يلومني بعض الإخوة كثيراً.. يزعمون أنني أقسو على الإنقاذ.. وأن نقدي لهم مر ولاذع.. وأنا أعذر هؤلاء الإخوة على ما ذهبوا إليه.. وأقول لهم: إنكم لا تعلمون ما أعلم.. ولا تحسّون بما أحسّ.. ولا تقفون حيث أقف.. ولا تريدون من الإنقاذ ما أُريد بل إنني لأخشى أن أكون فيما أكتب مداهنًا للإنقاذ.. ومصانعاً.. وشارحًا لفلسفة الانبطاح والانكسار التي تمارسها الإنقاذ.. ولا تكلف نفسها شيئاً ولو قليلاً من المساحيق ولا من «الماكياج». عندما جاءت الإنقاذ كنتُ من أكثر المهللين لها ومن أكثر المستبشرين بها.. ولم نكن نعرف شيئاً كثيراً عن أفراد مجلس قيادة ثورتها.. إلا أن أحد قادتها الدستوريين اليوم همس في أذن بعضنا بأن وجود اسم إبراهيم نايل إيدام كان مؤشراً ولافتاً للانتباه.. وبدأت تتضح معالم توجُّه الإنقاذ.. وبدأت الروح الإسلامية تدبُّ في أوصالها رغم وجود بعض الجنوبيين في المجلس أمثال مارتن وبيويكوان وكاسيانو بخيت.. فلم يكن وجود الجنوبيين في الحكم وفي الوزارات مما يمكن أن يُستنكر بل لعله كان ضرورياً ولازماً لضبط التوازن الجهوي والحضاري نوعاً ما.. إن الفرح بإسلامية الإنقاذ آنذاك لم يكن لأنها كانت مرتبطة بالتنظيم.. فذلك لم يظهر ولم يُعرف إلا بعد أزمان.. خاصة أن زعيم التنظيم كان في السجن والقادة الآخرين كانوا مطلوبين بترتيبهم .. لقد كان الاتجاه الإسلامي العام كافياً لتحظى الإنقاذ بتأييد الإسلاميين وعامة المواطنين السودانيين غير المنضوين تحت مظلات العلمانية والماركسية والقوميات التي كانت تناصب الإسلام العداء. وكانت بداية ظهور هذا الاتجاه هي في موقف الإنقاذ من قوانين الشريعة التي كان الصادق المهدي قد أوشك على إلغائها عشية 30/6/1989م فأهملت الإنقاذ دعاوى علمانيي الفترة الانتقالية وعلمانيي فترة حكم الصادق المهدي.. إلى أن قامت بإعلان التزامها بالشريعة رسمياً في احتفال «أعياد» الاستقلال عام «1991م» أمام منزل الزعيم إسماعيل الأزهري رحمه الله.. ومن شدة فرحي وابتهاجي.. وكثرة تفاؤلي كتبتُ هذه القصيدة.. ولعل القليل من القراء يعرف حقيقة علاقتي بالشعر، وعلى أي حال فإن هذه القصيدة التي أقدِّمها هنا توضح هذه العلاقة وأرجو أن يكون ذلك بجلاجل وأحب أن أذكر أن الغرض من عرضي هذه القصيدة التي لم تُنشر من قبل على الإطلاق هو إجراء المقارنة بين الإنقاذ التي ألَّفتُ فيها هذه القصيدة وبين الإنقاذ التي كتبتُ حولها معظم مقالات أصل المسألة.. ومطلع القصيدة وهي من بحر مرفل الكامل: 1/ قدمًا فما في السيف بعد اليوم نبوة قسمًا ولا لمحجَّل وأغر كبوة لقد ظل سيف السياسة قبل الإنقاذ ينبو نبوة بعد نبوة وظل جوادها يكبو كبوة بعد كبوة. 2/ يا فتية زان الوقارُ خطاهم وتمايل الشيخُ الوقور بفعل صبوة إن الإنقاذ في مطلع عمرها كانت توفر مقارنة صارخة بين الفتى الوقور والشيخ المتصابي.. خاصة أن القيادة كلها كانت من الشباب.. 3/ متدافعين لقيتهم ومحلقًا مثل العقاب وماخرًا أو فوق صهوة متدافعين أي مشاة.. ومحلقًا أي من سلاح الطيران فهو يطير كما يطير النسر الجارح.. وماخرًا أي من سلاح البحرية.. أو فوق صهوة.. أي على ظهر دبابة. والبيت يجمع شتات الألوية والوحدات التي مثلت في المجلس.. 4/ جمعتكم هممٌ علت بنفوسكم تاللهِ لم تجمعكم بالليل قهوة الهمة هي التي جمعت هؤلاء الفتية.. ولم يجمعهم مجلس خمر ولا مجلس لهو.. والقهوة في شعر العرب هي الخمر. قال الأعشى في «ودع هريرة» «قهوةٌ مزةٌ راووقها خضلُ» 5/ وأهمَّكم أمرُ البلاد وحالُها فلأجلها الإقدامُ لا من أجل نزوة هي ثورة وطنية مبرأة من الأغراض الشخصية ومن الهوى والطيش والتطلع إلى المتع والمجون والاسترخاء. 6/ بعزيمة تُعلون صرح بنائها متكاتفين وفي حنايا الصدر جذوة إن كتاباتي ونقدي لا ينطلقان إلا من هذه الجذوة التي خمدت نارها في صدور أهلها وشبابها وقادة مجلسها الأول.. وحتى في قياداتها ومهندسيها من المدنيين ومن الدعاة والإخوان. 7/ لا تأبهون لما يقول معوِّق فلكم جميعاً في رسول الله أسوة لم يكن أحدنا يشك في أن ثورة الإنقاذ ثورة إسلامية.. وإن هؤلاء الشباب لا يتأسون إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم. 8/ داويتم جرح البلاد وسقمها بالحزم لكن دونما ظلم وقسوة نقول ذلك إحقاقاً للحق وتفاؤلاً.. يكفي دليلاً على ذلك إنصاف الثورة للقيادات الوطنية التاريخية مثل الإمام المهدي والزعيم الأزهري.. الذي احتفلت الثورة يناير «1991» بإعلان استئناف تطبيق قوانين الشريعة من داره في بيت المال يوم الاحتفالات بذكرى استقلال السودان. 9/ وتقاطر الخلصاء من أبنائها من كل فجٍّ في البلاد وكل فجوة وما أكبر الفرق بين اليوم والأمس وبين الليلة والبارحة!!.. الأمس والبارحة كان يتقاطر الخلصاء من شرق البلاد وغربها واليوم والليلة أصبح يتقاطر طلابُ الدنيا.. وقناصو المناصب والمستوزرون وجلهم لا يأتي إلا عبر بوابة التمرد. 11/ يدعون حيّ على البناء بهِمَّة شملتهم من ثورة الإيمان صحوة.. والثورة كانت ثورة إيمان.. وكان الذي بالناس صحوة لا شهوة ولا نزوة. 11/ يا أيها الفتيات أهلاً مرحبا مستمسكين بكل ميثاق وعروة 12/ وأجاب داعيكم شباب مخلص من خيرة في العلم والإيمان صفوة وهذا شأن الثورات والدول في إبان أيام نبوغها لا يتجه نحوها إلا من يتوافق مع إعلاناتها ومبادئها ودعواها. 13/ وأجاب شيخ أشمط متوكئ وأجاب كهل حازمُ وأجاب نسوة كل ألوان الطيف وكل شرائح المجتمع وكل مكوِّناته العمرية والنوعية حتى لم يكد يبقى أحد. 14/فرغت مجالسنا وهرول جمعنا متوثبًا نحو السلاح وعاف لهوه وهكذا يستقبل الناس كل قادم جديد ويتسابقون في إظهار الإقبال والالتزام والتهليل وإظهار السعادة والسرور بمقدمه ويترك الناس كل ما في أيديهم حتى إنهم ليسبقون القادم الجديد إلى ما يريده ويبتغيه.. وكأنهم يقرأون أفكاره. 15/ هي ثورةُ الوطن الجريح وعزمه هي غارةٌ هي في سبيل الله غزوة وهذا أحسن ما يمكن أن يقال عن ثورة الإنقاذ في أيامها الأولى.. لم يكن أحد يظن.. أو يجرؤ أن يظن بها غير ذلك.. كانت شيئاً في سبيل الله.. حتى إن الذي قرَّ في خلد أهل السودان جميعاً أن الثورة الجديدة سوف توفر لنا جميعاً مكاناً تحت الشمس فكان آخر أبيات القصيدة هو قمة التفاؤل والفرح.. 16/ يا فتية السودان إن مكاننا فوق السحاب ونحن فوق الناس ذروة.. تصوروا بالله عليكم فجيعة شاعر أو كاتب يكتب مثل هذه العبارات أو ينسج مثل هذه الأفكار أو يبني مثل هذه الآمال ثم يُفاجأ بأن صقراً من صقور ثورة الإيمان يصرِّح بأنها دواء قد انتهت مدة صلاحيته!! إن الفجيعة التي أصابتني بعد هذا الذي آلت إليه الإنقاذ لا يعلم مداها ولا أذاها إلا الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فإن هناك أملاً واحداً ما زلت أتشبّث به فإن الله سبحانه وتعالى قد جاء بالإنقاذ ليُبقي بها على قوانين سبتمبر بعد أن أشبعها السفهاء ذماً وقدحاً، فلعله اليوم يُبقي الإنقاذ ليُبقي بها على قوانين الشريعة بعد أن أشبعها السفهاء ذماً وقدحاً وطعناً وتهويناً وبعد أن أشبعتها الإنقاذ إهمالاً ودغمسة وتلاعباً.. لا أظن أنه سيأتي رجل مهما أوتي من النفاق والكفر والفجور والفسوق ما يجعله يجهر بإلغاء قوانين سبتمبر مهما تحايلوا في تسميتها والاستخفاف بها. وإن الله سبحانه وتعالى يدبر أمراً.. «إن ربي لطيف لما يشاء..» صدق الله العظيم.