في مقدمة الزعماء السودانيين الأكثر استحقاقاً بأن يكتب عنهم طوال العام وخاصة في شهر يناير محمد أحمد المهدي الذي قاد الكفاح المسلح أول ثمانينات القرن التاسع عشر؛ ذلك الكفاح الذي بلغ ذروته يوم 26 يناير 1885م بدخول الأنصار الخرطوم ودخلوها ظافرين مهللين مقتحمين وبدأ عهد جديد أصبح فيه السودانيون يحكمون أنفسهم بأنفسهم بعد أربعة وستين عاماً من الحكم الأجنبي البغيض الظالم رغم أنه كان حكماً مسلماً أو أن الحكام كانوا مسلمين. ولم يتخرج المهدي في كلية عسكرية فقد كان فقيهاً أو شيخاً لكنه كان قائداً مقتدراً وذكرنا من قبل أن الفكي الذي هو المهدي كان أكفأ عسكرياً من مجايله الضابط المحترف المصري الشهير أحمد عرابي، فبينما نجد أن المهدي ومعه الأنصار طردوا الاحتلال نجد أن أحمد عرابي ورفاقه فشلوا ثم إنه نفي خارج مصر وشوهت شخصيته في الصحافة المصرية وحتى في الشعر. وكان من الأبيات المسيئة التي نظمت عنه ذلك البيت الذى نصه: صغار في الذهاب وفي الإياب أهذا كل شأنك يا عرابي وكان القائل هو أمير الشعراء أحمد شوقي ربيب الخديوى إسماعيل وقد اعترف بذلك قائلاً: أأخون إسماعيل في أبنائه ولقد ولدت بباب إسماعيلا لكن ما كتبناه عن المهدي قليل للغاية رغم أن إنجازه كان كبيراً ويكفي أن كثيراً من السودانيين لا يعرفون اسمه الحقيقي الذي هو محمد أحمد ودعبدالله ود فحل. وقد ارتبطت به أو أنه ارتبط بأم درمان التي اتخذها عام 1885م عاصمة للدولة المستقلة وارتبطت به أيضاً الجزيرة أبا التي كانت مسرحاً للمواجهة العسكرية الأولى بين الأنصار والحكومة التركية. ولم يعش المهدي طويلاً بعد انتصاره المدوي فقد مات بعد بضعة شهور من تحرير الخرطوم ولا أحد يستطيع أن يجزم بما كانت سوف تؤول إليه الأوضاع إذا ما امتد به العمر وأمضى في الحكم نفس الفترة التي أمضاها ساعده الأيمن الذي كان في مقدمة كبار الثورة المهدية منذ بداياتها وهو الخليفة عبدالله فالثورة شيء والحكم شيء آخر. وقد كان كثير من الثوار الشواهق حكاماً فاشلين وكان كثير من الثوار والسياسيين العاديين حكاماً ممتازين. ولا يقلل من قيمة الثورة المهدية البؤس العمراني الذي كان أوضح ما يكون في ذلك الوقت من النصف الثاني للقرن التاسع عشر وهي الفترة التي شهدت في مصر إنجازات عمرانية ضخمة، فالثورة عملية هدم أما الدولة فهي المسؤولة عن البناء والتعمير والتنمية. وإذن فإن الصحيح هو أن الدولة المهدية وليس الثورة المهدية هي التي عرفت البؤس العمراني. لكنها بالجملة كانت حدثاً أكد أن الشعب السوداني ليس شعباً سهلاً وأنه ماهو هوين وكان الشاعر محجوب شريف خاطب هذا الشعب بعد مائة عام من تلك الثورة قائلاً "ماك هويّّن سيد نفسك مين أسيادك". ورحم الله المهدي الثائر البطل الذي ارتفعت به قاماتنا جميعاً وأجزل الله مثوبة أولئك الذين نصروه ووقفوا معه جماهير الأنصار وقادتهم فرداً فرداً.