وقفنا على رد عتيق على الشاعر المصري الكبير أحمد رامي الذي شاقه قول عتيق (أهوى القمر والنيل وأهوى الأزاهر) قبل أن يتعانقا بتقدير متبادل.. أما قول عتيق لرامي أنا يا أستاذ رامي ليس منزلي كمنزلك ولا حديقة به. إنما أسكن في حي أبي روف بأم درمان في بيت لابس كاكي!! وقصد بذلك بيت الجالوص المطلى بالزبالة ذلك الذي وُلد فيه وعاش فيه ومات وهو يسكنه، ومن الأدباء الذين كانوا يحبون عتيق في أدبه وروحه نجد الراحل المقيم الأديب الكبير والقاص المتميِّز البروفيسور علي المك الذي كان سبباً في صدور ديوان عتيق حيث كان مدخلاً لعتيق مع أصحاب مطبعة السهم الفضي، وللأمانة والتاريخ فقد جئت إلى العم عتيق كعادتي بصورة راتبة فأطلعني على نيته في إعداد الديوان وقال لي بالحرف خذ معك هذه الدفاتر وتخير ما تراه فأنا والحديث لعتيق أريدك أن تقوم بكتابة مقدمة ديوان عتيق.. فقلت له وقد تهيَّبت الأمر بشدة في تلك المرحلة فقلت له يا أستاذنا لماذا لا تدفع به لكتابة مقدمته لأصدقائك من أمثال الأساتذة.. عبد الله الشيخ البشير أو مصطفى طيب الأسماء أو مصطفى سند فرد عليّ عتيق بقوله هم على العين والرأس ولكني أريد أن يقدمه عمر بشير لقربه القريب مني إلى جانب أنني أريد أن يقدمه أحد أبنائي من الشباب لتأكيد صيرورة شعري بين كل الأجيال، وقد كنت على حرج شديد لأن من أسلفت ذكرهم من أساتذتنا الأجلاء وممن لم أذكرهم أقف بتقديم عتيق مني ولكنها رغبة عتيق وهو حُر في إبدائها وقبل أن أبدأ كتابة المقدمة وبحكم ترددي ذلك فقد جاء أستاذنا علي المك إلى عتيق معبراً عن حبه لعتيق ولشعره برجاء السماح له بكتابة مقدمة ديوان عتيق وقد كان، فاعتذر لي عتيق ورميتُ من ذلك الاسم إلى رمز فيه الارتباط الوثيق بين عتيق والقارئ بأغنية خالدة هي: (أذكري أيام صفانا) مع إحالة إلى الزمن الذي كُتبت فيه تلك القصائد وهو زمن زاخر بالصفاء والنقاء والرخاء والذي عبَّر عتيق عن مناخه قائلاً: الليالي الفيها متبادلين وفانا غير إنو القمري يهتف بي هوانا ومن أغاريد فنو يسمعنا أسطوانه فحمل عتيق مقترحي باسم وأيام صفانا فاستطابه الأستاذ علي المك وأهل دار النشر.. وحين سألت عتيق عن كم أعطتك دار النشر معللاً ذلك بتأخري عنه للقيام بهذا التكليف. فقلت له: أنا سعيد بأن يقدم لديوان عتيق رجل في قامة أستاذنا البروفيسور علي المك وبعد مضي عدة سنوات جاء علي المك لعتيق طالباً إليه إضافة مجموعة قصائد أخرى لتضاف لديوان عتيق في طبعة واحدة بدار النشر جامعة الخرطوم وبذات الاسم. فقلت لعتيق معترضاً على الاسم يا عم عتيق أنت رجل مناغم بين الأصالة والمعاصرة في شخصك وفي شعرك فلنبحث عن اسم آخر فاقترحت له أن يسمي هذا الديوان.. ديوان (أيام صفانا). وكان ذلك في خواتيم حقبة الثمانينيات أو مستهل التسعينيات الميلادية الماضية فرد عتيق: أعطوني مائة ألف جنيه!! فقلت له هذا مبلغ قليل لا يتناسب وحجم وقيمة هذا الديوان فقال لي ببساطته وزهادته المعروفة مائة ألف جنيه بسيطة!! يا ابني ما تنسى إني رجل عامل إلى المعاش الإجباري بالسكة حديد حلم أقبض مائة ألف جنيه دفعة واحدة!! طوالي حياتي!! ومما لا أنساه أن عتيق المعتق وفي سنوات عمره الأخيرة كان شديد الانشغال بضياع حق الشاعر في هذه البلاد في مقابل وموازاة ما يجده المطرب من تقييم مادي وأدبي فوظّف عتيق قصائد ومربعات في هذا الشأن ومما قاله في رسالة للرئيس نميري ضمنها ما يعانيه الشاعر: غناينا كل يوم في بلد من بيت عرس لطهور ولد كابس حقايبو وحاضنه وشايلات جيوبو هنا وهنا والحكمة يا سيدي الرئيس جيوبنا خالية مصنصنة وذلك وفق سياق شكاة عتيق لحال الشعراء للأدباء ما ستقف عليه في فكة ريق القادمة بإذن الله تعالى.