بعد هزيمة يونيو 1967 الفظيعة.. ومن معالم فظاعتها أن الأمة العربية بعد ستة أيام من اندلاع الحرب فقدت شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقُدس الشرقية ومرتفعات الجولان السورية.. بعد تلك الهزيمة رفع النظام المصري الذي كان يقوده الرئيس عبد الناصر شعاراً عملياً هو: يد تمسِّك بالمدفع ويد تعمل للبناء. أي أن واجب تحرير الأرض لا ينبغي أن يشغلنا عن واجبات التنمية والتعمير ونشر التعليم وتوفير الغذاء والعلاج وفُرص العمل وتطوير مصر في المجالات كافة... والخ. وقبل يونيو 67 كانت هناك هزائم فظيعة كثيرة في تاريخنا السوداني والعربي الإفريقي الإسلامي، ومنها كرري 1898م حين فقدنا في ست ساعات استقلالنا واستُبيحت أم درمان وسقطت الدولة الحرة الجسور وخيّم الاستعمار البغيض عليها. وبعد يونيو 67 كانت هنالك أيضاً هزائم فظيعة ومنها سقوط بغداد في 9 أبريل 2003 وهروب الرئيس وكبار معاونيه وخضوع العراق العظيم للإحتلال الأمريكي. لكننا لم نستسلم لكارثة كرري 1898م وظللنا نناضل ونكافح بمختلف الوسائل لإزالة آثارها وكان من هذه الوسائل (الهبّات) والثورات والكفاح المُسلح ومؤتمر الخريجين والأحزاب والنقابات وتُوِّج ذلك كله بإعلان الاستقلال من داخل البرلمان منتصف خمسينيات القرن الماضي. وتعرّض الاستقلال لكثير من التحديات لكن أكبرها وأخطرها هو الاحتمال الماثل الآن بانشطار السودان إلى دولتين وثم احتمال آخر ببقائه واحداً موحداً؟! وهنا وفي هذه اللحظة (الفارقة) كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل يجب أن يكون شعارنا هو العمل الجاد الصادق لاستمرار الوحدة.. وحدة السودان من حلفا إلى نُمولي ومن الجنينة إلى بورتسودان والاستعداد في نفس الوقت للاحتمال الآخر احتمال تقسيم الوطن إلى دولتين. وكان من الممكن أن نتحدث عن احتمال واحد وأن نتشبّث بهذا الاحتمال وهو احتمال الوحدة في ما لو كانت هناك حركة وحدوية راسخة قادرة على التعبير عن نفسها في الجنوب وفي ما لو كانت القوات المسلحة موجودة هناك ولم تُسحب قبل الاستفتاء. أما وقد جرى ما جرى فإن الاستعداد للاحتمالين.. احتمال استمرار الوحدة واحتمال تقسيم البلد إلى دولتين هو الموقف السليم وهو في نفس الوقت لا يقدح في وحدوية متّخِذيه. إذن.. فإن الشعار المناسب الآن هو أن نعمل بكل قوانا وقدراتنا لاستمرار الوطن واحداً موحّداً كما تسلمناه ممن سبقونا وأن نتأهب في نفس الوقت ومن كافة النواحي للاحتمال الآخر وليس الغرور الأجوف أن نقول إننا شعب مؤهل للبقاء والاسهام في الحضارة الإنسانية ولسنا في أسوأ الأحوال شعباً قابلاً للاستئصال أو النزوح والأرض أرضنا منذ فجر التاريخ.