إبراهيم شقلاوي يكتب: الدعم السريع.. من المظلّة إلى المقصلة    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    تعادل لوبوبو وصن داونز يؤجل حسم بطاقتي مجموعة الهلال    شاهد بالفيديو.. مواطنة سودانية تنهار بالبكاء فرحاً بعد رؤيتها "المصباح أبو زيد" وتدعوه لمقابلة والدها والجمهور: (جوه ليك يا سلك)    بعد العودة إلى التدريبات.. هل ينتهي تمرد رونالدو أمام أركاداغ؟    شاهد بالفيديو.. الجوهرة السودانية يشعل المدرجات ويفتتح مشواره الإحترافي بالخليج بصناعة هدف بطريقة عالمية    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني بالدعم السريع يعلن انشقاقه عن المليشيا ويعترف: (نحن من أطلقنا الرصاصة الأولى بالمدينة الرياضية)    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة الثورة من الألف إلى الياء
نشر في الأهرام اليوم يوم 30 - 06 - 2011


إعداد : فاطمة - بهرام - مهند - الطيب جودو


(الإنقاذ).. الذكرى (22).. تفاصيل رحلة الرئيس من كادوقلي.. وكيف ضاع البيان (الأول)..؟!

30 يونيو.. قصة بدأت منذ سنوات طويلة عقب اقتناع مجلس شورى الحركة الإسلامية بضرورة الإعداد لثورة، وتدرجت الفكرة وفقاً للخطط التي أعدت آنذاك كما تعتقد العضوية في الحركة، بينما يرى آخرون أن إقدام حركتهم على مثل هذه الخطوة أمر اقتضته ظروف المرحلة ممثلة في حرب الجنوب والضائقة المعيشية وانفلات الأمن والتحديات التي كانت تواجه الحركة الإسلامية والإسلاميين، سواء من قبل الأحزاب الداخلية التي كانت تفكر في الانقلاب أم المجتمع الدولي الذي يريد إبعاد الإسلاميين عن السلطة، ولهذا السبب عجل مجلس شورى الحركة بموضوع قرار إجازة الانقلاب بالإجماع رغم وجود بعض الاعتراضات، ومنذئذ بدأ الترتيب من داخل مؤسسة الجيش ومن خارجها وظلت لحظة التنفيذ معلومة لقيادات بعينها. وبين التفكير في الثورة والإعداد لها والتنفيذ قصص وروايات لم يحن الوقت لكشف تفاصيلها، أو هكذا قال أهلها، رغم ذلك استنطقنا مشاركين، ورصدنا بعض متعلقات الحدث
المهندس محمود شريف الذي استشهد في الجنوب لعب دوراً كبيراً في نجاح الثورة بحكم مسؤوليته عن الاتصالات، ووفقاً لأحد أعضاء قيادة الثورة كان صاحب القدح المُعلى في إحضار أجهزة الاتصالات القريبة والبعيدة، ووفقاً لذلك تم تعطيل كل الأجهزة وأصبح الإنقاذيون يستخدمون الاتصالات الجديدة لضمان مزيد من السرية، لكن اللواء ابراهيم نايل إيدام عندما سألناه عن دوره في الإنقاذ بحكم وجوده ضمن تشكيلة مجلس قيادة الثورة قال: كنت أقوم بعمل معلوماتي في إطار التحضير للانقلاب لكن منذ 1987م تم إبعادي من خلال قطع أجهزة الاتصالات، وعزا إيدام خطوة استبعاده إلى شكوك ساورت بعضهم حول المجموعة التي كانت تعمل بجهاز الأمن آنذاك تحت رئاسة العميد عبد الرحمن فرح المعروف بولائه لحزب الأمة القومي، وكان معها نايل إيدام بجانب فضل الله برمة ناصر، ولهذا السبب لم يكن على علم بموعد انقلاب 30 يونيو 1989م وبعد نجاح الثورة اتصل به أحد المشاركين بتكليف من عمر البشير أو كما أشار، وتم اعتماده ضمن قائمة مجلس قيادة الثورة تقديراً لدوره في التمهيد ل(الإنقاذ) وإحكام سيطرته على مركز المعلومات.
اللواء طبيب الطيب (سيخة)..
أين اختفى رجل الإنقاذ القوي؟
ولد اللواء طبيب الطيب إبراهيم محمد خير، بقرية الوفاق، وتلقى تعليمه الأولي بالحقنة والمتوسطة والثانوي بمدينة شندي، التحق بجامعة الخرطوم ودرس الطب وجمع بين الدراسة والسياسة، حيث كان عضواً باتحاد جامعة الخرطوم لعدة دورات ممثلاً لحركة الاتجاه الإسلامي وكانت له آراء متشددة تجاه كثير من المظاهر الاجتماعية داخل الجامعة مثل إقامة الحفلات وكان لا يجامل أحداً في أمر يرتبط بالدين، لهذا السبب عرف بين زملائه بالطيب «سيخة»، وقيل إن علاقته بالشيوعيين والبعثيين كانت في توتر مستمر، فيما كانت تربطه صلات قوية بالطرق الصوفية تستمد ديمومتها من خلفية نشأة الطيب وأسرته التي كانت توالي السادة الختمية، غادر سيخة البلاد عقب أحداث شعبان عام 1973م إلى المملكة العربية السعودية، ربما بسبب أنه كان ضمن بعض أعضاء الحركة الإسلامية المطلوبين آنذاك لدى سلطات النظام المايوي، بعد المصالحة عاد إلى الوطن وأكمل دراسته وتخرج طبيباً ثم التحق بالكلية الحربية وفيها أظهر مقدرات عسكرية فائقة أذهلت زملاءه حتى تخرج من القادة والأركان وكان الأول على زملائه، نال درجة الماجستير وفي رحلته العملية حاول المواءمة بين النظرية والتطبيق، مسترشداً برصيده الفكري وتجربته الثرة التي شهد بها أصدقاؤه، بجانب زملاء المهنة ومن بين هؤلاء كان العميد معاش سيف الدين الذي كان أحد المرافقين للطيب في الجنوب، وحينما سألناه في وقت مضى عن رفيقه سيخة حدثنا عن مشواره مع اللواء من منقلا إلى بور، وقال إن الطيب عندما يكون في متحرك تبدو عليه علامات القائد والمقاتل الجسور، وفي محطات الارتكاز يتحول إلى طبيب يداوي جروح زملائه وعندما يتسرب الإحباط إلى نفوس المجاهدين كانت له القدرة على نقلهم من حالة اليأس إلى حالة يسودها الأمل والشعور بالمسؤولية والحالة هذه كانت في عام 1985-1986م.
حينما كنا في متحرك من منقلا إلى بور معقل جون قرنق والظروف الطبيعية كانت قاسية، فصعد الرائد الطبيب المثير وخطب وخاطب الناس في يوم عيد مذكراً إياهم بمآثر الصحابة وتضحياتهم حتى كتب الله لنا النصر وكان يقول أثناء المعارك:
سودان سفاري
والمحك فرياك
أثبت يا قلب صوت المدافع جاك
ومن أشعاره:
سكتُ لينطق المدفع أيها التاريخ سجل أنني اليوم أؤدي واجبي
خاتية ما بتصيبك وصايبة ما بتختاك
الكاتبو الكريم لابد بترجاك
ظل الطيب بأحلامه وأشواقه حتى اتخذت الحركة الإسلامية قرار تسلم السلطة وقيل كان يتولى قيادة التنفيذ في منطقة السلاح الطبي ليلة الإنقاذ ومهام أمنية في غاية السرية ربما تتضمن اعتقال بعض القيادات العسكرية، بعد الانقلاب كان أحد قيادات الإنقاذ، وأول وزير لشؤون الرئاسة برتبة عقيد وعندما بدأت بوادر اندلاع التمرد في دارفور في أوائل التسعينيات دفعت به الإنقاذ إلى ذلك الإقليم الملتهب، فتمكن من حسم النهب المسلح والقضاء على أبرز تمرد وقتئذ بقيادة داؤود يحيي بولاد الذي قضى نحبه في تلك المعارك وترك سيرة عطرة جعلت حكامات دارفور ينظمن فيها أشعاراً تحكي عن فروسيته وشجاعته، ثم عاد إلى المركز وشغل منصب وزير العمل والإصلاح الإداري وحاول من موقعه تطبيق قيمة الالتزام بالوقت، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والداخلية وأخيرآً كان مستشار الرئيس للشؤون الأمنية وقبل ذلك تعرض لحادثة طائرة الناصر التي استشهد فيها الفريق الزبير محمد صالح نائب رئيس الجمهورية الأسبق. بعد اتفاقية نيفاشا مباشرة فضل الطيب الخروج عن التشكيل الوزاري والابتعاد عن أي نشاط حزبي أو سلطوي. هذا الابتعاد أثار تساؤلات عديدة في أوساط الساحة بصورة عامة جعلت بعض المراقبين يرجعون هذا الابتعاد إلى حالة الصدمة التي قد تكون انتابت الرجل بسبب فشل مشروعه الفكري وتراجع الإنقاذ عن ثوابتها، بينما توقع البعض الآخر أن تكون للطيب آراء في سلام نيفاشا وأبوجا، وآخرون يرون أن الحركة الإسلامية بالنسبة له لم تعد كما هي والإنقاذ كذلك، وتعاظم هذا الشعور عندما برزت أجنحة الصراع داخل المؤتمر الوطني، فاختار الرجل طريقاً ثالثاً، لكن أحد المحللين قال إن الاختفاء هو سمة عامة لكثير من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كان أغلبهم يمثل المؤتمر الوطني وليس الحركة الإسلامية ودكتور الطيب له أبعاد مختلفة، سياسية وفكرية تجعله أكثر حساسية بحسب زعمه، اتجاه كثير من السياسات وربما ما زال تتملكه أشواق توحيد الحركة الإسلامية، وأياً كان السبب فقد شوهدت قبل فترة سيارات بعض المسؤولين تتردد على منزله بضاحية (نبتة) بشرق النيل على ما يبدو لإقناعه بالعودة إلى الحزب والسلطة لكن أحد المقربين قال لنا إن الرجل لا يبحث عن مناصب لكن يحلم بسودان ناهض، كما أنه يرغب في أن يتجاوز الناس محطة أنه كان في يوم ما رجل دولة ويتعاملون معه من خلال معايير العلم والفكر والفقه، مؤخراً أنجز الطيب الماجستير بمعهد إسلامية المعرفة وفقاً لروايات المقربين منه كما تم اختياره قبل أكثر من عامين لمنصب رئيس مجلس أمناء مركز التنوير المعرفي، الآن د. الطيب إبراهيم محمد خير بمدينة القضارف متفرغاً لإنجاز الدكتوراه، فهل غادر الرجل محطات السياسة وعاد مرة أخرى إلى مواقع العلم والمعرفة ليجري مراجعات لتجربة الحركة الإسلامية في الحكم وتجربته الخاصة التي قد تكون مرت بمسارات سياسية وفكرية تحتاج إلى مزيد من الاجتهاد؟.. ربما!
رحلة الرئيس من كادوقلي إلى الخرطوم
مشوار المخاطر بعد اكتمال الترتيبات
كيف تم نقل العميد عمر البشير من كادوقلي إلى العاصمة الخرطوم بعد اكتمال ترتيبات انقلاب 30 يونيو 1989م؟ ومتى؟ «الأهرام اليوم» طرحت هذا السؤال على عمر سليمان، عبر الهاتف، فقال: هذه الرحلة ما زالت طي الكتمان وتحتاج إلى زمن، وحتى مرافقته للرئيس إذا لم يقلها البشير في أحد لقاءاته، لما عرف الناس هذه المعلومة، مضيفاً: «أن الرئيس حتى الآن لم يقل كل شيء وإنما قال ما يريد قوله» أو كما عبّر. وأكد أن قصة الإنقاذ تحتاج إلى جيل كامل لكي يرويها، واستدرك قائلاً: لكن هناك من توفي بسره، رغم ذلك أكد ل«الأهرام اليوم» أن رحلة الرئيس كانت محفوفة بالمخاطر التي تهدد آنذاك باكتشاف الانقلاب على ضوء المعلومات التي كشفها حزب البعث العربي الاشتراكي في مجلة الدستور عام 1987م وأشار فيها لمتابعتهم لانقلاب تعد له الحركة الإسلامية بقيادة البشير.
كذلك بحسب عمر كان من بين المخاطر حدوث الانقلاب العسكري الذي حدث في 18/6/1989م واعتقال عدد من الناس، بينهم الزبير، هذا الأمر أدى إلى رفع مستوى الاستعداد في القوات المسلحة إلى أقصى درجة، مما دعا القائمين بالانقلاب إلى تغيير موعد الانقلاب الذي كان محدداً له 30/6/1989م حسب الخطة (ب) وهذا التعديل في التاريخ قاد إلى زيادة المخاطر على الرئيس ومرافقيه لأنهم كانوا قد تحركوا من كادوقلي ليصلوا الخرطوم في الموعد الأول 22/6/1989م وعندما عُدل الموعد اضطروا إلى قضاء جزء من هذه الفترة خارج العاصمة وجاءوا إلى الخرطوم قبل يومين من الانقلاب، أي في يوم 28 يونيو 1989م.
من أضاع نسخة بيان الإنقاذ الأول؟
دار كثير من الجدل حول ضياع نسخة البيان الأصلية، لثورة الإنقاذ، لحظة الإذاعة، الأمر الذي دعا الناس إلى اللجوء للنسخة الاحتياطية التي كانت بحوزة العميد صلاح كرار، لكن من أضاع هذه النسخة؟ سألنا صلاح الدين كرار عن ملابسات الضياع فقال:
كنت وقتها قائداً لمنطقة الخرطوم، وكانت معي النسخ الاحتياطية من البيان - الكاسيت للإذاعة والفيديو للتلفزيون - وعملنا التسجيل أن البشير كان في كادوقلي وتاريخ إذاعة البيان كان من المفترض أن يكون في 22/6/1989م على أن يحضر البشير بعد إذاعة البيان، لكننا أجلنا إذاعته لأسبوع على أن يكون في يوم 29/6 ليلة 30/6. عمر البشير جاء قبل يومين، لكن الشريط الذي دار حوله لغط كثير ضاع وليس لدي معلومة حول ضياعه وكان الناس في انتظار إذاعته، وجاءني مولانا محمد عثمان محمد سعيد والهادي عبدالله وذكرا لي أن النسخ الأصلية ضاعت، وطلبا مني إعطاءهم النسخ الاحتياطية من البيان وفتحت «الشنطة» في مقر فرع البحوث العسكرية وسلمتهما النسخ وتمت إذاعتها.
أما في ما يتعلق بالعمل الاستخباراتي فإنه كان جزءاً أساسياً من العمل، وكانت هناك حركات كثيرة جداً تعمل داخل القوات المسلحة، أبرزها تنظيما الحزب الشيوعي والبعثيين، وكان لا بد من توخي الحذر، وكنا وقتها نستعين بالشهيد العميد كمال علي مختار وكان يعمل في الاستخبارات العسكرية، الرجل لم يشارك في الانقلاب، لكنه كان جزءاً من التنظيم. أما تنظيمنا فلم يكن حوله معلومات، لكن الأحزاب كانت تشتم رائحة انقلاب.
وقتها كان إبراهيم نايل إيدام يعمل في الأمن، وسُربت معلومة للصادق المهدي بأن الجبهة الإسلامية تخطط لانقلاب، لكن إيدام عندما استدعاه الصادق المهدي نفى المعلومة وكان صادقاً في ذلك لأنه لم يتعرف على انقلابنا. إبراهيم نايل إيدام لم يضلل الصادق المهدي لكنه لم يكن يعلم بالتفاصيل.
أحزاب هددت الانقلاب
رغم قوة تنظيم الحركة الإسلامية أيام قيامها بانقلاب 30 يونيو 1989م والسرية التي اتصف بها، إلا أن هناك بعض الأحزاب تمكنت من تسريب معلومات تدل على أن تنظيم الحركة الإسلامية يعد لانقلاب، ومن بين هذه الأحزاب كان حزب البعث العربي الذي سبق الانقلاب بنشر مقال في مجلة الدستور، ووفقاً للروايات كان ذلك في 1987م تحدث فيه عن وجود علاقة بين العميد عمر البشير وحزب الحركة الإسلامية وكشفوا عن أن الإخوان يخططون لانقلاب بقيادة البشير وما يدعم هذه الرواية أن الإنقاذيين حينما نفذوا هذا الانقلاب استطاعوا تضليل المجتمع الخارجي، فحتى أمريكا المعروفة بقوة مخابراتها لم تستطع اكتشاف هوية الانقلابيين وزاد من التضليل ما قام به الإسلاميين من عمل تخريبي «حرق إطارات العربات» أمام السفارة، الأمر الذي جعل السفير يجزم بوجود حالة انفلات تقتضي التغيير بواسطة الشعب، أما المصريون فقد أكد حينها السفير الشربيني لحكومته عن وجود توافق بين مصر والذين قاموا بالانقلاب على خلفية تلقي (15) من مجلس قيادة الثورة دورات تدريبية في مصر قبل الثورة بفترة وجيزة، إلا أن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كان هو الوحيد الذي شكك في وجود أيديولوجية وراء هذا الانقلاب، وظهر ذلك عندما حاول المصريون والأمريكان إقناعه بفكرتهم، فرد عليهم قائلاً (المعلومات عندي غير كدا)، ومعلوماته كانت مستمدة من حزب البعث في الخرطوم. أيضاً بحسب شهادات بعض القائمين بالثورة أن أحد كوادر الحزب الشيوعي في سلاح المهندسين سرب معلومة الانقلاب إلى حزبه لكن قيل إن الحزب لم يتعامل مع المعلومة بالجدية المطلوبة إلا أن أحد أعضاء قيادة الثورة المسؤولين عن المنطقة قال إن المقاومة الوحيدة التي وجدناها كانت في سلاح المهندسين مما يدل على وجود قدر من الاستعداد داخل هذا القطاع.
شورى الإسلاميين: إجاز ة بالإجماع فهل وافق زين العابدين على الانقلاب؟
دكتور الطيب زين العابدين عضو مجلس شورى الحركة الإسلامية قبيل الانقلاب قال في حديثه ل«الأهرام اليوم» إن قرار تنفيذ الانقلاب اتخذته الهيئة التنفيذية للجبهة الإسلامية القومية والتي كانت تضم (27) عضواً كلهم من الإسلاميين، وأشار إلى أن القرار سندته حجج اعتقد بأنها قوية وتمثلت في التمدد الكبير للتمرد في الشمال ووقتها كان قد وصل حتى الكرمك وقيسان، ورأت الهيئة آنذاك بأن حكومة القصر ضعيفة ولا تستطيع التصدي للتمرد، مضيفاً بأن من ضمن الحجج أيضاً أن الجبهة الإسلامية كانت تعلم بوجود تيارات داخل القوات المسلحة تحاول الانقلاب، وأردف أننا كنا مخترقين تلك التيارات ونعلم بتخطيط البعثيين ومحاولات المايويين وبجانب الحزب القومي الذي كان معظم أعضائه من أبناء النوبة، لذا رأت الحركة الإسلامية أن الانقلاب أصلاً قادم قادم وما دام الإسلاميون جاهزين فمن الأفضل تنفيذه الآن وتمت إجازة قرار الانقلاب بالإجماع مع الأخذ في الاعتبار أن الغرب يتربص بالحركة الإسلامية ولن يتركها تصل للسلطة عبر الطرق الديمقراطية وتلك كانت أضعف الحجج في رأيي كي ينفذ الانقلاب. وقال الطيب زين العابدين إن موقفه ظل ثابتاً منذ البداية وهو رفضه للانقلاب العسكري لاعتقاده الجازم بأن العسكري لا يمكن أن يحقق نظاماً إسلامياً. وأرجع ذلك إلى أن الحكم العسكري هدفه الأساسي حماية نفسه فقط ولا يقبل الفيدرالية أو الديمقراطية ويقوم على المركزية والتعليمات المباشرة من الرؤساء، وقال زين العابدين: بعد الانقلاب اعترضت على عمليات الفصل والزج بالناس في السجون، وأن موقفي ثابت من العسكريين ورفضت المصالحة مع حكم النميري واعترضت على الدخول في الحكم الذي اعتبره استعلائياً ومتخلفاً وكان معي عثمان خالد وآخرون معارضون لذلك وكنت مع أنصار الهدنة مع النميري. وخلص زين العابدين إلى أن الحكم العسكري لا يصلح في السودان، مستشهداً بأن نظام النميري انتهى بحرب الجنوب والإنقاذ أودت بالبلاد إلى الانفصال وتراكمت الأزمات في دارفور وجنوب كردفان وأبيي والنيل الأزرق واستشراء القبلية وانتشار القوات الدولية بالسودان والفساد المالي ونهاية حزينة للبلاد، وقال: لكننا لا ننفي أن حكم الإنقاذ كانت به إيجابيات في مجال البنى التحتية والبترول وغيرها ولكن سلبياتها أكبر بالتدهور المريع في التعليم والصحة، وأنها مارست الشمولية والحكم الاستبدادي الذي لا يحترم حقوق الإنسان والحرية في الرأي.
29 يونيو 1989م
ماذا قالت صحف الخرطوم
قبل يوم من (الانقلاب)؟
«صحيفة الأيام»
علي عثمان يسخر من مقترحات الحكومة لسد عجز الميزانية ويطالب بتغيير التركيبة الحاكمة
«صحيفة السوداني»
الجبهة القومية تنتقد الميزانية وتطرح اتهامات خطيرة لجهاز المال
«صحيفة السياسة»
من أقوالهم
مضى الصادق المهدي.. فلا حاربنا فانتصرنا ولا انبطحنا فسالمنا، مضى الصادق فلا نحن إسلاميين ولا نحن علمانيين. مضى الصادق فلا مائدتنا خبز أمريكي أبيض ولا هي فتريتة سودانية سمراء، الشعب الآن ما عاد يهمه من الذي يأتي لأن الشعب ما عاد يأتي.
الأستاذ/ حسين خوجلي
«ألوان 28/6/1989م»


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.