هناك مراعاة لمشاعر الشماليين وكبريائهم وأن يكون هناك عرفان وتقدير للشمال الذي كان هو ملاذهم الآمن الوحيد خلال الصراع المسلح الذي اندلع عام 83 بين الحركة المسلحة التي قادها د. جون قرنق والجيش السوداني. ومثل هذه الشعارات المستفزة تُحدث شعارات مستفزة يرفعها الطرف الآخر أو بعض عناصره من شاكلة باي بايين الجنوب بل ستين ألف باي باي الجنوب.. وذلك كله لن يؤدي إلى الاستقرار المنشود! والسود في جنوب أفريقيا بعد انعتاقهم من التمييز العنصري الذي مارسه ضدهم البيض لم يسيئوا إلى البيض على النحو الذي يسيء به بعض الجنوبيين الآن للشمال والشماليين. وإذا ما افترضنا لأجل الجدل أن حكومات الخرطوم منذ الزعيم إسماعيل الأزهري قصرت وأخطأت في حق الجنوب والجنوبيين وظلمتهم فلماذا لا يكتفون بتوجيه اللوم والنقد والعتاب لهذه الحكومات وينأون بشعاراتهم وأهازيجهم عن استفزاز المواطنين الشماليين البسطاء الذين عاملوهم أيام إقامتهم في الشمال معاملة فاضلة كريمة تختلف جملة وتفصيلاً عن معاملة البيض للسود في جنوب أفريقيا قبل وصول مانديللا إلى الحكم أول تسعينيات القرن الماضي؟ وحتى الحكومات السودانية كان منها حكومات قدرت الخصوصية الجنوبية بمنح الجنوب الحكم الذاتي الإقليمي عام 1972 وفي تلك الفترة كان الشمال مكبوتاً بشمولية النظام المايوي وكان في الجنوب قدر معقول من الحرية والديمقراطية وتداول السلطة. ثم أعطت حكومة الرئيس البشير الجنوب والجنوبيين ما هو فوق تصوراتهم في الوقت الذي يشتكي فيه كثير من قوى المعارضة الشمالية من الكبت والتباطؤ في عملية التحول الديمقراطي والخ.. ونعيد ونكرر أن في مقدمة ما هو مطلوب منا الآن الانحياز الصارم للشمال ومعالجة وبناء الدولة التي يشعر كل المنتمين لها أنها دولتهم وأن الوطن وطنهم وأنه لا تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة. ولقد كنا زمناً ما جزءاً من الدولة المصرية! ثم اخترنا الاستقلال وحققناه منتصف خمسينات القرن الماضي. ورغم الفرح الطاغي فإننا لم نرفع شعارات مثل وداعاً القاهرة وباي باي الإسكندرية لكننا على اختلاف حكوماتنا وقفنا مع مصر والمصريين وشكرناهم على الكثير الذي تلقيناه منهم وسامحناهم على أخطائهم- وما زالت مصر بالنسبة لنا هي السودان الشمالي ، ولكن يظهر أن الأمر في جوبا مختلف.!