لو تريَّث د. نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهوريَّة ونائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب، قليلاً في تصريحاته التي أبرزتها الصحف أمس حول الاتفاق مع دولة الجنوب، لكان ذلك أفضل وأحكم وأكثر نجاعة سياسيَّة! الأمور في الجنوب بالرغم من استقرار الأوضاع بعد قرارات سلفا كير الأخيرة والتأييد الواسع الذي وجدته من مختلف الأطياف السياسيَّة الجنوبيَّة وداخل الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي، لا تحتمل في هذه اللحظة أن نجيِّرها لصالحنا ونعتبر بالفعل أنَّ حكومة الجنوب أقدمت على ما أقدمت عليه لتحزم أمرها لإصلاح علاقتها بالسُّودان.. فبالرغم من أنَّ التفسيرات والتأويلات تشير إلى انعكاسات إيجابية على مسار علاقات السُّودان وجنوب السُّودان، بعد إبعاد كثيرٍ من القيادات والرموز المناهضة والمعادية للسُّودان من الذين أسقطهم رئيس الدولة سلفا كير بضربة واحدة، ولم يكن يحتاج لغير حجر واحد لرمي أكثر من عصفور سياسي عنده، إلا أنَّ الوقت مبكر لكشف ما تم الاتفاق عليه في اجتماعات اللجنة السياسيَّة الأمنيَّة المشترَكة المنعقدة في جوبا منذ يومَين، ولا يزال كل شيء في بداياته ولم تنضج ثمارُه بعد.. وحتى إن تم اتفاق بين البلدَين بقطع حكومة دولة الجنوب صلتها بقطاع الشمال وطرد عقار والحلو وعرمان حسب ما جاء في تصريحات د. نافع، أليس من الأوفق ترك مثل هذه الأمور في إطار محدود بين أجهزة البلدين حتى يتم التنفيذ ويتم طرد المذكورين وتُقطع العلاقة ويُفكّ الارتباط؟ أم أنَّ التقدير هنا يختلف عن طبيعة ومنطق الأشياء في التعامل مع هذه الحالات؟ الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب عدو إستراتيجي مهما كانت مستلزمات التفاهم المرحلي وحدوث تغيير طارئ في جوبا بقرارات سلفا كير الأخيرة وحاجة الجنوب لتهدئة أوضاعه الداخليَّة والاستفادة من عائدات بتروله حين يجد طريقه إلى البحر سربا.. حتى هذه اللحظة لم تُعلن دولة الجنوب أنَّ علاقتها مع السُّودان وتوتراتها خلال الفترة الماضية، كانت هي السبب وراء قرارات عزل نائب الرئيس رياك مشار وحل الحكومة والتحقيق مع بعض الوزراء والقيادات وفرض إقامة جبريَّة على الأمين العام للحركة الشعبيَّة باقان أموم وتكوين لجنة تحقيق معه حول تهم فساد مهول! فما حدث تفاعل داخلي في دولة الجنوب، وصراعات لاهبة أشعلت النار في قصب البيت الخاص بالحركة الشعبيَّة، ونتاج حتمي للتنازع حول السلطة والثروة في الدولة الوليدة، وما هي اليد الأطول والكرش الأكبر في نهب الأموال وعائدات البترول؟ ولا توجد أيضاً حتى هذه اللحظة دلائل واضحة أو تأكيدات قويَّة أنَّ دولة الجنوب قد قرَّرت بالفعل طي صفحة الماضي والإقبال على السُّودان بقلب وعقل مفتوحَين، وتجاوز كل مرارات المرحلة السابقة بإنهاء الخلافات، والتأكيد أيضاً أنَّ الضربة التي وجهها سلفا كير لخصومه تشمل أيضاً ما يُسمى بقطاع الشمال في الحركة والجبهة الثوريَّة... الاتفاق المبرم في جوبا الذي أشار إليه د. نافع، كان يمكن تحصينه بالصمت... وعدم الخوض فيه حتى لا يصبح اتفاقًا معرَّضاً للإجهاض وتوضع أمامه العوائق ومزيد من العقابيل من جهات داخل الجنوب وخارجه تتربص بعلاقة البلدَين وتدفع باتجاه معاكس! ولا يجد أي سوداني حريص على الأمن والاستقرار لا يتمنى هدوء جبهة الخلاف مع دولة الجنوب وطي صفحات الماضي بكل شرورها وصورها التي تحمل ملامح ما يسمَّى بمشروع السُّودان الجديد وسدنته مثل باقان ودينق ألور وتعبان دينق والحلو وعقار وعرمان وغيرهم.. وذهابهم في هذه المرحلة وفي هذه الظروف مما يُسرُّ له ويُغتبط، لكن فلتكن ردود أفعالنا محسوبة بقدر معلوم حتى تؤتي أكلها وتستقر الأحوال وتهدأ الأوضاع.. فقد علَّمتنا التجارب أنَّ السكوت من ذهب في هذه الحالة...