إذا كان لا صوت يعلو فوق صوت المعركة هذه الأيام، فإنَّ الدولة مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بوضع الأمور في نصابها الحقيقي، خاصَّة في مضمار التعبئة العامَّة وتسخير كل وسائل الإعلام لخدمة هدف واحد هو دحر هؤلاء العملاء وتخليص البلاد من شرورهم، وإنهاء حالة الحرب القائمة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ومنع تمدُّدها وكبْح جماحاتها وقطع خطام الحرب المجنونة ولجامها.. وتحتاج هذه الحرب المباغتة التي فُرضت علينا، رؤية أوسع وأشمل من الذي يجري هذه الأيام، ولا تكاد خطوات التعبئة العامة والاستنفار التي تقودها الحكومة تحقِّق كل أغراضها وتخاطب جميع مطلوباتها العاجلة.. لدى الحكومة إجراءات كثيرة يجب القيام بها لإبلاغ صوتها إلى كل مكان، ومواجهة الحملة الإعلاميَّة الشرسة التي تجتاح مناطق التوترات وتبثها إذاعات خارجيَّة يقوم عليها كوادر الحركات المتمردة وتوجد مكاتبها في دول أوروبيَّة وعواصم إقليميَّة ولديها مراسلون مبثوثون في كل مكان يقدِّمون المعلومات المغلوطة والشائعات عبر الهاتف.. وتخلق بلبلة وتأثيرًا كبيرًا لدى المستمعين خاصَّة في مناطق دارفور وكردفان.. وعلى الأجهزة الفنيَّة ذات الصلة العمل على منع وتشويش هذه الإذاعات واستخداماتها ومتابعة منابع انطلاق المعلومات غير الصحيحة ووقف تدفقها، وهذه معركة حقيقيَّة لا بدَّ منها في مثل هذه الظروف، وكثير من الناس القابعين في الخرطوم لا يعلمون خطورة هذا التأثير الإعلامي المدمِّر، لأنَّ بثَّ هذه الإذاعات لا يصل إلى تخوم الخرطوم وعمقها وليس هناك ما يكفي من الوقت لمتابعتها والاستماع إليها.. الإعلام القومي أو الرسمي عندنا يجب أن يصل إلى الجميع مقدِّماً الصورة الحقيقيَّة والمعلومات والبيانات الصحيحة والوقائع كما هي دون تحريف... ولا تتعدَّى الخطط الإعلاميَّة سوى الوسائل المعروفة والتقليديَّة التي لا تقتل ذبابة.. فنهاك طرائق ووسائل أخرى لا بد من افتراعها واجتراحها، وإجراءات حان الوقتُ لاتخاذها حتى لا نفقد جبهة مهمَّة مثل هذه.. هناك قصورٌ واضحٌ في كيفيَّة صياغة رؤية كليَّة للأداء الإعلامي تأخذ في اعتباراتها، طبيعة المجتمع المحلي في مناطق جنوب كردفان ودارفور والنيل الأزرق وكيفية مخاطبته والمداخل والركائز التي يجب الاهتداء إليها في صناعة لغة وخطاب سياسي وإعلامي مباشر وجاد، يلقف ما يُلقيه الأعداء على المسمع وما يُؤفكون! حتى هذه اللحظة لا يوجد شيء يقابل الدعاية السوداء التي تُطلَق من الآلة الإعلاميَّة المعاديَّة وبؤر صنع الشائعات وإثارة البلبلة الحادثة الآن، ونضع بين يدي الحكومة والجهات المعنيَّة مقترحات بسيطة للغاية في هذا الجانب: 1/ إنتاج خطاب سياسي وإعلامي تعبوي بخصائص محليَّة تخاطب المواطن في جنوب كردفان والنيل الأزرق عبر الإعلام الولائي، مع تخصيص موجة إذاعية متوسطة أو قصيرة المدى موجَّهة للمجتمع المحلي وقناة فضائية من قنوات الهيئة القومية للتفزيون الكُثر المتوفِّرة هذه الأيام، تبعث في الناس روح النداء الوطني والتصدِّي والعزيمة الجبَّارة لقهر التمرُّد وكشف جرائمه ومخازيه، ويمكن أن تكون هناك برامج باللهجات المحليَّة لسكان المناطق المختلفة. 2/ تفنيد الدعاية التي تقوم بها ما تُسمى بالجبهة الثوريَّة والحركة الشعبيَّة قطاع الشمال وأزلام الشيوعيين في داخلها، واستغلالهم لقضيَّة التنمية والخدمات والتهميش وغيره، عبر برامج حواريَّة وتوثيقيَّة وتفاعليَّة مباشرة. 3/ الاستفادة من كل مراسلي الإعلام الخارجي من قنوات ووكالات وغيرها ومساعدتها في عكس الحقيقة خاصَّة المتعلقة بالجانب الإنساني والجرائم ضد المدنيين ورصد أهم ما اقترفوه في حق الأبرياء والمدنيين، ويتطلَّب ذلك توفير كل المعلومات والبيانات والبيِّنات الموثقة وغيرها في هذا العمل، مع مراعاة الجانب المهني الدقيق وأخلاقه في التعامل مع وسائل الإعلام الخارجيَّة خاصَّة تلك التي تُستخدم هي نفسها في المعركة ضد بلادنا.. 4/ قتل الشائعات في مهدها بتقديم المعلومات الحقيقيَّة وعدم حجب أيٍّ منها، فقد صُنعت البلبلة في بعض المناطق عندما تم التعتيم على كثيرٍ من المعلومات والأخبار، مما أتاح الفرصة لجهاتٍ أخرى معادية لملء الفراغ وروَّجت لما تريدُه، فضلاً عن أنَّ المواطن في المجتمعات المحليَّة يقارن بين الواقع والوقائع الموجودة لديه وما يصدر عن الإعلام الرسمي والصحف وحول الروايات المقدَّمة إليه.. نواصل..