منظر بات مألوفًا للعين رؤية الأطفال وهم يكابدون من أجل الحصول على مبالغ زهيدة يسدون بها رمقهم، نجدهم في كل مكان في الاسواق والمطاعم والكافتريات وفي الاستوبات، نظراتهم البرئية تترقب بحذر وخوف من المجهول الذي يسطر عليهم، لا يتعدى طموحهم جنيهات يتحصلون عليها في نهاية اليوم تكفيهم شر الجوع والعطش. نحن في هذه الزاوية التقينا نماذج من الأطفال الذين يعملون في اعمال لاتتماشى وطفولتهم لمعرفة الأسباب والدوافع وراء ذلك.. كما التقينا ختامًا بالاختصاصية النفسية مواهب محمد لتلقي لنا الضوء على الظاهرة من ناحية علمية.. في تقاطع شارع المك نمر مع شارع البلدية لفت انتباهي مجموعة من الأطفال يتحلقون في شكل دائرة تتوسطهم مناديل ورقية وما أن يضيء اللون الأحمر في الإشارة حتى يهرعوا وهم يتسابقون ويتدافعون على السيارات معرضين حياتهم للخطر املاً في الحصول على جنيهات قليلة، انتظرت قليلاً حتى أضاء اللون وعاد الصبية للجلوس تحت شجرة ظليلة على جانب الطريق، دنوت منهم قليلاً والقيت عليهم التحية.. توجس بعض منهم حتى في رد التحية بينما رد البعض تحيتي بأحسن منها.. سألتهم عن اسمائهم وأماكن اقامتهم رد عليّ أكبرهم سنا وهو طفل لمن يتجاوز العاشرة من عمره قائلاً: انا اسمي محمد أسكن (...) بشرق النيل نأتي هنا كمجموعة «شلة» من القرية للعمل في بيع المناديل في فترة الاجازة - فنحن طلاب بمرحلة الأساس- لتوفير مصروفاتنا الشخصية. بسوق أم درمان صبي تقديرًا يبلغ عمره 12عامًا يعمل نادلاً بأحد المطاعم البلدية ملامح الحزن بادية على وجهه البريء سألته خلسة عن سبب عمله بالمطعم والمدارس ليست في فترة إجازة، قال بنبرة يكسوها حزن عميق الحياة «عايزة كده»، ولم يزد على ذلك وانشغل بتلبية طلبات الزبائن. من وسط سوق بحرى التقيت بالطفل ح، ع، ع وهو يعمل في «درداقة» لحمل البضائع وعند سؤالى له اكتفى بالقول «المعايش جبّارة»! * من الملاحظ ان تلك النماذج الثلاثة التي استعرضناها عزوا اسباب ودوافع العمل للظروف الاقتصادية الطاحنة فأين يكمن الحل للمحافظة على براءة اطفال في مقتبل العمر يعملون في هجير الصيف وزمهرير الشتاء بينما ينعم نظراؤهم برغد العيش والرفاهية! التقينا الاختصاصية النفسية مواهب محمد والتي افادتنا قائلة: من اسباب عمالة الأطفال الفقر والجهل وفقدان التكافل الاجتماعي وعلاقة الطفل بالبيت والمدرسة والظروف الاقتصادية التي تعيشها. الأسرة التي ينتمي لها الطفل كما أن عدد الأطفال يتحكم في ولوجهم لسوق العمل ونجد أن الطفل دائم البحث عن الأفضل بين زملائه ويحاول عقد مقارنة بين وضعه ووضع اقرانه فيسعى لتعويض النقص وأيضًا من الأسباب تعرض الطفل لأزمات مالية كأن يرغب في شراء شيء يخصه ولا يتوفر له المال الكافي وتكون هناك مغريات من الأكبر سنًا منه للنزول لسوق العمل، ويكون لدى بعض الأطفال شعور بالمسؤولية تجاه اسرته وهو في سن مبكرة كما أن الفشل في التعليم والضعف العقلي والعضوي للأطفال والجو العائلي المشحون بالفوضى فيحدث خلل يُشعر الطفل بأن الشارع أحسن حالاً من منزل الأسرة كما ان هنالك عددًا من الأطفال غير راغبين في المدرسة وجو المدرسة غير محفز لهم كأن يعانوا من ضرب المعلمين مثلاً والأسر لا تلقي لهم بالاً فيمارسوا أعمالاً هامشية أثناء ساعات الدوام حتى لا يشعر اهاليهم بذلك، وتأثير صحبة السوء والشلليات، كما أن ارتفاع نفقات التعليم من الأسباب الرئيسة وهنالك سبب آخر مهم للغاية وهو حدوث انفصال بين الأبوين وزواج احد الوالدين أو كلاهما فليجأ الطفل لمنفذ آخر . الآثار السلبية لعمالة الأطفال يلقي العمل بأعباء كبيرة جدًا على الطفل فالطفل يجب أن يعيش طفولته والعمل يهدد سلامة الطفل وصحته ورفاهيته وحقه في اللعب فمن المفترض أن يكون الطفل آمنًا في مجتمعه واسرته وبكامل صحته النفسية والبدنية ويتمتع برفاهية. وهنا أنا أتحدث عن فئتين من الأطفال 12 سنة فما تحت وهؤلاء هم المعنيون بالأمر ومن «12» الى «15» سنة. النمو النفسي والعمري والعقلي حق مشروع لكل طفل ويجب أن تتدرج من مرحلة لمرحلة، وعند تداخل تلك المراحل يؤثر ذلك سلبًا في شخصيته ويعيق تدريب وتعليم الطفل وحياته ومستقبله فالأطفال بالشارع لا يكون لديهم تفكير في المستقبل من حيث المبدأ ويعيشون اللحظة فقط . ويصبح العمل مضرًا للطفل عندما يتعارض مع صحته ونموه ودراسته. الحلول المقترحة يجب أن يتكاتف المجتمع مع الدولة حتى يجد الطفل حقه كاملاً في الرعاية من قبل الوالدين بادئ ذى بدء. ويجب توعية الأطفال من خلال البرامج المدرسية بحقوقهم من خلال الندوات والمحاضرات والحصص والدراما المدرسية لتوعية الطفل بكيفية المحافظة على حقوقه واستخدام وسائل الإعلام المختلفة لتوعية الأسر والمجتمع بحقوق الطفل.. كما يجب تخصيص موازنات في الوزارات المعنية للحد من تلك الظاهرة وايضًا يجب توفير برامج وخدمات مدرة للاموال تخصص للأسر الفقيرة.