بالتأكيد سيشكل الملتقى الاقتصادي الثاني نقطة تحول إذ إن "العقل الجماعي الكبير" ينجب أفكاراً لا تتمكن العقول الفردية من إنجابها وإن كانت قمة في العبقرية... هذا في الإطار النظري... ولكن للأسف نقاط انطلاق هذا الجدل الجماعي مشوشة بصور إعلامية مسبقة ولذلك كنت أرغب في استباق هذا الملتقى بورشة بعنوان "الصورة الإعلامية للاقتصاد السوداني"... وكنت أتمنى أن أساهم في إنتاج وطرح الصورة الجديدة في سوق العرض والطلب وأن تنافس باعتبارها "سلعة جيدة ومجودة ومفيدة" وليس "دفاعاً حكومياً"... وقد أوصلت مقترحاتي وفعلاً كان هنالك تقدير واهتمام وجاءتني دعوة لتقديم الورقة الأساسية ثم جاءني اعتذار محترم ووقور للغاية... ربما توجه المؤتمر نحو الحشد والتظاهر السياسي وتنفيس المواجع أكثر من الترتيب المحكم للخطوات... والله أعلم. واقعيًا... ومثل كل مرة... جدل كثيف ومسابقات بين المتحدثين والمعلقين في إنتاج الصور الغريبة... ولذلك فإنني أعتقد أن الملتقى قد يصبح مثل "معرض المرايات المضحكة" في مدينة الملاهي وهي لعبة ترفيهية يدخلها الزائر ويمر على عدد من المريات التي يرى نفسه فيها منبعجاً ومكتنزاً أو مبططاً... يرى نفسه عشرات المرات المضحكة والمثيرة ولكن للأسف ليست واحدة منهن صحيحة.... هذا الملتقى الاقتصادي وأحاديث الناس حوله وقبله تبشر بأنه "معرض مرايات مضحكة" للاقتصاد السوداني وكل المؤتمرين يعلقون على ما يرونه في هذه المرايات من صور إعلامية... نحن كإعلاميين نتحمل المسؤولية ولذلك يجب أن تكون البداية من طرفنا. من الصور... هنالك أزمة ثقة بين المواطنين والقيادة السياسية... هنالك اتهامات بل قناعات سالبة جداً ترسخت وهي تثبط أي فاعلية شعبية في تنفيذ البرامج الإسعافية... لو سألت شباب الحزب الحاكم نفسه عن الفساد وسوء الإدارة لقالوا كلاماً لا تقوله المعارضة ذاتها... لأنهم يرون أنفسهم حسب الصورة الإعلامية القاتمة التي تشكلت في أذهانهم. النزعة الإسلامية في الأوبة توبيخ النفس دائماً ما تقود لجلد الذات لا نقدها... شيء من "الرهبنة الإسلامية"... ويصادف الكلام في ساعات الرهبنة "فكرة شريرة" أن أي موالي للنظام.. شخص فاسد وأي ازدهار اقتصادي لأي جهة يعني أنها "غرفت" من مال الدولة... باختصار الإسلاميون يعززون هذه الفكرة الشريرة بألسنتهم. وبعيداً عن محيطنا الجغرافي وقريباً من حالتنا في الانتقال من نظام اقتصادي إلى آخر هنالك قصص مشابهة... عندما دخلت دول شرق أوربا بعد انهيار الشيوعية في طاحونة الخصخصة... من الذي اشترى المؤسسات والشركات والمصانع الحكومية؟ الجواب أن الذي اشتراها من يملك المال والنفوذ حينها... وهم الشيوعيون... تحول قادة الحزب إلى مستثمرين لسببين مهمين جداً ليس من ضمنهما أن "الشيوعية تدعو للفساد أو الثراء"... الأول أن ضرورة الاندماج في السوق الأوربي والدولي يستلزم التحول السريع (بمن حضر!) والسبب الثاني أن المشتري لا بد أن يكون وطنياً... ولم يكن هنالك وطنيون جاهزون غير الشيوعيين. وفي السودان حدث ذات التحول وفي سنين التحول هنالك مفارقات وفرص ومفاجآت... ولكن رفض هذه "الحزمة المصاحبة" للتحول يؤدي إلى رفض التحول ذاته... وقبل الحديث عن المعالجات المفروضة والغائبة... نواصل الشرح غداً. نهاركم سعيد - مكي المغربي صحيفة السوداني