لم أكن أنوي الكتابة عن الاتفاقيات، التي وُقِّعت مؤخراً في أديس بابا، بين حكومتي السودان وجنوب السودان، لعدة اعتبارات من بينها قناعتي بأن هذه الاتفاقيات لن تحل المشكل القائم بصورة نهائية؛ نظراً لأنها لم تتعامل مع أُس ولبّ النزاع، بل وفّرت بعض المسكنات الاقتصادية التي ربما تفيد الطرفين الموقعين على هذه الاتفاقيات، خاصة وأن كليهما يمران بأزمة مالية ومعيشية طاحنة كادت تعصف بهما لولا القبضة القوية، ولكن ما تونس وليبيا ومصر عنكم ببعيد! وبما أن عائد النفط قد ينفع شعبي البلدين، إذا أحسن استعماله، إلا أن بعض جوانب هذه الاتفاقيات تنطوي على قدر من الخطورة، ولذلك نخشى أن يكون ضررها أكبر من نفعها؛ خاصة إذا نفذت بنود الحريات الأربع بدون ضوابط نظامية تقنن إقامة الجنوبيين كغيرهم من رعايا الدول الأخرى في السودان. وبما السودانيين يستعملون بعض العبارات الدارجة من قبيل «التقيلة ورا، والغريق قدام» عندما يحسون بأن الآتي هو الأصعب فقد تذكرت مقولة مشهورة كان يرددهها أخونا ناصر ود خير الله «المعروف بناصر مالينا» رحمه الله وأحسن إليه وهو شخصية تشبه كثيراً شخصيات الطيب صالح؛ إذ إنه لم يكن يخلو من ظرف ودعابة ولطف في التعامل ولكنه كان إذا رأى أمراً لا يعنيه ابتسم حتى بدا ناجذه الذهبي وقال «ما لينا». وإذا حزبه أمر لم يستطع حله إلا جزئياً ردد عبارته الأخرى: «الليلة هيّن....عجب يا باكر» وهو يعني أن الظرف الراهن قد يكون قد مر دون مشكلات ولكنه لا يدري ما سيحدث غداً أو في مقبل الأيام. نحن بحكم انتمائنا لهذا الوطن لا يجوز في حقنا أن نقول «مالينا» لأننا معنيون بالأمر بالدرجة الأولى، ولذلك ينبغي أن ندلي بدلونا طالما «أن خشم الريكة مفتوح»، وبالتالي فإننا نود تبصير إخوتنا المسؤولين عن ملف التفاوض ببعض النقاط التي ربما تلتبس عليهم في غمرة الأحداث والنشوة السياسية المصاحبة لتوقيع هذه الاتفاقيات. ومن هنا أقول للسيد إدريس عبد القادر: على رسلك يا أخي فبربك لا تستعجل في تسويق هذه الاتفاقيات بالطريقة التي نراها قبل إجازتها والمصادقة عليها من الجهات التشريعية في البلاد؛ حتى لا تتكرر تجربة نيفاشا التي أدخلتنا في هذا النفق المظلم، ولا تحاول تكميم الأفواه وتعطيل دُور المساجد التي هي سندك وعضدك حيث إنك صاحب مشروع حضاري خرج من رحم المساجد وحلقات الذكر فيها. وكيف يحدث هذا في وقت تمنح فيه أربع حريات لأعداء الأمس الذين أزهقوا أرواح شبابنا و شيوخنا من أجل الحصول على استقلالهم المزعوم. ذلك لأن تجربتنا مع الحركة الشعبية لا تبعث على الاطمئنان ولا تبشر بخير، فهنالك تراكم من عدم الثقة المتبادل بين البلدين لدرجة التوجس والتربص، مع رصيد كبير من خرق المواثيق والطعن من الخلف والسلوك السالب من باقان ورفاقه. فإن الهجوم على هجليج وتدمير منشآت النفط لا يزال ماثلاً للعيان، ولذلك فإن التعجل في دفع الناس نحو إقرار وإنفاذ الاتفاقيات قد يوحي لبعض قادة الجنوب، الذين لا يرغبون فينا إلاّ ولا ذمة، بضعف موقف السودان مما يزيدهم تعنتاً وصلفاً؛ خاصة إذا علمنا من يقف وراءهم ويساندهم من أبالسة ما يعرف بالمجتمع الدولي «فإن دور إسرائيل وحلفائها من بعض أعضاء الكونقرس الأمريكي واللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد لم يعد يخفى على أحد»، وهؤلاء لهم أجندة خفية وأخرى معلومة يسعون لتنفيذها، ولا يمنعهم من ذلك توقيع الاتفاقيات أو عدمه. ومن جانب آخر فإن بعضاً من قادة الحركة الشعبية لا يريدون قيام علاقات طبيعية بين الدولتين لأن ذلك قد يضر بمصالحهم الشخصية بزعمهم! وهذا ما يفسر معارضة أحد ولاة الجنوب لما أبرم من اتفاق حول منطقة الميل 14، ولمّا يجف المداد الذي كُتبت به بعد، ويعلن أنه سيشن حرباً لا هوادة فيها إذا أقدمت حكومته على تنفيذ ما يخص هذه المنطقة من بنود، داعياً شباب المنطقة للاستعداد لقتال قد يطول أمده! وفي الوقت الذي أصدر فيه الرئيس البشير أوامره باستئناف تصدير الذرة للجنوب، والقبض على جيمس قاي المعارض الجنوبي، الذي كان يقيم في أم درمان، بطريقة تخلو تماماً من الحصافة في التعامل مع حليف سابق، يطالعنا الدكتور برنابا بنجامين وزير الإعلام والناطق الرسمي لحكومة جنوب السودان بتصريح ينفي فيه وجود أي عناصر معارضة من الشمال في جوبا. أليس هذا ذر للرماد في العيون؟ ألا يعلم الناس أن جوبا هي التي تدعم ما يسمى بالجبهة الثورية والفرقتين التاسعة والعاشرة في النيل الأزرق وجنوب كردفان، وتوفر الحماية والمساندة والدعم اللوجستي والدبلوماسي لمتمردي كاودا وغيرهم؟ عموماً فإن ما ندعو إليه هو عدم الاستعجال في التعاطي مع هذا الملف، إلا إذا كانت الخرطوم تريد أن تظهر بمظهر من يلتزم بالعهود والمواثيق مهما كلفت ومهما كانت نتائجها؛ لتحسّن موقفها أمام المجتمع الدولي الذي لا نحسب أنه سيرضى عنها مهما قدمت من تنازلات؛ فما تبقى من قضايا عالقة بين الدولتين هو الأصعب والأهم في رأي كثير من المراقبين. وعلى رأس تلك القضايا مسألة أبيي التي يصفها الكثيرون بالمعقدة والشائكة لأنها تنطوي على حقوق تأريخية ثابتة لشريحة كبيرة ومهمة وفاعلة من المواطنين الذين لهم تجربة طويلة ومريرة مع الجنوب «وينطبق ذلك على سماحة وأخواتها»، وهذا ما يجعلنا نردد مقولة ناصر «عجب يا باكر» خصوصاً عندما يأتي الحديث عن الحدود في ظل خريطة أمبيكي التي تعطي ما تملك لمن لا يستحق. ولعلنا ندرك ارتباط هذا الموقف المريب بفكرة السودان الجديد التي نخشى أن تكون سبباً لاقتطاع مزيد من الأراضي السودانية لصالح دولة الجنوب. ومن هنا نطالب البرلمان السوداني بتمحيص هذه الاتفاقيات حتى يبرئ ذمته مما قد يترتب عليها من نتائج وخيمة وحتى ندعم موقف مفاوضينا في المستقبل، ونذكر الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر ممثل دائرتنا الجغرافية بارا الغربية ورئيس البرلمان السوداني بقوله المنشور في الصحف قبل أيام «الميل 14 خط أحمر». ولأجهزة الإعلام دور لا يُستهان به من أجل تبصير المواطن بمحتوى الاتفاقيات المذكورة ومآلاتها، فليس أقل من إعطائها الفرصة والحرية الكاملة لممارسة المهام المنوطة بها أخلاقياً. من جانبه فإن المجتمع الدولي، خاصة الأطراف الفاعلة في المسألة السودانية، وفي مقدمتها الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوربي ومجلس الأمن الدولي، عليهم تحمل مسؤوليتهم بالكامل والكف عن الضغط على طرف دون الآخر مما قد يتسبب في اضطراب الوضع واختلال المعادلة في الإقليم برمته.