طبعا لا أحب أن أعيش هذه التجربة .. فكم هي مفاجأة صاعقة أن يذهب شخص لشباك الصراف لصرف الماهية، فيتفاجأ بان مرتبه موقوف .. لأنه مسجل في كشوفات الموتي ! التجربة على أي حال .. حدثت مؤخرا وفقا لخبر (الانتباهة) أمس، والذي أشار إلى أن 11 معاشيا بمحلية القطينة بولاية النيل الأبيض، فوجئوا بإيقاف مرتباتهم عن الشهر الماضي .. بحجة أنهم مدرجون في قائمة الموتى ! ولأن هؤلاء المعاشيين ما زالوا أحياء، بدليل أنهم ذهبوا بأرجلهم لصرف معاشاتهم، وتجادلوا في أمر مرتباتهم مع الصراف، وسمعوا التبريرات بأنهم أصبحوا ضمن المراحيم وفقا للكشف المرفق به أسماؤهم، فقد بات عليهم إثبات أنهم أحياء، وهو أمر لا أعرف من أين يبدأ ومن أين ينتهي ! وبمناسبة عبء الإثبات .. فقد تعرض صويحبكم لسرقة فريدة قبل شهر، استهدفت جهاز اللابتوب الخاص بي، ومعه الموبايل، وكاميرا بها الكثير من أشيائي الأسرية الخاصة، وفوق ذلك فقدت محفظتي المتورمة بالبطاقات والأوراق الثبوتية .. وهذه الأخيرة هي التي جعلتني خارج عالم الأحياء من ناحية الوثائق الثبوتية، إلى أن تمكنت بالتدريج من استعادة تلك الأوراق عن طريق بدل الفاقد، وفزعة الأصدقاء والمعارف ممن هم على ثقة بأنني ما زلت حيا أرزق، لأصبح قادرا من جديد على ممارسة وجودي في مضمار الراكضين ! آفة الأوراق والبطاقات أنها تحول البشر لأرقام، ولا يستطيع أي رقم ممارسة حياته بصورة طبيعية في الحياة المدنية .. إلا بحمل هذه الأوراق، فإذا أشارت هذه الأوراق ولو عن طريق الخطأ كحال المعاشيين في القطينة إلى أن صاحب الرقم قد مات، فإن عبء اثبات العكس سيقع دون شك على ضحايا الخطأ، وهي من المصائب التي قد تصب على رأس العباد دون أي ذنب جنوه، وتتسبب في تعذيبهم فوق التعذيب الذي تمارسه عليهم صعوبات الحياة الخانقة . طبعا الإجراءات الإدارية تزداد تعقيدا مع تعقد الحياة، وبالتالي تصبح اللوائح، والمكننة، واستخدام التقنيات الحديثة .. ضرورات للسيطرة على احتمالات الخطأ، ومع ذلك قد يحدث الخطأ في تغذية الأوعية التقنية بالمعلومات، فتتعقد الأمور بشكل أكبر، ولعل أكبر الأخطاء فداحة .. تلك التي تحيل الحي إلى ميت، فلا يستطيع الحصول على راتبه، ولا يقدر على اثبات ملكيته لأشيائه .. ما دام مدرجا ضمن الأموات .. إلى حين إشعار آخر . مواقف مريرة يمكن أن يتعرض لها الناس، لكن أطرف ما جاء في خبر المعاشيين المراحيم، هو أن الأمر وفقا لشاهد عيان أصبح مثارا للتندر بين المعاشيين هناك، حيث أصبحوا يتسارعون قبل الذهاب لصرف رواتبهم إلى كشف الموتى، للتأكد من وجودهم خارج القائمة، وبعدها يتوجهون مطمئنين إلى نافذة الصرف ! هنيئا للمعاشيين الذين لم تشملهم قائمة الموتى في محلية القطينة، ونتمنى لهم العمر المديد والمعاش الذي يزيد .. وندعو للمعاشيين ممن تم إدخالهم قائمة الموتى وهم أحياء يرزقون أن تكون مشكلتهم قد حلت دون خسائر في الأرواح أو الممتلكات، كما ندعو لهم بطول العمر، والتمتع بمعاشاتهم طوال حياتهم .. دون جرجرة لإثبات أنهم ما زالوا على قيد الحياة ! كلمة ورد غطاها : متى ترتوي بيوتنا من مياه النيل دون انقطاع ؟