ما تزال الساحة السياسية حبلى بالكثير من التكهنات والشائعات والمواقف المتباعدة حيناً والمتقاربة وفق ما يطرأ، بين المكونات السياسية التي تشكل مواقفها ومصالحها نقاط تلاقٍ، في المعارضة أو في الحكومة.... ولا يظهر أن المؤتمر الوطني قد رجع من غنيمة الحوار السياسي مع حزبي الأمة القومي والاتحادي الأصل، بالإياب لمربعه الأول، فما يزال هناك من يتأمل في مشاركة الميرغني وحزبه، خاصة بعد أن ذهبت مشاركة الصادق المهدي وعشيرته الأقربين وحزبه مع الريح... ولذلك من العسير الآن الجزم القاطع بما ستكون عليه الحكومة المرتقبة والأطراف المشاركة فيها غير المؤتمر الوطني وحلفائه من أحزاب حكومة الوحدة الوطنية السابقة التي تضم فيسفساء متناثرة من انشطاريي حزب الأمة والاتحاديين أتباع الدقير الذي ورث كل شيء من المغفور له الشريف زين العابدين الهندي الذي غادر الفانية بزهده في الصولجان ورغد العيش وتركه لغيره من أتباعه يتنافسونها كما تنافسوها... على صعيد الحوار السياسي بين أحزاب المعارضة الكبرى والمؤتمر الوطني المالك لكل كيكة السلطة والممسك بسكين تقسيمها والمانح والمعطي لما في يده، فإنه لا مجال للحديث عن أية مشاركة لحزب الأمة التي حسمت في لقائه الأخير مع السيد رئيس الجمهورية ورئيس المؤتمر الوطني، ولم يعد في حسابات الوطني مشاركة حزب الأمة القومي، غير أن هذا الحزب حافظ على مصالحه ومنافعه الخاصة بالتأكيد على أنه سيكون معارضة «مسؤولة وعاقلة»، وفهم من السيد الصادق المهدي من خلال ما نشر في بعض الصحف أو تصريحاته قبل سفره أو من يتسرب من تعليقاته في مجالسه الخاصة، أنه لن يقوى بعد الآن على الدخول في مواجهات أو صدامات مع السلطة مفضلاً مبتدعاته اللفظية «الجهاد المدني» و«التواصل الحواري» مع أهل الحكم، أي ببساطة ترك قاربه مفتوح الشراع تأخذه رياح الأحداث لأي ضفة شاءت أو تجري به الأمواج حيث تريد. وبهذا يكون حزب الأمة القومي قد خرج من معادلات السلطة السياسية وتحالفاتها المرتقبة، وخرج أكثر أو بالأحرى انسحب واستأذن في الانصراف من المشهد السياسي كله لأنه بلا شك سيخسر وهو في طور المعارضة المدجنة المهيضة الجناح التي تأكل من حوصلة المؤتمر الوطني، مثلما هو سيخسر متوجساً من مشاركته في السلطة إن تمت والتي سيكون فيها مردوفاً على سروج المؤتمر الوطني أو مثل الطفلة الصغيرة البريئة التي تمسك بذيل فستان الزفاف للحسناء في حفل عرسها وزفافها. ومن خطورة موقف حزب الأمة القومي، أنه لم يتحلَ بشجاعة لازمة وضرورية في مثل هذه المواقف، إما أن يكون معارضاً صميماً قوياً يلتزم بقواطع ومحددات وطنية لا ينزع للعاجلة وينظر لمكسبها، أو يكون متجاوزاً لكل شيء يبني أفقاً ومستقبلاً وتصوراً جديداً للحزب ومقبل أيامه بمشاركة في السلطة تضمن له اتجاهاً ومساراً في ظلماء السياسة السودانية التي لا يعرف أحد تقلباتها وما تحت الأرجل والأقدام. أما الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة مولانا الميرغني، فمصيبته الكبرى أنه يمارس السياسة بعقلية عفى عنها الزمن، لا ترى المتغير في المعطى الاجتماعي والسياسي الذي أفرزته تطورات البلاد والعالم من حولنا، فهي عقلية تفكر بحساب كم نكسب وماذا نأخذ؟ وما الذي نأخذه؟ فالمشاركة تنحصر عند هذا الحزب في الأنصبة السلطوية من وزارات، وما هي هذه الوزارات وفائدتها للحزب ومرشده في تضخيم الفائدة وتعويض خسائر اثنتين وعشرين سنة من الرخص التجارية والصفقات والتصديقات والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة؟ فجولات راعي الختمية ومرشد الحزب، مع قيادة المؤتمر الوطني فيها من الذرائع ما هو أكثر بكثير من العزائم، فكل شيء مشروط، الأراضي المصادرة مقابل المشاركة والتعويضات قبل أداء القسم والدفع يسبق رفع أسماء الوزراء المرشحين عن الحزب في الحكومة المقدمة.. عقلية المصلحة الخاصة هي التي ستورد هذا الحزب مورد الهلاك السياسي أكثر مما هو فيه، وسيخرج مثل حزب الأمة القومي من بوابة ونافذة التاريخ ولا بواكي عليهما، فلا قلب سيحزن ولا أعين ستفيض من الدمع..!!