حقاً إنه كلام غريب وعجيب عند بعض الناس.. ربما قالوا عني «شقي ومجنون» كما قال الفنان الكحلاوي رحمه الله. وأقول لهم سامحكم الله. وأنتم لم تقرأوا التاريخ البعيد ولم تستوعبوا التاريخ القريب «نيفاشا» لم تفصل الجنوب لأن الجنوب مفصول سلفاً كدولة قائمة بذاتها منذ عام 1884 في مؤتمر برلين بألمانيا.. وذلك عندما اجتمعت الدول العظمى آنذاك ووضعت خريطة إفريقيا أمامها وقسمتها عليها باعتبار أن إفريقيا مستودع للخامات وقررت أن إفريقيا تنتج الخامات فقط وهم يقومون بالتصنيع ويردونها للدول الإفريقية بأعلى الأسعار وهذه أهم ركائز الاستعمار في امتصاص دماء الشعوب وقررت قيام الطريق القاري الذي يبدأ من البحر الأحمر من بورتسودان مروراً بالخرطوم والأبيض والفاشر ونيالا للجنينة إلى الحدود التشادية وعلى تشاد أن توصله الكاميرون وهكذا يمر بالدول الأخرى حتى يصل المحيط الأطلسي وبعده أمريكا قريبة جداً. الدول العظمى والدول العظمى التي فعلت كل هذا كانت أعظمها بريطانيا العظمى التي لا تغرب عنها الشمس ثم فرنسا وأمريكا وألمانيا وبلجيكا وآخرين مناصرين ومؤيدين لمصالح لهم. بريطانيا اخذت شمال إفريقيا ومصر والسودان شماله وجنوبه وإثيوبيا وداخلها اريتريا لتفصل فيما بعد وأخذت الصومال.. وعندما استلمت بريطانيا السودان بحملة «كتشنر» التي قامت بالإبادة في «كرري» ورفع العلم البريطاني والمصري على «السرايا» القصر الجمهوري الحالي.. رفع المسيو «مارشاند» القائد الفرنسي رفع العلم الفرنسي في فاشودة باعتبار الشمال دولة اخذته بريطانيا والجنوب دولة تأخذها فرنسا. وذهب إليه اللورد كتشنر وونجت باشا وسلاطين باشا بالوابور «بردين» وتعشوا معه وطلبوا منه إنزال العلم الفرنسي ورفض واتفقوا على رفع الأمر لحكومتيهما والقرار الذي يصدر ينفذ وصدر القرار بخلع العلم الفرنسي والجنوب يتبع لبريطانيا ولعل هذا السبب الذي جعل «بلير» مستشاراً لحكومة الجنوب ليمنع أي ترابط بين الشمال والجنوب ويبعد كل تقارب بينهما. السير هرالد ماكمايكل (مكميك) وجاء كتاب السير هرلد ماكمايكل واسمه «السودان» وهو أهم كتاب وضع النقاط على الحروف ووضح كل شيء لأنه هو الذي خطط لإدارة السودان «الكتاب موجود بمكتبة مروي بشارع البرلمان» ولأهميته اشتريت نسخة وكتبت عليها إهداء من عندي للباشمهندس الطيب مصطفى وسلمته للأخ الرزيقي ليوصله له.. وقال ماكمايكل إن إعداد حملة كتشنر أفلس الخزينة البريطانية من تجهيز الجيوش من عدة وعتاد من أسلحة وذخائر وسكة حديد من قضبان وقطارات ووابورات وخيل وجمال وفقدنا أبطالاً عظاماً حتى استلمنا السودان ولن نتركه ووجدناه ضخماً مترامي الأطراف ولم نكن نتخيله بهذه الصورة وتنعدم فيه البنيات الأساسية لا مدارس لا مستشفيات لا مكاتب لا مياه ولا طرق في كثير من مواقعه، فقط به خلاوى لتعليم القرآن متباعدة المواقع. وأولاً أزال كتشنر باشا المعوقات المتوقعة التي ربما تخلق له مشكلات مثل أبناء المهدي فقتلناهم في «الشكابة» والخليفة عبد الله لاحقناه وقتلناه في «أم دبيكرات» ومعه عدد من الأمراء.. ثم قسمنا السودان إلى 15 مديرية ووجدناها مكلفة دمجنا بعضها ببعض حتى أصبحت «9» مديريات للجنوب «3» وللشمال «6» وأوعزنا لعلي دينار أن يذهب لدارفور ليستلم سلطنات جدوده وهو رجل ذكي واشترط علينا شروطاً قبلناها على مضض منها ألّا يضع خواجة رجله في دارفور وألّا يعترض أحد على أحكامي ونظم إدارتي. وقبلنا وأضمرنا في نفوسنا إذا عمرها أخذناها إن أردنا وإن فشل نكون ارتحنا واستراح هو وفعلاً عمرها وأخذناها عام 1916م وطلبنا منه في البداية أن يدفع لنا خمسمائة جنيه لإدارة بقية السودان ودفعها أول مرة وحرضته أخته الميرم «تاجة» وقالت له أنت لست عبداً للإنجليز حتى تدفع لهم جزية وامتنع وتركناه. الجنوب ثم قررنا قفل الجنوب وتركناه على الفطرة بعاداته وطبائعه واحضر كتشنر معه عدداً من السياسيين في لبس رهبان وقسيسين لإدخال المسيحية لتصطرع مع الإسلاميين ولم تنجح الفكرة والغرض من ذلك تطبيق فكرة «فرق تسد» وأصبح البيت الواحد يضم مسلمين ومسيحيين ثم عملنا «قانون المناطق المقفولة» وسجناهم لمدة خمسين سنة يتمسحون ببول البقر ويصبغون شعورهم بروث البقر ويتعالجون عند الكجور. والقسس تحولوا لمفتشين لإحكام قفل الجنوب وفصله عن الشمال، وذكر الكتاب قصة المفتش «فرقسون» الذي خلع ملابسه وأصبح عرياناً مثلهم وذات مرة أحد الشماليين ألبس جنوبيًا عراقيًا وسروالاً وسمع به المفتش «فرقسون» واستدعاه ودق النقارة وتجمع الناس، وقال لهم هذا الولد قد خرج على عادات جدوده ولبس ملابس المندكورو وطلب منه خلع الملابس واعطاه زجاجة جاز وصبها على الملابس وأشعل فيها النار ثم جلده عشرين جلدة وقال للناس كمان أنا عاوز أعمل حاجة ثانية وهي أن البيت الذي به 5 6 رجال نخصيهم ونترك واحدًا يكون «تور» للبيت أمشوا اتشاوروا وتعالوا بعد شهر.. واجتمعوا وقالوا المفتش دا عاوز يقطع نسل القبيلة لازم نقتله ونتخلص منه وبعد شهر حضروا وخرج عليهم عرياناً وفي يده كماشة البطري التي يخصي بها التيران وانهالوا عليه ضرباً وطعناً بالرماح وقطعوا أياديه ودقوا بها النقارة، ورد خبر ذلك في كتاب لماكمايكل، ولم يذكر السبب، وبعد يومين سمعوا صوت طائرة وهربوا جميعاً ودخلوا القش وكانت طائرة رش ورشت كل القش بالمنطقة واشعلوا فيها النيران ومات خلق كثير، حدث هذا في مدينة «فنجاك» في بلد النوير. لم يذكر الكتاب السبب لأنه فضيحة وعار وجريمة جنائية نكراء. وذكر السبب صديقي السلطان «جون ليا» من النوير في سهرة قدمتها مع النواب الجنوبيين بالتلفزيون القومي وأحتفظ بتسجيل منها وموجود بمكتبة التلفزيون. وبعد ثلاثة أيام هناك هيئة استدعت السلطان العجوز «جون ليا» وقدموا له كسوة فاخرة ومنحوه عشرين جنيهاً مصاريف وأرجعوه الجنوب ليوزع على أهله كمية من العيش عندهم هناك طبعاً الغرض إبعاده عن أجهزة الإعلام حتى لا يكرر هذا الكلام جاء ودعني وسافر للجنوب. ومؤتمر برلين مبرمج في كمبيوتر سري يدرسونه لكل سياسي قادم للسودان ليعلم بأن الجنوب مفصول عن الشمال ليعمل على ألّا يكون هناك أي تقارب بين الشمال والجنوب لأن الجنوب مفصول مفصول وظهر ذلك في قيام المجلس الاستشاري لشمال السودان عام 1944م وقيام المائدة المستديرة بالجنوب عام 1947م والتذمر الذي حدث من الحاكم العام روبرتسن ويمكن للقارئ أن يجد تفاصيل أخرى في كتاب «حروبات المهدية» للمستر «روبن لاند» بمكتبة مروي، وقال ماكمايكل: تركنا بقية السودان تحت حكم زعامات قبائلهم حسب عادات وتقاليد كل قبيلة ولنكسبه هيبة عملنا له محكمة ليحكم فيها بشهرين سجن وغرامة 2 جنيه وقامت الإدارة الأهلية ويمكن قراءة كتاب «مع الإدارة الأهلية» للإداري السيد عبد الله علي جاد الله ومن ذلك الوقت ظل المستعمرون يحطمون ويخربون أي منشأة يقيمها الشمال بالجنوب قطعاً للصلة حطموا مشروع أنزارا وحطموا مشروع تعدين الذهب واستمر قطع كل صلة حتى أطفال المدارس الذين ذهبوا للجنوب ليشاركوا في عيد التعليم أرجعوهم دون رحمة ولا إنسانية وقتلوا الشماليين الذين نقلوا لهم الحضارة في أحداث توريت وإلى اليوم قتلوا أهل الشاحنات التي نقلت لهم الغذاء والبضائع واستولوا على العربات. خط الصفر المهم التمسك والحرص الشديد على خط الصفر الذي خططه ماكمايكل بنفسه فاصلاً بين دولة الجنوب ودولة الشمال والوارد ذكره في اتفاقية الحدود عام 1956م ثم ورد ضمن اتفاقية أديس أبابا ضمن المصفوفات التسع، ولكي تكون المنطقة آمنة اتفقوا على الرجوع عشرة كيلومترات للجنوب وعشرة للشمال ونقترح أن تكون عشرين لتصبح محمية لتتوالد فيها الحيوانات البرية بإشراف حماية الصيد ومجلس تديره مجموعة شمالية وجنوبية وهيئة أمنية. احتفالية نيفاشا نيفاشا ما هي إلا عبارة عن احتفالية لإشهار المولود الجديد «دولة الجنوب» التي بذرت بذرتها قبل «129» عاماً من عام «1884» في مؤتمر برلين بقرار الدول العظمى وهو قرار دولي واعٍ وتم تنفيذ كل قراراته على دول إفريقيا كلها.. وقرار فصل الجنوب من ذلك الوقت مرّ بأطوار الحمل إلى أن تخرج أبناء الجنوب من الجامعات السودانية والأجنبية وهم الجالسون على دست الحكم اليوم وإلى اكتشاف بترول الجنوب رغم أن بترول الجنوب لا يكفي حراميتهم والتنمية، والحمد لله الذي أنزل العبء من أكتافنا. خلاصة الموضوع الخلاصة أن الإنقاذ بريئة براءة تامة من تهمة أنها فصلت الجنوب كما يدعي اعداؤها والإنقاذ بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب ومن قصة أنها فصلت الجنوب.. أما توقيعها في احتفالية نيفاشا فتحصيل حاصل فهو أمر مقضي لا يمكن أن يؤجل أو يعدل. ومن يرى غير ذلك فليرجع لمضابط مؤتمر برلين ويستقرئ الأحداث التي مضت خلال هذه الفترة الطويلة وكلها تشير إلى فصل الجنوب عن الشمال.. أيضاً ليقرأ كتاب السير هرلد ماكمايكل بعد أن يقرأ سيرته الذاتية ليعرف من هو الرجل ومكانته وهو الذي خطط للخط نمرة واحد أو خط الصفر الفاصل بين دولتي الشمال والجنوب المذكور في اتفاقية 1/1/1956م والوارد ضمن المصفوفات التسع. الحزام الأسود سمعت به عام 1950م وأنا طالب بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية أيضاً الحزام الأسود من مصائب مؤتمر برلين وهو حزام يمتد من الأنقسنا النيل الأزرق مروراً بالجنوب ثم جبال النوبة جنوب كردفان إلى دارفور لفصل إفريقيا السوداء الوثنية والمسيحية، وقلة من المسلمين وبين الشمال العربي المسلم وقلة من الجنوبيين .. وهو الذي تدور فيه الحرب الآن. العلاج العلاج الوحيد في نظري ما قاله الأستاذ عبد الله زكريا بجريدة «الإنتباهة» الغراء في الأيام القليلة الماضية حيث يقول: على الشعب السوداني حكومة وشعباً أن يتوحدوا لتقوية الجيش بتحسين معيشة الجندي ورفع كفاءته القتالية مع التدريبات العالية الرفيعة وتوفير السلاح الحديث الفعّال. أو كانت النهاية المؤلمة وما تقولوا نحنا انتهينا نحن يا دوب ابتدينا .. كما قال الشاعر الفحل سيف الدين الدسوقي متعه الله بالصحة والسعادة.. والله كفيل بالعباد وعلى الله الإتكال.