في مرحلة ما، قبل أن يداهمنا خريف العمر، كنّا ثلة نقرض الشعر تعلُّماً منظماً متشابهاً وغير متشابه، ثم أحاسيس تسكن الجوانح يكون حراكها مبعثه طرفة عين أوهمسة شفاه أو مشية غيد هيفاء، لقد كان ذاك الحراك يعكس ويحكي لوعة القلب وولهه ثم الصبابة والهوى فالحب ثم العشق. تذكرت كل هذا وبين يديّ ديوان رفيق الدرب دراسة ومهنة في بورتسودان الثغر الباسم الأخ الشاعر الأستاذ السر محمد أحمد مصطفى واسم ديوانه « مطر تحت الشمس» حيث جادت السماء يومها في العام 76 على الأرض بقطرات ماطرات من سحابات غيم عابرات، بللت ثغر المدينة في رابعة النهار، مضيفة إلى جمال المدينة بهاءً، فكان أن استوحى الشاعر الاسم للقصيدة والديوان، طاف بخاطري أيضاً الشاعر الموهوب ابن الشرق أبو علي أوكلاب وهو يثري ليالينا الأدبية ومنتديات المدينة العامرة وقتها بشعره الرصين الذي لا يخلو نظمه من بلاغة رطانة أهله التي يجتهد في صياغتها بلغة عربية رصينة ويذيبها في جمل شعرية جميلة مستساغة الوقع على الأذن والقلب فهماً واستيعاباً، لقد كانا، السر وأوكلاب صاحبي أحاسيس تتشكل على قطرات الندى بليل وتنهمر في شكل قصائد يستعرضانها في الفصل بلاً للصدى أمام معلم الأجيال وقتها الأستاذ محمد صالح هارون عليه الرحمة «الشاشة الهارونية» الذي تعلمنا منه ونهلنا من فنونه في النظم نثراً وشعراً.لقد كان ذاك الإحساس الذي يغمرك ويحيط بك ويجعلك مرتهناً لديه وأسيره المُكبّل، البعض عرفه بالحب مصدر الوحي والإلهام للشعراء والأدباء وهو مرحلة سامية، راقية في عالم الإحساس المُفرط غير أنه مقيد بضوابط اجتماعية، أخلاقية ودينية وقتها، وتتساوى فيه القلوب. المرحلة التالية للحب هو العشق وتكون فيه الحجب كثيفة تحجب العين والبصيرة والقلب، فيها التوهان في اللا منتهي، فيها الانتماء الكلي لعالم لا يرضى بمرتبة إلا الجنوح والجنون والطيران حتى لو عكس التيار الذي قد يزيد أجنحة العشق قوة فيسمو ويرتفع وقد يكون التيار أقوى فيهوى الأول ساقطاً مسقطاً معه نبل الأحاسيس والقيم الرفيعة التي تضجّ بها حدائق الحب.. كثيرون هم الشعراء والكتاب والمحبون حباً سامياً، بعضهم كُتب لهم وصل وملاقاة الأحبة وبعضهم أبعدهم الزمن وفرق بينهم ومن يحب، أما العاشقون الولهون من الشعراء فدوننا سيرهم في الكتب وما كُتب عنهم! فمنهم سيدة العشق الإلهي رابعة العدوية وأخرى عاشقة لنفسها ومعشوقة لغيرها ولادة بنت المستكفي سيدة العاشقين وشعرهم، ولقد اخترت الاثنتين لأنهما كانتا رمز العشق بمراراته ومساراته وحواشيه، تغيرت في زماننا هذا مسارات ومدارات النفس الإنسانية، فقد تدخلت الآلة في كل نواحي الحياة وتداخلت كلمات الشعر المعلومة في ألف باء الحوسبة فأصبح الأخير بإمكانه أن يعطيك شعراً ونثراً يناغم الإحساس ولكن لا يحركه لأن الحاسوب بلا روح ولا إحساس وحتى أحاسيس جيل اليوم وهم بشر من لحم ودم في الحب والعشق غشيها يم الآلة والحوسبة فنظرتهم للحبيب أو المحبوب رقمية ومن زوايا معينة لا تشبه نظرة الأوائل، لقد جافت العذرية كلماتهم وأوصافهم، وباعدت الرقميات بين الأحاسيس فصارت رغوية، وقتية يزول أثرها سريعاً، لقد رحل جيل المبدعين من أصحاب الشعر الرصين إلا قليلاً ممن ترك آل الشعر السوداني وهم ولله الحمد يمكنهم إعادة الحياة والبريق لساحة الإبداع الفكري والأدبي الرصين.. لقد أثروا بلا ذكر أسماء الساحة بنبض من أحاسيس الجو القديم والحزن النبيل والعشق الأصيل. لكم نتمنى أن تعود للساحات المدرسية والصالات الفكرية والأدبية وللأعلام تلكم الأيام والقلوب الذاخرة والملأى بالأحاسيس الدافئة العذرية التي تحكي ما الحب وما العشق. نتمنى لعاشق الأدب والفنون الوزير السموأل مواصلة مسيرة بعث الطاقات والكوامن الأدبية المرتبطة بالأخلاق حتى يكتسي خد عاصمتنا بألوان الأدب الزاهية المختلفة، ولتعود كل الأمكنة خدوداً أدبية تلثم وشفاهاً تُقبّل، نريدها وغيرها من المدن مثلما قالت العاشقة ولادة بنت المستكفي عن نفسها وهي تعلم جمالها وافتتان الناس بها: أمَكِّن عاشقي من صحن خدِّي.. وأعطي قبلتي لمن يشتهيها إن الأحاسيس القديمة لا تبلى لأنها ليست مادة وهي أيضاً لا تعود لذهاب من صاغوها كتابة، شعراً، ونثراً ولكنها تسود بالتواتر والتواصل من جيل لجيل.. فلنعمل جميعاً ليعود للأدب صفاؤه ورواؤه ونقاؤه.. وليعود للحب والعشق أيضاً ذات الصفاء والنقاء.. ولا تقتلوا الأحاسيس بل قوّموها.