الحرية هبة وحق ومنحة إلهية أعطاها الله سبحانه وتعالى للإنسان.. كل الإنسان.. حرية الاعتقاد، حرية العبادة، حرية الحقوق في الأحوال الشخصية في الزواج والطلاق، حرية الأكل والشراب واختيار مكان العيش من أرض الله الواسعة، حرية العمل والمهنة، حرية الاختيار في التنظيم واعتناق الأفكار، حرية الكتابة والكلام أو الصمت، حرية السير في الأرض والسياحة والهجرة والأسفار، حرية الملكية الفردية للحقوق المادية والمعنوية والتصرف فيها، وحرية إنشاء العلاقات والتواصل والشراكة مع الآخرين وغيرها كثيرٌ وكثير. بهذا يتقرر ويثبت وهو شيء معلوم للجميع أن الحرية حق من حقوق الإنسان، وإنها هبة إلهية، وليست منحة إنسانية يعطيها الإنسان لأخيه الإنسان الآخر، ويستوي في ذلك الإخوة في الإنسانية، أو أخوة الدم والرحم، أو أخوة الدّين والملة، بمعنى آخر نقصد أن نقول إن أخوة الإنسانية لا تقر أن تتسلط حضارة أو ثقافة أو شعب أو دولة على دولة أخرى، أو شعب أو ثقافة أو حضارة، لتسلب عنها حقوقها بالإكراه والقهر، ولا يحق لصاحب صلة دم أو رحم أن يصادر حقوق أهله وأوليائه وفقاً لهواه ومراده، كما لا يحق أيضاً لدين أو ملة أن تحمل الناس قهراً وجبراً دون حوار وإقناع وخطاب ووسائل تسديد، وإن كان هذا الدين ديناً إلهياً منزلاً من السماء ومبعوثاً لتبلغه رسولاً أو نبياً، دع عنك أن يكونا ديناً أرضياً بشرياً ساقطاً باطلاً. ولإثبات الأصل في حق الحرية للإنسان دعا الإسلام إلى تحرير الإنسان إن شاب هذا الأصل «الحرية» تسلط من جهة ما، فقال تعالى في الآية «13» من سورة البلد الجزء الثلاثين من القرآن الكريم «فكُّ رقبة» وأكد الإسلام من خلال وحي النبوة أن الإنسان يولد حراً بكامل حقوقه، وإن كان أبواه مملوكين بفعل تسلط إنساني وليس تشريعاً إلهياً، حيث قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه، الذي رواه أمير المؤمنين خليفة رسول الله الفاروق عمر رضي الله عنه «أن تلد الأمةُ ربّتها» فهنا ولد الأمة المملوكة نتيجة وضع اجتماعي معين يولد حراً بكامل حقوقه، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟» إن كانت العبودية اليوم أو التابعية أو الوصاية أو الكفالة أو سميها ما شئت من أسمائها المعدلة، وهي لون من ألوان الرق والعبودية موجودة للأسف في بعض بلدان العالم، فمثلاً في الهند يوجد نصف العبيد في العالم، وهنالك صور وممارسات جاهلية في بعض المجتمعات في العالم، وفي العالم العربي والإسلامي، فإن كل هذا يخالف روح الأديان السماوية غير المحرفة ومنها الاسلام، وهي نزلت لأجل كرامة الإنسان وصون حقوقه والدفاع عنها، ويستوي في الكرامة الإنسانية المسلم والكافر، ومن هذا الباب كانت مواثيق وعهود حقوق الإنسان من أعظم وأفضل وأشرف القوانين والمواثيق والعهود. أيها الإخوة القراء الكرام دعونا بعد كل هذا التفصيل والإسهاب المطلوب لذاته في صدر هذا المقال.. دعونا نتساءل جميعاً نحن وإياكم رحمكم الله لماذا لا نسأل أنفسنا ما هي الحرية؟ ما لونها؟ما طعمها؟ هل لها حدود وقيود أم هي شيء مطلق مفتوح؟.. قبل أن نجيب عن تلك الاسئلة دعونا مرة أخرى نسأل أسئلة في اطار فلسفي ومنطقي وعقلي عملي، فهل مثلاً يستقيم لي فطرة تحت عنوان حرية الاعتقاد ان اعبد الله واعبد الأوثان والطواغيت في آن واحد؟ هل يحق لي مثلاً تحت عنوان حرية الأحوال الشخصية أن اجعل في عصمتي خمس نساء ثم استدل بالآية الكريمة «فانحكوا ما طاب لكم من النساء».. دون إتمام الآية إلى نهايتها؟ وهل يمكن لنا تحت عنوان حرية الحركة والتنقل واختيار أماكن العيش والسياحة والهجرة، أن نتجاهل جواز السفر والهوية الشخصية ونقتحم المطارات والموانئ طالبين الأسفار دون ان نراعي تحولات الدولة القطرية والجغرافية المعاصرة؟ وهل يحق لنا تحت عنوان حرية العمل والتملك ان نبيع الحشيش والبنقو في وسط الشباب والمجتمع دون ان يرتفع لنا حاجب دهشة؟ وهل يمكن لنا أن نصعد المنابر ونمسك بالاقلام، لنكتب ما نشاء أو نخطب على رؤوس الاشهاد بما نشاء دون استدعاء دليل واقامة حجة وسياقة مبررات واثبات شواهد ومصوغات قانونية؟ هل يمكننا شرب السُّم الزعاف تحت عنوان حرية حق اختيار الطعام والشراب؟ وهل.. وهل.. يبدو لا حاجة داعية أن نكتب اجابات الاسئلة التي طرحناها في القسم الأول، والقسم الثاني، لأن جميعنا يملك الاجابة، ولكن الذي وددنا أن نقوله هو مجرد تنبيه وتذكير بطرح مثل هذه الأسئلة على الاذهان والافكار، والهدف ان نصل إلى استنتاج ان الحرية التي نتحدث عنها ليلاً ونهاراً.. في حلنا وأسفارنا، في صحفنا وكتبنا ومنابرنا تحتاج منا، من حيث دلالة المصطلح ومدلول اللفظ والمعنى، أن نتأملها ونحدد ونوصف مضمونها وحيزها، هل هي مطلقة إلى ما لا نهاية؟ أم هي كغيرها من الاشياء والكتل لها حيزٌ ومادة وحدود تنتهي عندها؟ وبالتالي هي مقيدة ومضبوطة. وفي سياق ما طرحناه من اسئلة فلسفية وعقلية وما اشرنا إليه من شواهد عملية معيشة وبتحكيم مقود العقل وشاهد الفطرة السليمة قبل نصوص الشرع، يتأكد لنا أن الحرية شيء موجود ملموس، وانها شيء محدد له حيز، وانها شيء ذو وصف واعتبار، وانها تخضع لقانون ودستور، ولما كانت كذلك، فهي اذن لا يمكن أن تكون مطلقة غير محددة، اذن هي معترف بها ولكنها مقيدة ومضبوطة بقانون الدّين والأخلاق والضمير والعقل وفقه الحقوق والمكان والزمان. وخلاصة القول هنا أن الحرية حريتان، حرية الفوضى والحرية القانونية، وحرية الفوضي: إما أن يعتقد الناس أنها مطلقة فتمارس على هذا النحو، فيتولد منها كل شرٍ ومفسدة وخراب، واما ان يعتقد بعض الناس أنه لا بد من كبتها ولجمها ومصادرتها، وعندئذٍ يحصل ايضاً الفساد والظلم والاعتداء على حقوق الناس بدوافع كثيرة أغلبها ذاتي خاص. إن الحرية المقيدة بالدّين والأخلاق والضمير والقيم والقانون في العمل السياسي والعمل الاعلامي والصحفي وفي شؤون الحكم والادارة والاقتصاد والاجتماع، هي شيء مطلوب لذاته لضبط ايقاع الحياة وبعث الاطمئنان والسلام الاجتماعي العام، وتلك غاية يقرها النقل والعقل. إن جدلية ضبط الصراع بين الرجل السياسي والرجل الاعلامي أو الصحفي وأهمية حدوثه تفسرها حاجة كل طرف إلى الآخر.. حاجة دائمة لا بديل لها، ولذلك لا بد أن تستمر، والجدل بين السياسة والصحافة أو بمعنى آخر بين الدولة والاعلام جدل قديم متجدد ولا يمكن أن ينتهي أو يزول، كما أنه لا يمكن ان يحدث الانقطاع والتدابر بينهما، ولا يمكن أيضاً أن يحدث بينهما التوافق والتطبيع في كل الأحوال، وذلك لوقوع الأحداث واختلاف التفسير حولها، لأن أحدهما يصنع القرار ويطبقه أو يسعى نحو ذلك، والآخر من طرفي المعادلة يرصد ويحلل وينقد مواضع الخلل والقصور في القرار وتطبيقاته ويسعى للحصول على المعلومة، لتكييف الأحوال وصناعة الرأي العام، ومن مصلحة الجميع في اطار الحوار الوطني العام أن تبقى الحرية في الإعلام والسياسة مسؤولية الجميع، وأن تبقى مقيدة بالقانون، وان يكون الفصل بين الصحافة والدولة عند النزاع أو التخاصم القانون والقضاء النزيه لا الأجهزة الأمنية، فلا للمصادرة والإيقاف والكبت والمطاردة والسجن والتهديد الذي تمارسه الدولة ومنع تدفق المعلومات، ولا لفوضى الصحافة التي تنقل كل شيء دون تحرٍ وإثبات بغرض التشويه وخلط الأوراق، وفتح منافذ شر على الوطن بدعوات مغرضة قد تصل حد خيانة الوطن وتعريض أمنه القومي للخطر، بسبب خصومة متوهمة مع النظام السياسي القائم في فترة ما.. علماً بأن الأنظمة تزول والدول تبقى لتسود، والسياسي والصحفي ينبغي أن يتربى على حب الوطن لا على حب النظام فقط.