من الطبيعي أن تبقى إسرائيل ولأمد غير منظور هي الخصم الرئيسي للأمن العربي أو على الأقل لعدد من الدول العربية وتأخذ هذه المقولة قيمتها وقدرها في حال افتراضنا أن تسوية الصراع العربي الإسرائيلي قد أُنجزت على أساس انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة وقام السلام على تعاقدات والتزامات متبادلة وهنا فإن هناك ثمة ظاهرة تستحق الاهتمام في منظور التعاون العسكري العربي وتخص الوضع الجيوستراتيجي الذي سينتج عن تفكيك عناصر الاشتباك في الإطار الجغرافي لفلسطين إذ من المنتظر أن تختلف الترتيبات الأمنية بين الدولة الفلسطينية المنشودة وإسرائيل اختلافاً نوعياً وشكلياً عن الترتيبات الأمنية التي تضمنتها معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وكذلك عن الترتيبات التي يمكن أن يتضمنها أي اتفاق بين كل من سوريا ولبنان والأردن من جهة وإسرائيل من جهة أخرى ذلك أنَّ الترتيبات بين الدولة الفلسطينية وإسرائيل بين كيان سيتحرر ويتأسس من جهة ودولة محتلة من جهة أخرى وفي هذه الحال فإنه من الطبيعي أن تفرض إسرائيل شروطها ومتطلبات نظريتها الأمنية وإستراتيجيتها الدفاعية بحيث تخلو الأرض الفلسطينية من أي تهديد أو احتمال تهديد هو يقصد إسرائيل وذلك بتوفير الوسائل التي تمكِّن الجيش الإسرائيلي من استخدام الأرض الفلسطينية كموقع للإنذار المبكر ولفتح القوات وتعزيز القدرة على الردع والانطلاق للهجوم، ويدعم هذه الفكرة التوجه نحو حرمان الدولة الفلسطينية المنشودة من أن يكون لها جيش ذلك أن قوة الدولة الفلسطينية يجب أن تكون بالتحديد في ضعفها يجب أن لا يكون أمنها في يدها بل يجب أن يستند أمنها كلياً إلى ضمانات الدول الكبرى وهنا يرى مركز يافي للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب أنه بقدر ما تتخلى إسرائيل عن حضور عسكري مكثف على طول وادي نهر الأردن وسلسلة الجبال الشمالية والجنوبية الممتدة على طول الضفة الغربية بقدر ما تصبح أكثر عرضة لخطر الهجوم من الشرق ذلك لأن القوات العربية المنتشرة في الضفة الشرقية أي في الأردن بموجب ائتلاف عسكري عربي محتمل ستكون قادرة على اجتياز النهر وكذلك اتخاذ مواقع هجومية على طول سلسلة الجبال مهددة عمق الأراضي الإسرائيلية الضيقة وذلك قبل أن تتمكن إسرائيل من تحريك قواتها الاحتياطية ولهذا فثمة حاجة إسرائيلية ماسة إلى أن تكون في أراضي الدولة الفلسطينية محطات للإنذار المبكر وكذلك مراكز مراقبة وقوات منتشرة في كل المواقع الهامة وبخاصة عند جسور نهر الأردن ومخاضاته وأن يكون لإسرائيل حق التحليق فوق فلسطين لأغراض الاستطلاع، ويرى بعض الإستراتيجيين الإسرائيليين أن الضفة الشرقية لنهر الأردن هي التي تشكل في الحقيقة العمق الإستراتيجي للأمن الإسرائيلي ولهذا تتطلع إسرائيل إلى أن تقنع الأردن حسبما ورد في أقوال هؤلاء الإستراتيجيين بأن يثبت في أية اتفاقية أن دخول قوات أجنبية للأراضي هو مبرر تلقائي شرعي لرد فعل عسكري إسرائيلي وأن إضفاء صيغة رسمية على دور الأردن كعمق إستراتيجي لإسرائيل بدوره سيزيل تخوف إسرائيل المشروع من أن انسحابها من الضفة الغربية يمكن أن يُستغَل لحشد قوة عسكرية في الضفة الشرقية وهنا يمكن القول إنه استناداً إلى خبرات الماضي وعوامل الحاضر وبيئة النظام العالمي الراهن أن الدرب إلى هذا النوع من السلام الذي سيكون بديلاً للصراع العربي الإسرائيلي طويل حتى يبلغ اجتيازه سنوات عديدة ومزروع باحتمالات كثيرة منها التوترات والصدامات المحدودة ذلك أن موازين القوى الدولية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وتمسك الأطراف بالخيار التفاوضي سبيلاً إلى إقامة السلام يضعان سقفاً لتلك التوترات والصدامات وفي جميع الأحوال ومهما كانت الصيغ الأمنية المتبادلة والتي ستنتهي إليها عملية التفاوض والتي ستكون إطاراً للسلام فإن من غير المقبول بل من ضرورات التحوط والحذر ومن مستلزمات حماية الأمن العربي وموجبات الدفاع عن الأمة الإسلامية والعربية ووطنها ألّا نطوي من أمام أنظارنا وأفكارنا خطط دولة إسرائيل الاستبدادية والتوسعية وأهدافها العدوانية.