رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في مقهى تم هورتنس الكندي ... فنجان جبنة بي شمالو
نشر في الراكوبة يوم 28 - 12 - 2011


! في مقهى تم هورتنس الكندي ... فنجان جبنة بي شمالو
رقية وراق
[email protected]
احتلت مجموعة صبيات المنضدة المجاورة لي في أحد أفرع مقاهي تم هورتنس المشهورة بجودة القهوة في كندا يقع قريبا من مسكني . أقصد المكان أحيانا برفقة أسرية ضاجة قوامها ابني وابنتي أو بصحبة الأوراق والكتب والأقلام فالكل جلاس في قهوة السيد هورتن بمبانيها المربعة الصغيرة التي تدلك عليها رائحة القهوة المنعشة قبل أن تصلها . بدأ المقهى سيد الاسم بمحل واحد بمدينة هاملتون بمحافظة أونتاريو الكندية في العام 1964 ليصير استثمارا عملاقا في المزاج الكندي المحب للقهوة توسع ليصل الى عدد ألفين ومائتين مقهى في كندا حتى الآن والى مائة وستين في الولايات المتحدة وهو ازدهار لم يشهده مؤسسه لاعب رياضة الهوكي الشهير تم هورتن اذ توفي في حادث سيارة عندما كان عدد المحلات أربعين فقط ليتواصل سفر البن الذي هو دق وحرق ثم انعاش لشارباته وشاربيه الى كل المدن الكندية وليصبح المقهى ظاهرة لها بعدها الاجتماعي بأسعاره المعقولة وخدماته الجيدة والمناخ المريح داخله . يقدم المقهى الى جانب المشروبات الساخنة والباردة أنواع الحلويات المختلفة و من بينها نوع شبيه ب\"ا للقيمات \" السودانية هو ال\" تمبتس\"أو\" لقيمات تم \" ما رأيته في أيدي البائعات والبائعين ومن بينهم نسبة كبيرة من المهاجرات والمهاجرين،يقدم مع القهوة أو يعبأ في الصناديق الصغيرة الا و أكملت من عندي الباقي من روائح التحمير وجمر المواقد وكدح البنابر . تقدم كذلك أنواع الحساء المختلفة الى جانب الوجبات الخفيفة السريعة وتفتح معظم الفروع أبوابها على مدى الأربع وعشرين ساعة ويتزود سائقو السيارات وسائقاتها بفنجان جبنة بي شمالو حرفيا دون حاجة سوى لمد الذراع الأيسر من نافذة السيارة ليكون على حافة نافذة المحاسبة واستلام الطلبات . خدمة النافذة تذكرني بقصة طريفة لأحد أصدقائنا أيام مجيئه الأولى هنا كانت قد أخرجته حالة جوع من منزله في وقت متأخر ليلا بعد أن نام أهل بيته ، فقصد مطعما قريبا أخبره العاملون فيه أن الخدمة تقتصر في ذاك الوقت على النافذة فقط متوقعين أنه يعرف أن ذلك يعني المارين بسياراتهم فقط ،مضى أخونا من فوره صوب النافذة اياها ، غير آبه بصف السيارات المتحرك ببطء دون صعود أو هبوط شخص من أو الى سيارة . حكى لنا أنه ذهب للمحاسبة دون المرور بمكان\" الهتاف\" بالطلبات وأنه كان يلبس الجلابية بيضا _ غير مكوية _ تحت معطف البرد الثقيل وأن أبواق السيارات التي يندر استخدامها في هذه الأنحاء قد قامت قيامتها ضيقا وانزعاجا من الهرجلة وأنه كان يرد صاع التبر م صاعين تلويحا بذراعيه وزمجرة جائعة برلومة : ما قالوا لينا بالشباك ، ياخ ما أهو دا الشباك ، قبل أن يجرجر أذيال الجوع والبرد ويعود أدراجه ربما ليفصل بين زمهرير الدقة والنظام وذاكرة الطابونة .
تقصد \" تم هورتنس \" شرائح اجتماعية مختلفة تشمل الأطفال و الشباب من الجنسين وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة ويؤمه الناس لعقد اجتماعات العمل كما أن القهوة المحبوبة ترسل بالحافظات الكبيرة للاجتماعات والمؤتمرات للجهات الحكومية وغير الحكومية ومن بينها اجتماعات الجاليات والمنظمات السودانية المختلفة . ويروج المقهى لنشاطه بتحفيزات من شاكلة ربح سيارة أو مبالغ مالية توجد شارتها مصادفة في حافة كوب القهوة الورقي ويبيع البطاقات المدفوعة الثمن مقدما ليقوم باهدائها من يريد لأصدقائه من جماعة \" أسكت كب \" الكندية . يعلن المحل عن الجديد من انتاجه من خلال شاشة تلفزبونية ملونة تتفنن رأسماليا في حشرلقيماتها ودلق قهوتها في جوفك قيل أن تحشر يديها في جيبك وتذهب بك فعليا لتقف في صف الشراء ، لتعود بالخالق الناطق مما وعدك به الاعلان .
كنت انتبذت منضدة قصية في ظهيرة يومنا ذاك ، وكنت بصحبة خير جليس في الزمان وكنت أود قضاء ساعةأ وأكثر قليلا في مطالعته وأنا بين شأنين يوميين ولكن رياح زميلات المناضد المجاورة اليافعات ما لبثت أن بددت ما اشتهته سفن مزاج القراءة الذي كان رائقا ولكني تمسكت بالبقاء وقلت سأكتب ، والزارعا الله في حجر الصخب تقوم !
كن سبع فتيات في البداية وما لبثت ثامنة ، حادة الصوت ، أن أعلنت عن وصولها بضربة قوية على كتف زميلتها التي كانت توليها ظهرها . احدى البنات تلقي ببقايا وجبتها لأخرى لتلقيها نيابة عنها قي صندوق النفايات . تجشأت احداهن بصوت عال تبعته صيحات شجب مفتعلة بأن ذلك مقرف جدا ، واحدة تطلب من الأخرى أن تتوقف عن مضغ طعامها بفم مفتوح . كن جميعا يرتدين فانلات وسراويل رياضية باللون الأزرق اللامع كتبت عليها أرقام باللون الأصفر بخط عريض ورفعت معظمهن شعورهن وجمعنها أعلى الرؤوس . تراوحت الطلبات بين سندوتشات شرائح اللحم بالطماطم والخص وبين الشوربة مع البسكويت المملح والزبد ومشروبي البيبسي والقهوة المثلجة . تركت احداهن مكان جلوسها فجأة وجلست على الأرض لتكمل حديثها مع رفيقتها . اثنتان تدخلان الآن وتسألان : هل فزتم يا جماعة ؟
ويأتي الرد بلا مبالاة من حوالي ثلاث منهن :
ياا .. نعم ..
توجهت القادمتان الجديدتان نحو البائعات بينما كانت ا لباقيات يضحكن و يتحدثن في وقت واحد بطريقة التحدث المتميزة لشريحتهن العمرية قي شمال أمريكا حيث تسبق كلمة (مثل ) كل كلمتين أو ثلاث في المحادثة ومن عجب انها نفس ما درجت الطالبات والطلاب بالجامعات السودانية من بنات وأبناء اليسار علىاستخدامه : الزول زي بفتكر انو الزمن زي انتهى، مع الفارق الثقافي . كل شئ ممل في نظر عضوات هذا الفريق المنتصر _ للغرابة _ المتفجر ضحكا لكل النكات السريعة المتداخلة التي تفوتني متابعتها الآن ولا تفوتهن رغم أنهن يتحدثن في ذات الوقت ويأكلن ويضربن أكتاف بعضهن وبأقدامهن كذلك .
تنازلت عن مكاني بطيب خاطر وجلست الى منضدة أخرى مجاورة وسرعان ما احتلت مكاني الأول القادمات الجديدات دون أن يشكرنني وكأن ترك المكان لهن أمر مفروغ منه . انشغلت عنهن وبهن بالكتابة وكنت أسمع عبارة \" هذا مقرف \" يتبادلن بها التعليق أثناء الحوارات المتداخلة بين الفينة والأخرى .
_ هل يعرف شخص كم الساعة الآن ؟ أي شخص ؟
لا يرد سوى الصخب ولا تتابع السائلة اجابة سؤالهاالضائع .
انتعلت اثنتان منهما \" شدد \" بلاستيكية باللونين الأخضر والبرتقالي فيما انتعلت الباقيات الأحذية الرياضية بالجوارب الطويلة .
_ انها تشخر !
صاحت احداهن فجأة
_ يااا ( نعم ) ..
لم تحفل المتهمة بالدفاع عن نفسها ازاء الاتهام الذي تدرج ليصبح :
_ انها تفعل ذلك .. كل الوقت .
ثم :
_ يالهي .. رائحة اللحم تفوح منك .. أبعدي وجهك قليلا .
أربع منهن تحركن نحو الحاجز الزجاجي لمشاغبة السائقين والسائقات _ ناس الشباك _ ورأيت علامات الغضب ترتسم على وجه رجل ستيني الملامح وهن يفاجئنه بشارة الرجل العنكبوت ، سبايدرمان ، نكسن البنصر والوسطى وأطلقن الخنصر والسبابة والابهام بعد شد الذراع واشهارها في وجه الخصم، كما يفعل البطل المحبوب ليشل حركة العدوبالخيوط العنكبوتية التي يحيلها سبايدرمان لقيود جبارة تمكنه من الانتصار في نهاية المعركة على قوى الشر . ما ذنب الستيني ليحاصر بخيوط أربع فتيات عنكبوتيات ؟ الله وحده يعلم ، ربما
المرور أمام جمعهن الهائج لتناول القهوة في ذاك الوقت !
وجه امرأة مبتسم خلف مقود السيارة هذه المرة ، امتصت صدمة الوجوه المتلاصقة خلف الحاجز ، لصقها تماما ، بشجاعة وتسامح .
_ ماذا تفعلين ؟ يجب أن نقرع للشبان فقط !
سلطة مراهقة ، ما ساءلة في التكتح ، مزعجة وطريفة ومغيظة واستيلاء غاشم على المكان .كنت أرجو في سري أن تصل قصتي معهن نهايتها بمزاجهن هن والا يتم طردهن من المكان_ وهو ما استغربت لعدم حدوثه _ قبل أن أكمل رصد فصل فوار بالشيطنة والتناقضات لمجموعة تلك الظهيرة .
بدأت احداهن في القرع على الزجاج عند مرور سائق شاب . قابل المهاجم الأمر بابتسامة متسائلة وانفجرت المجموعة بالضحك .
احداهن كانت تحمل منشفة بيضاء متوسطة المقاس على كتفها ، غطت بها رأسها وجزءا من وجهها قبل أن تقول مبخسة لحديث رفيقتهاالذي فاتني سماعه :
_ انت لا تملكين رخصة قيادة أيتها البلهاء !
تلقت صاحبة المنشفة البيضاء الرد مباغتا من المبخوسة عندما انشغلت ، ومنشفتها لا زالت على رأسها ، بعد \"الفكة\" ، العملات الحمراء والبيضاء التي كومتها أمامها من محفظة زهرية اللون ، ضربة قوية على ظهرها و ...
_ تاني قولي لي هبلة !
ثارت الملبوعة دون أن تحرك يديها من كوم النقود المعدنية :
_ ما الجحيم الذي تفعلينه الآن ؟
لوحت ست منهن بالوداع للأخريات ثم مضين صوب شخص كان يحمل صحيفة وكان وجهه يتلون بين الفينة والأخرى بأحمر الامتعاض والغيظ وهو يضطر لتغيير مكانه المرة تلو الأخرى كلما توسعت مصالح الحلقة الصبية ولم أعرف أنهن كن يتابعن تأففه منهن الا عندما اتجهت المجموعة المودعة نجوه في طريقها للخارج . حركت واحدة منهن أصابعها أمام جبينها بحركة الباي باي ، بينما مسحت الأخريات دموع وهمية على الخدود تبعتها التنهدات التمثيلية وضم الشفاه ببكاء كاذب حزنا على فراق من نكدن عليه فنجان جبنة أوقعه الحظ ذاك اليوم ، بي شمالن !
تعالت الضحكات ممن تبقين جواري دونما سبب واضح ، ونهضن دفعة واحدة للخروج ، دونما سبب واضح أيضا ، لفاصل الدقائق القليلة بينهن وبين زميلاتهن اللاتي سبقنهن :
_ انتهينا .. يللا
قالتها صاحبة المنشفة قبل أن يتحرك الجمع نحو الباب !
وداعا أيتها المشاكسات الأنانيات اللطيفات ، وداعا أيتها المراهقة المنفلتة هذا النهار !
_ يبدو أن كارثة قد حدثت هنا .
خاطبني رجل يبدو عليه مظهر عمالي أتى صحبة زميله الذي يشاركه الزي بعد أن طافا بعينيهما على المكان وكل منهما يحمل قهوته في يده ويحاول أن يجد مكانا للجلوس .
قلت وأنا أضحك : بالفعل !
جلس الهدوء الخمسيني مكان الرياح التي ثارت ثم رحلت وتركت مقاعد السيد تم هورتن هازئة من تزاحم الأضداد !
يتطلع الكهلان كل منهما نحو الآخر لثوان بعد اكمال كل جملة قبل الرد كمن يزن رأيه قبل أن يدلي به .
_ لدي ابن أخ يعمل مديرا لقسم في هذا المصنع القريب .
_ حقا ؟ انه محظوظ .
_انه كذلك فعلا ، لقد أن أنفق أخي وزوجته كثيرا على تعليمه . أنا وزوجتي لم نتمكن من فعل ذلك لابننا .
_ ول.. ( طيب ) ، هل يساعدهما الآن ؟
_ لست متأكدا من ذلك _فلأكن أمينا معك _لم أتحدث لأخي منذ مدة .
واستمرت المحادثة مرتفعة الصوت دون مبالغة ، لتعرج على الفرق الرياضية وحالة الطقس ودفع الفواتير .
حضرت احدى العاملات وقالت غاضبة :
_ أكره هذا ، أين المكنسة ؟
كانت حريصة على التعبير عن حالة غضبها أكثر من حرصها على التنظيف . أحضرت مكنسة بيد خشبية طويلة ثم ألقت بها جوار المناضد المجنونة وهي تتنهد :
_ حتى هذه لن تنفع !
حان موعد التزامي بشأني اليومي وتركت المكان وجمهوره _ غير المعتاد في حالة المجموعة الأولى _ لتحتل جوانب نفسي صورة أخرى ، يغذيها مزيج الواجب والحنين بعد أن عز التواجد في الزمان والمكان ، صورة ست الكدح والشاي السودانية . دا شاي ودا شاي ، تم هورتن بدأ صغيرا وكبر في مزاج القهوة الكندي وست الشاي بدأت كبيرة بموازين المسؤوليات الأسرية ولكن كدحها لم يرتبط بعد بمقامات الفخر والتشجيع والمساندة . طعم شاي سوداني مميز بين جمهوره المحب ، سكر تقيل ولا يهمك ، فمراعاة الوزن تتكفل بها خافضات أخرى له ، نظافة وذوق واحترام وأكشاك تكفل الحماية للبائعة والراحة للشاري ، هل هذا كثير على رزق شريف ووله سوداني بالشاي الذي نرتمي بالاعياء ونقص الطاقة وعكننة المزاج ان لم نجده بمتناول الانوف والأفواه شما و ذوقا ورضا وعدلة راس ؟
فالت الشايقية الشاعرة بعد أن تراكمت عليها الديون في درب الشاي والعوازيم ، قالت والشاي والصحبة راميات راسا:
تقطر عيني دار تبدا هولا
وحنت لي شراب الشاي أب جرورة
وتعزم فوقو كونو مسوا هولا!
هل للدولة أن تبادر بدعم يحترم الكرامة والكبرياء في تحويل النساء للشاي لشهادات أبناء وبنات مدرسية ولمبالغ مالية تؤمن ايجارا يأوي اخوة وأخوات ، وثلاث وجبات يومية تكفي ذل الحاجة والسؤال؟
لم \" الكشة \" مقابل التشجيع وتطوير الظاهرة ، ظاهرة ست الشاي الاقتصادية الاجتماعية وجمهورها ؟و أستثني في حنيني واهتمامي المتعدين على الحدود بمد اليد أو اللسان على صاحبات المقهى الصغير ، المنتشر حاليا تحت ظلال الأشجار والزوايا ، والذي يشكلن بجلستهن فوق المقاعد القصيرة بنيانه وعامليه وعاملاته ومحاسبيه ومحاسباته ونوافذه وأبوابه وحراسه وحارساته ، مقدرة كبيرة على الجمع بين أكثر من أربعين من القدرات بالعدل ، أولى قدرات ست الشاي الادارة والمحاسبة والتركيز وأهمها حماية النفس ومعدات العمل _ التي من بينها موقد الجمر _ من فجائيات الهجوم .
عندما كنت طالبة بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، في فترة قبيل منتصف الثمانينات ، كنت أتصور اننا كطالبات وطلاب مهمومات ومهمومين بقضايا الشعب من خلال التنظيم السياسي وقتها ، كنت أتصور أننا خير من يتفهم أوضاع بائعات الطعام المتواجدات يوميا أمام بوابة الجامعة الى أن أتى يوم سمعت فيه شقيقتي الكبرى آمنة ، والتي دخلت الجامعة بعدي بسنوات وتلك قصة أخرى ، سمعتها تعتذر لشقيقتنا الصغرى هاجر ، والتي كانت تستعد لامتحان المرحلة المتوسطة ، عن تأخرها في ارجاع كتاب مدرسي من الخالة بائعة الطعام . لفتت نظري المحادثة وسألت آمنة عمن استعارت لها كتاب هاجر فردت علي بأنها فلانة وسمتها بالاسم وأوضحت أن الخالة تربطها بها علاقة جميلة وأنها لم تتمكن من شراء كل الكتب فكان ما كان من أمر التبادل الذي سمعت طرفا من الحديث عنه . عندما توفيت الخالة فجأة حزنت عليها شقيقتي حزنا دفع بأمي وشقيقاتي وجارتنا للذهاب للعزاء مع أختي رغم أن أي منهن غير آمنة لم ترها أو تعرفها . آمنة لم تنتم لتنظيم سياسي في حياتها قط ولم تحضر الاجتماعات المطولة ولم تتلق تدريبا في مدارس الكادر ولكنها ادارت صلة مميزة وسط الآلاف المؤلفة من طالبات الجامعة وطلابها بالمحبة والاهتمام بالشأن الأسري الأهم الذي دفع بالخالة البائعة للعمل : الكتاب المدرسي وبقية منصرفات الدراسة للأبناء والبنات . توقفت كثيرا عند هذه الروح العملية المفعمة برسالة الندية والتآزر . قلت لنفسي بعتاب : نحن ما عملنا كدة في التنظيم السياسي في الجامعة . وراجعت أني طوال المدة التي كنت أرى فيها البائعات لم أكن أعرف اسم أي واحدة منهن وكنت أخمن فقط أنهن ربما يسكن جميعا منطقة قشلاق البوليس التي تقع فيها الجامعة . ولم أتذكر أن كدحهن كان ضمن مقترح ترقية لعملهن في أنشطتنا بجمعية المرأة داخل الجامعة وهن على مرمى حجر منا . وددت من ذكر القصة تثمين الفردي المنخفض الصوت والانتباه له وسط أصوات المايكروفونات العالية و ونقد الشعور بالرضا عندما نتصور أننا نقوم بالواجب كلو علي بعضوطالما اننا أعلنا انحيازا عاما لجهة الكدح لا يجد وقتا للتفصيلي والشخصي في حياة الناس حتى لو كان قريبا بائنا . وددت أيضا حفظ ظاهرة ست الشاي من جانبي من التضامن في حدود الصورة الفولكلورية الجميلة فحسب ، للانتقال لحيز العملي المباشر بتوفير الأكشاك بدعم الدولة ومحبة الأفراد وحدب منظمات المجتمع المدني .
هل لك في فنجان جبنة بي شمالا ، ست الشاي ، وهي تدير مقهاها الصغير ؟
ان تحقيق حلم كهذا، في ظني، يسوى عندها ، الدنيا بي حالا !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.