اجتمع القوم للمرة الألف.. تدارسوا الأمر بعناية وأخذوا من الليل حتى آخره وما انتهى الأمر. قال الرئيس: بعد أن رشف فنجان قهوته دفعة واحدة: (حسناً.. من الغد سننفذ هذه التوصيات.. فاتني أن أشيد بجهدكم العظيم ولهذا سنزيد المكافآت).. رقص الجميع وامتلأ المكان بالرضا العام المنضدة الدائرية بينهم.. الشاي.. القهوة.. العصير وكل مستلزمات الاجتماع تفصح عن ذاتها وخطورة الأمر.. قال أحدُ الأعضاء مداخلاً: (أرجو أن توزع نشرات يومية حتى لا نخسر الزمن باللقاءات المباشرة) صفق الحضور فانشرح الرئيس وتهللت أسارير وجهه. (الرحلات العلمية وتبادل الخبرات.. نريد أن نهتم بهذه الناحية لتقوية الكادر وبناء الشركة بشكل معافى يحقق التطور المنشود...) (لغط القوم إذ أن هذا الكلام أحدث جلبة غير عادية.. قفزت فأرة صغيرة فوق سطح المنضدة وفي لمح البصر اختفت بعد أن خلقت بصمة سريالية معبرة. وبعد لأي هدأ الموقف.. فقرر الرئيس تمزيق الأوراق ليبدأ الاجتماع من جديد. سرت همهمة جانبية قال أحدهم وهو ينقع ثوبه الملوث لجاره بأن هذا الرجل لا يجيد الإنجليزية فكيف يطالب بالسفر؟! طالب أحدهم صديقه الرئيس وهو يمسح شاربه من الأحمر الداكن باليقظة والضرب بيد من حديد. فتبسم من قوله وشكره بعينين ملأهما الدفء والامتنان. نهض آخر دون إذن: (السيد الرئيس: السادة الأعضاء، ما الذي يجعلنا نبدأ دائمًا من البدايات. فلنأخذ الأفكار الجيدة دون إلغاء للآخر.. فأرجو من السادة الأعضاء وأخي الرئيس خاصة أن يضع في الاعتبار مسألة النسبية هذه). صمت الجميع وطالعوه كان يحدق في الرئيس وهو ببلاهة يتابعه ومن ثم (لكز) سكرتيره الأمين الذي كان نائمًا ليصحو بدوره مرددًا (نعم، نعم التوصيات.. العلاوات. أنا أتفق معك مبدئيًا بل تمامًا).. فانفجر الجميع ضاحكين.. أرسل السكرتير نظرة للأرض فقرر الرئيس على الفور تمزيق الأوراق للمرة الرابعة.. ما يزعج الرئيس دائمًا تباين وجهات النظر فأغلب الأعضاء لصوص وقطاع طرق.. لهذا لم يكن يدري من أين تؤكل الكتف ولولا رأى سكرتيره الأمين بتمزيق الأوراق كلما داهمه الخطر لحدثت الكارثة. ولكن السكرتير يتركه دائمًا لينام! أحس الجميع بالملل. تكوم أحدهم ثم (شخر) حاول جاره إيقاظه.. لكنه تثاءب ليرجع يده لمكانها؛ هدأ المكان، ونام الاجتماع، اختلط البارد بالشاي.. الرئيس بالعامل وحقق المساء أخيرًا ديمقراطية القرن. السابعة صباحًا يدخل عامل النظافة.. التقط الأوراق المتطايرة مزقها ودسها برفق في سلة المهملات وهو يرسل صفيرًا هادئًا للصباح والزهور التي نامت. من المجموعة القصصية ذاكرة القلب.. ذاكرة الانطفاء.