مبارك أردول يرد على البرنس هيثم مصطفى: (أنا جاي بعد بكرة تعال اعتقلني)    شاهد بالفيديو.. طالبة سودانية بالقاهرة تبكي من تشدد "المراقبات" في امتحانات الشهادة: (حسبي الله ونعم الوكيل فيهم شايلة بخرات ما قدرت أطلعهم)    شاهد بالفيديو.. عروس سودانية تشكو: (في صبحية زواجي ضبطت زوجي مع صديقة عمري داخل غرفتها بأحد الفنادق)    السودان.. انخفاض معدل التضخم    شاهد بالفيديو.. الصحفية داليا الياس توضح الحقائق الكاملة حول أمر القبض الصادر ضدها: (نعم أخطأت ويسعدني جداً ما وصل إليه القانون في بلدنا)    شاهد بالصورة.. نيابة أمن الدولة تصدر أمر قبض في مواجهة الشاعرة والصحفية داليا الياس.. تعرف على التفاصيل!!    شاهد بالصورة والفيديو.. "مُسن" سوداني في الثمانين من عمره يفاجئ المتابعين ويتأهب لإكمال مراسم زواجه بقعدة "حنة"    شاهد بالصور.. المذيعة السودانية الحسناء جدية عثمان تقارن بين الماضي والحاضر بإطلالتين مختلفتين    Gemini يدخل مرحلة جديدة: جوجل تعزز الذكاء الشخصي وتربطه بحسابات المستخدم    دليلك الشامل لتحديثات يوتيوب الجديدة: من ال GIF إلى البث العمودى    منتخب الناشئين يواجه جينيس وديا اليوم استعدادا لأمم أفريقيا    الأهلى ينفى دخول وساطات لإنهاء الأزمة مع الجبلاية    الواثق البرير يطرح رؤية لعقد اجتماعي جديد في السودان للخروج من الأزمة    افتتاح مصنع الجوازات والوثائق الثبوتية بمدني    كل ما تحتاج معرفته عن GPT 5.4 سايبر المتخصص فى الدفاع السيبرانى    أصالة تحيي حفلاً غنائيًا في باريس.. 25 أبريل الجارى    ياسر جلال يحتفل بعيد ميلاده ال57.. مسيرة فنية وسياسية    أنوشكا : نجاح الفن فى لمس قلوب الناس وإحداث تغيير إيجابى لدى الجمهور    بينها الجبن.. 4 أطعمة يمكنها تبييض أسنانك بشكل طبيعى    نتائج مبشرة لدواء روسى جديد لعلاج سرطان الدم.. اعرف التفاصيل    الأهلي يكسب الامل بهدفي والي الدين و سواريز    الشعلة تعبر النيل والنصر الشرفة يتخطى العزيبة    الجاكومي يكشف تفاصيل"الفيديو المثير"    د.ابراهيم الصديق على يكتب: خلافات حميدتي وطاحونة: وقائع مكالمة مسربة..    رباعي المريخ يخضع لبرنامج تأهيل بالقاهرة    التهاب الشعب الهوائية.. كيف يبدأ ومتى يتحول لمشكلة مزمنة؟    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    فيفا يُخطر المنتخبات بمواعيد قوائم كأس العالم 2026    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    والي الخرطوم يوجه بالتوسع في توفير غاز الطبخ عبر الوكلاء المعتمدين    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    خطر عظيم يهدد يامال أمام أتلتيكو مدريد    رئيس شُعبة مصدري الذهب: أنقذوا صادر الذهب واستيراد المحروقات من أيادي العبث وعديمي الضمير    تفاصيل جديدة بشأن انقطاع التيّار الكهربائي عن الولاية الشمالية    إيران تهدد: موانئ الخليج لن تكون في مأمن إذا حوصرت موانئنا    إحصائيات صادمة تؤكد ضياع كيليان مبابي في الوقت الحاسم    رئيس الوزراء يدشن حصاد القمح بمشروع الجزيرة    كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    السودان.. القبض على 4 ضباط    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد وردي ... ذكريات وأسمار وأفكار (1-2): عبد المحمود نور الدائم الكرنكي
نشر في الانتباهة يوم 20 - 02 - 2012

بعد رحلة عطاء إبداعي زادت عن نصف قرن، بعد أن أضاءت روائعه الملهمة فضاءات الوجدان والوطن لأكثر من خمسين عاماً، انتقل ملك الغناء السوداني محمد وردى إلى رحاب الله بمستشفي فضيل الساعة 10.25مساء السبت 18/فبراير2012م. فيما يلي ذكريات وأسمار وأفكار عن محمد وردي مبدع السودان الراحل.
قبل (17) عاماً كانت أول مرة ألتقى فيها الفنان محمد وردي. كان ذلك في عام 1995م في لندن. كان وردي يقيم بسبب السياسة في العاصمة البريطانية. كان عنوان وردي في لندن
14 Red Bridge Lane East
ILFORD,IJE 5EU
كان رقم هاتف وردي في لندن 0181-491-4558 وقد حصلت على رقم الهاتف والعنوان من صديق مشترك. وتصادف أن كان نجم التلفزيون السوداني، حسن عبدالوهاب في تلك الأيام في لندن، في زيارة عمل. وقد جاء قادماً من مقرّ إقامته في مدينة بون- ألمانيا.
أخبرت حسن عبدالوهاب بأن وردي في لندن. واتفقنا على زيارته. كانت الأجواء السياسية بين المعارضة والحكومة متوترة للغاية. ولكن لابدّ من كسر الجدار العازل، ليتدفق نهر السماحة السودانية بين الطرفين. فكان الاتصال هاتفياً بوردي في منزله، وأخطرناه بأن يتوقع زيارتنا مساء ذلك اليوم. وحدّدنا ساعة الحضور. وعندما وصلنا إلى منزل وردي استقبلنا ببشاشة كبيرة جداً. كان استقبالاً حميماً. كانت تلك المرة الأولى التي ألتقى فيها وردي، وإن كنت منذ الصغر أحفظ كل أغنياته تقريباً. شعرت أن الحميمية التي استقبلنا بها، تعطي الشعور أنه صديق قديم، أو ذلك النوع الذي تحسّ أن يمكن مصادقته منذ أول لقاء. في ذلك المساء تدفقت الأحاديث في ساعتين من الإلفة الأصيلة والمودّة. كان وردي في الواقع عكس بعض الكتابات غير الدقيقة التي اعتادت أن تتطاول وتسرف في دعواها، عن ما تسميه غرور وردي وغلظة وردي وقسوة تعامله. وتلك كتابات غريبة غير منصفة، في حق رمز وطني انساني. واحدة فقط من مآثره الإنسانية العديدة أن وردي رائد في رعاية علاج الفشل الكلوي للأطفال. ولا يدري أحد ماذا فعل شانئو وردي من أجل الطفولة والفن والوطن؟.
في ذلك المساء تحدث وردي بصدق، عن معاناته في الإغتراب والبعد عن الأهل والديار، كان يتفطّر ألماً ويقول: والله ما قادر أنوم!.قالها أكثر من مرّة. عندما كان يتحدث عن معاناته كنت أحس أنها بحجم موهبته، وبحجمه تمّرغه في شجن السودان وحب السودان. من ضمن أسمار تلك الليلة وأحاديث الإمتاع والمؤانسة، سألته عن أصعب لحن قام بتلحينه، فقال لحن أغنية (الودّ). قال حسن عبدالوهاب أليس لحن أغنية المستحيل؟ قال وردى: لا. تلحين (المستحيل) لم يكن صعباً. أصعب لحن كان لحن أغنية (الودّ). سألت وردي: هل استغرق تلحين (يا راجياني) زمناً فأجاب: لا. كان تلحينها سهلاً. ذكرت له كيف أنني كنت أستمع إلى تلك الأغنية في مرحلة الخطوبة. والحديث ذو شجون، تحدث وردي عن دوره في أن يسجِّل أولاد حاج الماحي مدائحهم النبوية في الإذاعة السودانية. لولا محمد وردي لما استمع الشعب السوداني إلى مدائح (حاج الماحي) في الإذاعة السودانية. وقد حكى محمد وردي قصة أوّل تسجيل لهم، ومَن كان حاضراً من رموز الفن والموسيقى.
قلت للموسيقار وردي كيف إن موسيقاراً بحجم برعي محمد دفع الله يستحق اعتباراً وتقديراً بحجم موهبته وعطائه. فوجدت أن وردي يكنُّ لبرعي محمد دفع الله احتراماً وحباً كبيراً. يذكر أن هناك ثلاث أغاني فقط من أغنيات وردي قام بتلحينها غيره. وهي أغنية (الوصية)، وهي من ألحان برعي محمد دفع الله، وأغنية ياطير ياطاير من ألحان خليل آحمد و (حرّمت الحب والريدة) من ألحان وكلمات الطاهر إبراهيم. عدا ذلك كل أغنيات وردي هي من ألحانه. وقد لحّن وردي لصلاح بن البادية أغنية (أيامك)، كما لحّن لعثمان مصطفى أغنية (مشتاقين). وضعت تلك الأغنية عثمان مصطفى في القمة منذ لحظته الأولى. ذكرت لوردي أن العديدين يحبون أول أغنية سجلها للإذاعة (بشوف في شخصك أحلامي). فتنفَّس وردي بارتياح قائلاً: أنا أحب هذه الأغنية، وهي من كلمات كمال محيسي، يذكر أن الشاعر كمال محيسي قد رحل عن دنيانا في شبابه الغض، وقد كتب عدداً من الأغنيات الجميلة مثل أغنية (أيامنا) لسيِّد خليفة.. (أيامنا في الدنيا معدودة.. ليه بس نبكيها.. ونتعذب فيها.. مادام الدنيا في إيدينا موجودة). كأنما كان كمال محيسي يتنبأ برحيله العاجل.
في تلك الليلة اتفق حسن عبدالوهاب ووردي على أن يحمل حسن خطاباً من وردي إلى عائلته في الخرطوم. حسن كان حينها بصدد زيارة السودان، وقد أخبرني حسن لاحقاً أنه سلّم خطاب وردي إلى عائلته. في تلك الليلة ذكرت لوردي جمال اللحن الذي أبدعه برعي محمد دفع الله، للنشيد الذي يغنيه عبدالعزيز محمد داؤود (غالية الثورة غالية علينا.. منَّك كلّ خير راجينا.. نسلم ليك وتسلمي لينا). فقال وردي بانفعال الفنان بأنه كان يتمنى أن يغنّي ذلك اللحن، ثم صدح لثواني بمطلع نشيد (غالية الثورة غالية علينا) بأجمل صوت يمكن أن يستمع إليه إنسان، أو أجمل صوت يمكن أن يمتد إلى أثير الفضاء العريض. تلك الأغنية السياسية أو النشيد (غالية الثورة) من كلمات إسحاق الحلنقي.
محمد وردي فنان حقيقي وإنسان حقيقي. وقد اعتاد بعضهم في أيام خالية ظلم محمد الفنان الانسان ظلماً كبيراً، كأنما قدره احتمال التضحيات منذ اعتقاله في نهاية الخمسينات وسجن السبَّعينات عندما قضى في سجن كوبر عامين في عهد الرئيس نميري، حيث قضاها في زنزانة يفترش الأرض.
مفخرة الغناء السوداني محمد وردي، من القلة القليلة من فناني السودان الكبار، ممّن لايتكرر الواحد منهم إلا مرَّة واحدة كلّ عدة قرون. كانت تلك المرة الأولى التي التقيت فيها محمد وردي. كانت المرة الثانية في لندن في منطقة (سنت جونزوود)، في منزل الدكتور عزالدين على عامر، عقب رحيله. كان وردي في مجلس العزاء صامتاً حزيناً، وكنت قد تعرفت إلى الراحل د. عزالدين، قبل أربعة أيام من رحيله. وهو مهذب دمث الأخلاق. وعند عزاء زوجته الأمريكية وابنته الوحيدة، ذكرت لهم أن د. عزالدين من كبار السياسيين السودانيين المحترمين، وإن هناك استعداداً تاماً لتغطية نفقات ترحيل الجثمان إلى أرض الوطن. فأجابت زوجته بعرفان ودموعها على عينيها أشكركم... أشكركم. كان ذلك في يونيو 1995م. المرة الثالثة التي التقيت فيها وردي كانت عبر الهاتف عندما سمعت بخبر الفشل الكلوي. كان وردي عبر محادثته الهاتفية، شجاعاً، فارساً، بمعنويات عالية وبشاشة فيّاضة. ونقلت الخبر إلى الراحل السفير أحمد عبدالحليم فاتصل بدوره بوردي. وقد تذكرت شجاعة وردي في المرض مرَّة أخرى لاحقاً. ذكَّرني إياها الراحل أحمد عبدالحليم. كنت قد التقيت بأحمد عبدالحليم، في منزله في لندن، عقب عودته من الطبيب، وقد سلَّمه نتيجة التشخيص وأخبره بالسرطان، كان احمد طبيعيَّاً للغاية، كأنه ليس طرفاً في ذلك الموضوع!. كان على نفس سجيته يتحدث ويضحك ويعلِّق، كأن لم يكن شيئاً، بينما السيدة الفضلى زوجته تأتي بالقهوة. كانت علاقتهما مثل عرسان في الشهر الأول. لم أرَ شجاعة في المرض كشجاعة أحمد عبدالحليم، وطوال أيام أعقبت ذلك، تلاقينا فيها مرّات، كان أحمد كأنّ السرطان لا يعنيه في كثير أو قليل. ومن بعدها ذهبنا معاً إلى المستشفى لتهنئة كريمته بالمولود (خالد بن الوليد). وفي المستشفى عرّفني الأستاذ أحمد بالسيدة زوجة السيد داؤود عبداللطيف التي جاءت برفقة ابنتها للتهنئة. كانت بنت داؤود مهذبة صامتة، ترتدي بنطلون وقميص (تي شيرت).
محمد وردي...بحيرة عظمى من الألحان الجميلة.
إلتقيت محمد وردي مرة رابعة في مناسبة عامة، وتبادلت بعض الحديث. وكانت المرة الخامسة في صيوان العزاء في رحيل السيدة عقيلته أم مظفر علوية الرشيدي. في كل مرة كان وردي هو الانسان والفنان العفوي الأصيل. وردي ملك من ملوك الفن السوداني، وملكاً من ملوك حضارة الفن السوداني، كان منظراً رائعاً ظهور وردي مرتدياً أزياء ملوك الحضارة السودانية في احتفالية الخرطوم عاصمة الثقافة العربية وهو ينشد نشيد (يقظة شعب)... (حين خطَّ المجد في الأرض دوربَه... عزم تهراقا وإيمان العروبة... عرباً نحن حملناها ونوبة). إذا كان لفن الألحان جغرافيا تُدرَّس، فإن محمد وردي بحيرة عظمى من الألحان الجميلة. كما أن محمد وردي شاعر عملاق يغني بألحانه العظيمة الأشعار الجميلة التي ينتقيها بعناية شاعر. تلك خاصية لايستطيعها إلا أصحاب المواهب الطبيعية الضخمة. وتلك أقلية نادرة، ذلك سرّ نجاحه المتفرد السهل الممتنع. تنقَّل وردي في أشعار أغنياته في قارة واسعة من أزاهير الشعراء... كمال محيسي (بشوف في شخصك أحلامي).. اسماعيل حسن (بعد إيه، المستحيل، خاف من الله، لو بهمسة، الرّيلة، وغيرها)... محمد عثمان كجراي (مافي داعي)... الجيلي عبدالمنعم عباس (مرحباً يا شوق، الهوى الأول)... صاوي عبدالكافي (أمير الحسن، حبيب القلب يا أغلى الحبايب).. صديق مدثر (الحبيب العائد)... أبو آمنة حامد (فرحة. بنحب من بلدنا)... محمد الفيتوري (أصبح الصبح وغيرها).. محمد المكي ابراهيم (أكتوبر الأخضر. إنني أؤمن بالشعب حبيبي وأبي، وغيرها)... مرسى صالح سراج (يقظة شعب)... إسحق الحلنقي (عصافيرالخريف، ياراجياني، أقابلك في زمن ماشي، وغيرها).. السِّر دوليب (هدية)... محمد على أبوقطاطي (المرسال، سوات العاصفة)... التجاني سعيد (من غير ميعاد، قلت أرحل)... عمر الطيب الدوش (الودّ، بناديها، وغيرها) ... الجيلي محمد صالح (الحِبيِّب)... صلاح أحمد إبراهيم (الطير المهاجر، يا ثوار اكتوبر)... عبدالواحد عبدالله (اليوم نرفع راية استقلالنا)... محجوب شريف (أحبك أنا مجنونك، وغيرها)... على عبدالقيوم (بسيماتك تخلِّي الدنيا شمسية)... محمد يوسف موسى (عذبني).كما غنى وردي لمبارك بشير ومحمد الحسن دكتور. تلك قائمة باثنين وعشرين شاعراً مميزاً. وهناك غيرهم. لولا شاعرية وردي وملكاته العالية، لما استطاع التنقل بنجاح في حدائق الشعراء. لإبراز أكثر لتلك الميزة (الورديَّة)، نقول بعد أن فارق الفنان التاج مصطفى الشاعر الملحِّن عبدالرحمن الريح، لم يستطع ان يقدِّم مثل (الملهمة) و (إنصاف)، وبعد أن فارق حسن عطية الشاعر الملحن عبدالرحمن لم يبدع مثل (لو إنت نسيت) و (حرمان) و (إنت حياتي)، وعندما انتقل ابرهيم عوض بعيداً عن الشاعر الملحن الطاهر ابراهيم لم يعد الفنان الذري كما كان. لكن تميَّز وردي بالتنقل في قائمة طويلة من الشعراء، محافظاً على تجدُّده وإبداعه وقمته. وتعتبر المقدمات الموسيقية في بعض أغنيات وردي بحد ذاتها اضافات خالدة للموسيقى السودانية، مثل مقدمات أغنيات (المستحيل، خاف من الله، بعد إيه. الطير المهاجر). وبغض النظر عن حرّ الأفئدة والحزازات السياسية، إذا كانت تغلي كالبراكين، أو لم تكن تغلي، فإن محمد وردي سياسي شجاع قضى سنيناً في سجون الرئيس جعفر نميري. ولا يفعل ذلك أبداً من يضع المال قبل المبادئ، بل يفعل ذلك من يضع المبادئ قبل المال، خاصة إذا كان فناناً جماهيراً ناجحاً مثل وردي.
وفي الأغنيات الوطنية والسياسية يتبوأ محمد وردي (قمة هملايا) إبداعية يستحيل تسلقّها... هناك نشيد إفرح وطني الذي اشتهر بأنه من كلمات اسماعيل حسن ولكنه من كلمات محمد وردي، وهناك نشيد (يقظة شعب) من كلمات مرسى صالح سراج، ويا ثوار أكتوبر يا صناع المجد (صلاح محمد ابراهيم)، إنني أؤمن بالشعب وأكتوبر الأخضر (محمد المكي ابراهيم)، وأصبح الصبح(محمد الفيتوري)، وشعبك يا بلادي (الطاهر ابراهيم)، واليوم نرفع راية استقلالنا (عبدالواحد عبدالله)، وهناك يا فارسنا ويا حارسنا (محجوب شريف)، من شعاراتنا مايو (محجوب شريف)، حنتقدم (محجوب شريف)، نحن رفاق الشهداء (على عبدالقيوم). هناك إجماع وطني كامل في الأغنيات العاطفية لمحمد وردي. لكن لدى البعض شيئ من تحفظات على مضامين بعض من الأغنيات السياسية. لكن تلك الاغاني السياسية أعمال ذات قيمة فنية متميِّزة، بغض النظر عن لونها السياسي. محمد وردي في أغنياته الوطنية والسياسية يعبِّر عن نبضه الذاتي ونبض الشعب. ليس محمد وردي فنان حزب أو أنظمة، إنما فنان شعب ووطن.
كتب الشاعر الرائع بدر شاكر السَّيَّاب... منطرحاً أمام بابك الكبير..أصيحُ في الظلامِ أستجير .. ياراعيَ النِّمالِ في الرِّمال.. وسامِعَ الحصاةِ في قرارِة الغدير... بذلك الوجد الصوفي كان السيَّاب منطرحاً في قصيدته (أمام باب الله).. أيضاً بغوغائية سياسية مزمنة، ظلّ الشيوعيوّن، منذ مهدهم في الستينات وإلى لحدهم الآن، ينطرحون أمام (باب وردي) ويروِّجون أن محمد وردي شيوعي. هذا غير صحيح. قال وردي في حضور حسن عبدالوهاب وآخرين (أنا ما شيوعي)... وردي ليس فنان حزب أو فنان أنظمة. محمد وردي (فنان عموم السودان)، شاء مَن شاء وأبَى مَن أبَى،.. كما يقول الشهيد الرئيس ياسر عرفات.
في جلال الموت صمتت قيثارة وردي، بعد أن رسمت ألحانها حبّ أرض السودان على الوجدان... (أدوبي) ليها ماضيها و(اطمبِر) ليها جاييها ... أفتِّش ليها في التاريخ واسأل عنها الأجداد... أفتِّش ليها في اللوحات... محل الخاطر الما عاد... وفي الأعياد... في أحزان عيون الناس ... في الضل الوقف مازاد. في جلال الموت صمتت قيثارة وردي. صمتها يقول لوحنِّيت لعهد الشوق أجيب من وين عُمُر تاني. صباح أمس الأحد 19/فبراير 2012م كان تشييع فقيد السودان الراحل محمد وردي إلى مثواه الأخير في مقابر فاروق. حيث مثوى الراحلين محمد يوسف محمد (المحامي. رئيس البرلمان) وأحمد هاشم البغدادي (المحسن الكبير. صاحب الأوقاف الشهيرة) وميرغني النصري (نقيب المحامين. أحد مؤسّسي حركة التحرير الإسلامي) وحسن عطية (الفنان. أمير العود) وحسن نجيلة (الأديب الشهير) ومحمد المهدي مجذوب (الشاعر الكبير) وعثمان حسين (الفنان مبدع الروائع) وحسن سليمان الهاوي (الفنان الشهير) والشاعر الدكتور (محمَّد عبدالحي) وحسن اسماعيل البيلي (وزير العدل) وعلى ميرغني (نقيب الفنانين) ورحمي سليمان (الصحفي الشهير) وعبدالعزيز شدو (المحامي. وزير العدل. رئيس البرلمان) يحي عمران (أوَّل حكمدار بوليس في السّودان) وصديق منزول (نجم كرة القدم السّوداني) وفيصل السيد (حارس مرمي الهلال) ومحجوب عمر باشري (الأديب الشهير) وأحمد محمد أبوالدهب (من مشاهير ضباط القوات المسلحّة)، وغيرهم من الأسماء الكريمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.