محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في محاكمة البشير .. قوش ينحاز لأسامة داؤود والدفاع يستبعد شهادة الدعم السريع ويهجم على خزينة بنك السودان
نشر في النيلين يوم 21 - 09 - 2019

السيارة التي أقلت الرئيس المخلوع عمر البشير صباح السبت من سجن كوبر إلى مقر المحكمة، كانت قد تجاوزت صفوف الوقود والخبز في شارع عبيد ختم بصعوبة. ينظر البشير إلى تعابير الأزمة وهي لم تغادر مكانها، بينما هو غادر مكانه، والطائرات تهبط وتغادر مطار الخرطوم أيضاً، أما شمس السُلطة المدنية فهى تحاول التسلل خلسة من نافذة القصر الضيقة. ثمة أزمة حول خرق الوثيقة الدستورية، والنور الكثيف هبط على المباني المحيطة بالمحكمة، فبدا صوت بول فيري يطرق على أذني كالمنبه الضخم " يا ناثانيل أوصيك بالدقة لا بالوضوح " .
القاعة التي اتسعت لاتهامات رأس الدولة السابق بالفساد، غمرها نور كاميرات التلفزة الأصفر. شغب لطيف من الابنة الصغرى للسيدة الأولى السابقة وداد بابكر وهي تحدق في مرايا الزمن المتحول؛ الأضواء المزعجة الآن تجاوزت الزوج بكل رمزيته إلى حرمه، التي كانت قد تحولت إلى أشهر أغاني الرفض إبان الثورة "موش كده يا وداد"، يرددها الشارع كنغمة راقصة، لكن جامعة الخرطوم صرفت عن زوجة البشير التي تلاحقها بلاغات منظمة (زيرو فساد) تهمة الحصول على قطعة أرض تخص الجامعة، والعائلة كلها يبدو انها اختارت مواجهة حملة دعائية سوداء وتحاول تجنب مصير عائلة رومانوف في روسيا عقب توحش البلاشفة .
معركة الدفاع والنيابة
حضر الجلسة شقيق البشير (علي) الذي لم يغب أبداً، وإلى جانبه هذه المرة حمدي سليمان أشهر الأصوات التي كانت تنافح عن النظام السابق، حتى استحال ظهوره أنذاك إلى أهزوجة " بلادي سهول بلادي حقول" محدثاً ضجة في نصف السكون المحيط، أما البشير فقد جاء وعلى وجهه الحليق بعناية تبدو مظاهر الانتظار الواثق البرئ، وبات كذلك الخلاف الحميم في وجهات النظر بين هيئة الاتهام والدفاع يتسع على رتق الشهود، ومحاولات القاضي الدؤوبة توجيه دفة المحاكمة، إلى مرفى آمن، الاتهام بات أكثر شراسة في مواجهة الشهود، والدفاع في مواجهة الاتهام، كأنها معركة تجاوزت غبينة الواجب المهني، إلى التعبير عن خصومة سياسية تبدو ولا تكون.
في الأول وصلت الحقيبة الفضية الفارغة، كواحدة من بينات الاتهام، ولحقت بها خزينة بنك السودان، هذه المرة، بشكل باعث للجلبة، منظر الدولارات الهائلة التي أرسلها محمد بن سلمان، في بلاد تعاني شظف العملة الأجنبية، وقد نمت طبقة ثرية من أرباح التجارة في فارق أسعار العملة الأجنبية، بشكل يهدد الاقتصاد الوطني بالانهيار، إن لم يكن قد انهار بالفعل.
ضبط هدية بن سلمان
بدأت الجلسة بمضاهاة أصول المستندات التي قدمتها هيئة الدفاع في الجلسات السابقة بالنسخة الأولى المودعة لدى المحكمة، وتأكد أنها صحيحة. إلى جانب الأخذ في الاعتبار الإقرار الذي ورد في خطبة الادعاء بأن الأموال التي ضبطت في بيت الضيافة هي هدية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ردًا على الطلب بأن خطبة الادعاء كانت جزءًا أصيلًا من المحكمة، وفقًا للدفاع، بيما أشار القاضي إلى أن خطبة الادعاء تمثل جزءًا من الاتهام، وبدا أن الدفاع يريد الحفاظ على شخصية مهمة، وهي ابن سلمان، في محضر المحكمة، والإعلام أيضًا، كون أي إدانة لا ينبغي أن تقتصر على البشير لوحده.
تبرعات البشير
يدخل الشاهد الأول أبوبكر عوض حسنين إلى ردهات الجلسة، ويعرف نفسه بأنه وزير دولة برئاسة الجمهورية، وبالتالي مطلوب منه شرح مكونات مؤسسة الرئاسة، وشرح العلاقة بين رئاسة الجمهورية وقصر الضيافة. وقد أشار الشاهد إلى أن مكتب الرئيس في بيت الضيافة يدار منه 70% من العمل الرئاسي، وقال إن ميزانية رئاسة الجمهورية معتمدة من وزارة المالية، وعندما عرض الدفاع مستندات الدعم الذي خرج من رئيس الجمهورية لبعض الجهات من بينها جامعة أفريقيا ووزارة الدفاع، هبت النيابة وطعنت في ذلك، بحجة أن الشاهد ليس له علاقة، لكن الشاهد اكتفى بعبارة أن هذا الدعم لم يخرج من رئاسة الجمهورية، وشدد على أن وزارة رئاسة الجمهورية لا يمكن أن تدعم مؤسسة بهذا المبلغ الضخم، لأن الموزانة المعتمدة ليس فيها دعم للمؤسسات خارج بند الصرف بالعملة المحلية دعك من العملة الأجنبية ، وأرجع التبرع للأفراد خارج الميزانية المصدقة إلى تقديرات رئيس الجمهورية.
وعندما سأله ممثل الدفاع أبوبكر الجعلي عن مبلغ 4 مليون دولار منحت لوزارة الدفاع وجامعة افريقيا، قال الشاهدة أن مثل هذا المبالغ لا يمكن أن تخرج من وزارة رئاسة الجمهورية. وهنا انبرى الاتهام وسأل الشاهد: ألا تتفق معي أن مكتب بيت الضيافة ما يخضع له من اجراءات ينطبق عليه ما ينطبق على كافة مكاتب الدولة؟ قال الشاهد لا أعرف . فسأله مجدداً من أين طلع هذا الدعم؟ قال الشاهد " أنا معني بميزانية رئاسة الجمهورية" ومضت الأسئلة على هذه الشاكلة : كيف هو تقدير الرئيس؟ الشاهد: هو يوجه وزير شئون الرئاسة، ومن ثم يذهب التوجيه إلى وزارة المالية، وبعدها يتم التنفيذ. هل للمتهم، أي البشير، حساب خاص يصرف منه شخصياً؟ الشاهد بالنقد الأجنبي هنالك تسيير لكافة مكاتب الرئاسة.
الرئاسة لا الرئيس
هنا تدخل القاضي وطفق يجابه الشاهد المعذب بالأسئلة الصعبة: المخالصة بالمستندات من أين صدرت؟ الشاهد: من مدير مكتب الرئيس. القاضي: باسم أي جهة؟ الشاهد: رئاسة الجمهورية. القاضي: ماذا تعني رئاسة الجمهورية؟ الشاهد: الرئيس عندما يدعم أي جهة فهو يكتب رئاسة الجمهورية. القاضي: الدعم للجهات عادة ماهو مصدره؟ الشاهد: عندما يحصل دعم يتم تحريكه لوزارة المالية. وهنا سأل القاضي سؤاله الكبير، أو عقدة الحبل الملتف حول رقبة المتهم: أنت مسؤول في القصر فهل ثمة أموال وردت لرئيس الجمهورية من أي جهة؟ الشاهد: لم تأتنا مبالغ لرئيس الجمهورية. بدأ القاضي يعبر عن المشكلة بوضوح في معرض سؤاله الأخير: لو قلت لك يا أبوبكر في 25 مليون دولار وصلت لرئيس الجمهورية ماذا تعرف عنها؟ فأجاب الشاهد باختصار "لا أعلم عنها شيئًا". وقد كان أبوبكر عوض حسنين يتحدث عن فترة وجوده في القصر، جازمًا بأن الأمر لم يحدث البتة، فالقاضي يقصد هدية ابن سلمان، والشاهد يعني فك الارتباط بين الرئاسة والرئيس بالإجابة تلميحًا وتصريحًا.
دعابات القاضي
للتو وصلت الأموال التي عُثر عليها في منزل البشير، وهي مخبأة داخل حقيبة محكمة بإغلاق تام، تم عرضها على أريكة القاضي الصادق عبد الرحمن الذي أشاع في المكان جوًا من المرح، من خلال الأسئلة الذكية وتصويب الدفاع والاتهام أكثر من مرة، إلى درجة أنه في الجلسة السابقة عندما أبدى مدير مكتب البشير حاتم حسين بخيت استغرابه من عدم استدعائه للمثول في المحكمة، رد عليه القاضي "فعلًا نحن غلطانين". كما أبدى القاضي اليوم أيضًا استغرابه من إصرار هيئة الدفاع على فتح حقيبة الأموال وبعثرتها على مرأى من الحضور، فقال لهم "انتوا عاوزين بيها شنو"، فرد عليه ممثل الدفاع "عندنا فيها فهم". فقال القاضي: "خلاص ورونا فهمكم".
في هذه اللحظة دخل الشاهد الثاني طارق عبد القادر، وهو ضابط برتبة لواء في الأمن الاقتصادي، قبل أن يتحول جهاز الأمن إلى جهاز المخابرات بعد الثورة، وقد طلب منه ممثل الدفاع الحديث عن تفاصيل الإشراف على المطاحن تحديدًا، وقال الشاهد إن الاهتمام منصب بسلعة الدقيق، لأنها سلعة استراتيجية، تتعلق بها أزمة اقتصادية، ولذلك يقومون بمتابعة القمح منذ لحظة وصووله إلى مرحلة الطحن والتوزيع، لضمان عدم التسرب والتلاعب بحصص الدقيق، وكشف عن خمسة شركات تقوم بالتعاون معها وهي: "سين، سيقا، ويتا، الحمامة، روتانا". وعندما حاول ممثل الدفاع لفت نظره بالنداء "الأخ طارق" انتبه الشاهد فجأة وقال "طارق منو؟"، ربما لأن اسم طارق سر الختم المتهم كذلك في القضية يماثل اسمه، انفجرت القاعة بالضحك.
اتفاق مطاحن الدقيق
قال الشاهد إن هذه المطاحن تتلقى الدعم من رئاسة الجمهورية، وهي شركات خاصة، فأراد الدفاع عرض ورقة اتفاق تم بين الشركات وجهاز الأمن تقريبًا، أو بينها والحكومة، لكن القاضي رفض عرض المستند على الشاهد قبل إيداعه المحكمة، فأصر الدفاع. وبعد اطلاع الشاهد على المستند ذكر أنه بموجب الاتفاق التزمت سين بتوزيع 44 ألف جوال دقيق يوميًا، بينما سيقا التزمت ب 20 ألف، وتباعًا بقية الشركات، بمجمل التزام كامل مائة ألف جوال، على أن تدفع وزارة المالية لهذه الشركات قيمة (270) دولار للطن الواحد من القمح. وأجاب الشاهد على سؤال إمكانية المطاحن على توفير النقد الأجنبي لشراء القمح، بأن الاتفاق تم بالأساس لأن هذه الشركات عاجزة عن توفير العملة الأجنبية للقيام بعملية الاستيراد.
وأضاف أن مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق صلاح قوش وجه بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة بالتدخل وشراء القمح من الشركات، وهنا سأله الدفاع: بالنسبة لشركة سين، بماذا تم دعمها من قبلكم؟ فأجاب الشاهد "سين لم ندعمها". وقال إنهم اشتروا من شركة سيقا التي يملكها رجل الأعمال أسامة داؤود ما قيمته 5 مليون دولار، وبسعر الطعن 280 دولار، وأردف الشاهد أن "الاتفاق تم بين مدير الجهاز السابق صلاح قوش والشركات"، وأجاب أيضًا على سؤال يبدو أنه مهم في مسار مرافعة الدفاع: بالنسبة لسين ما هي علاقتكم بها، وكيف توفر العملة الأجنبية؟ فقال "لم نشتر منها، ولا أعرف كيف توفر العملة الأجنبية"
علاقة جهاز الأمن بالأزمة
بدأت نقطة الخلاف تكبر حول دور الشاهد الذي التحق بإدارة الأمن الاقتصادي عقب توقيع الاتفاق مع الشركات الخمسة، لكنه رد بأنه يعرف وثيقة الاتفاق، وقد تلقاها من أهل الشأن، كما وصفهم، وعقب الاتهام على تسلسل إفادات القاضي بأسئلة تطعن في شهادته على الاتفاق، وعلاقة الأمن الاقتصادي بشراء الدقيق، فأخبرهم أن مدير الجهاز وجه بالتدخل وشراء كميات من القمح المطحون لتعويض النقص فيه.
وحول علاقة المتهم البشير بالآلية الخاصة بأزمة الدقيق، قال الشاهد إن المتهم يتلقى تقاريره من مدير جهاز الأمن الذي يتبع للرئاسة، وهنا حاولت هيئة الاتهام استغلال نقطة أثارها الشاهد، وهي أن تاريخ المستند فقط غير صحيح، بينما الاتفاق صحيح، أي ثمة جزئية تصلح للطعن، سرعان ما قام الشاهد بالتصويب عليها بأن المحتوى صحيح. إلى جانب سؤال حول دور الجهة التي يجب أن تتدخل عندما تجد المطاحن مشقة في توفير العملة الأجنبية، فقال الشاهد "طبعًا وزارة المالية وبنك السودان"، كما لو أن الاتهام قرر سوق القضية إلى المنطقة الأكثر أهمية، وهي الدافع الذي جعل البشير يتدخل في شأن يخص بنك السودان ووزارة المالية، أما أغرب ما في الأمر هو أن الاتهام سأل الشاهد: مطاحن سين تتبع لمن؟ فقال إنه لا يعرف.
من يملك شركة سين؟
جاءت أسئلة المحكمة كالعادة محددة ومصوبة بدقة على القضية مثار الاتهام، إذ كيف تحصل سيقا على الدعم الأكبر وهي تنتج من الدقيق لحل الأزمة أقل من سين؟ فقال الشاهد إن ما حدث مع سيقا ليس دعمًا، وإنما عملية شراء، لكن سين مع ذلك التزمت بتغطية العجز، فسأل القاضي الشاهد، من يملك سين؟ فقال "أسرة إبراهيم… مممم" وبدا يتذكر، كما لو أنه التقط اسم العضو المنتدب، وردد بصوت مسموع "نحن فقط نتعامل مع العضو المنتدب طارق سر الختم". وتساءل القاضي : كيف تتعاملون مع شركة لا تعرفون ملاكها؟ رد الشاهد: لأنها التزمت بتغطية العجز.
حل صمت رهيب على المكان بعد تقدم عضو هيئة الدفاع محمد الحسن الأمين صوب خزنة بنك السودان، وعرفه زميله هاشم الجعلي بأنه خبير في فحص الأموال! بدا البرلماني الانقاذي يقلب حزم الأوراق الأجنبية اللامعة من فئة الدولار واليورو، ومن ثم ينتقل بأسئلة خافتة للمتهم في قفصه الحديدي الذي لم يعزله عن الصوت. سأله: هل هي فئات الأموال نفسها التي كانت موجودة في بيت الضيافة؟ فقال البشير بأنه غير متأكد، وبدأ القاضي يرفع صوته بعد فاصل من التداول بين هيئة الدفاع وموكله: "يا جماعة المشكلة وين، هل العملة مزورة، أم أنها ليست التي ضبطت؟"، لكن أحدًا لم يجب عليه!
شاهد بنك السودان
هنا اقترب الشاهد الثالث بعد أن منح القاضي هيئة الدفاع التي يبدو أن الرهق أصابها. تسلل بدر الدين حمد الموظف ببنك السودان إلى القاعة وأقسم على أن يقول الحق، لا شيء غير الحق، وتحدث عن لائحة تنظيم تداول العملة الأجنبية، وكيف أن اللائحة تسمح بحيازة الأموال الأجنبية، لكن تداول وبيع العملة غير مسوح به، ولعل أهم عبارة وردت في حديث الشاهد الأخير أنه "ليس لديه ضوابط موجهة لرئيس الجمهورية فيما يتعلق بالعملة الأجنبية". وثار جدل كبير حول إدخال النقد الأجنبي إلى البلاد هل هو مسموح به أم غير مسموح به؟ أحيانًا يردد الشاهد بأن التعامل بالنقد بالأجنبي مسموح فقط للجهات المصرح لها بذلك، وأحيانًا بأن دخول العملة الأجنبية من جهة غير معتمدة لديهم يعتبر مخالفة لجهة أنه يعيق عملهم في تقويم السياسات الخاصة بالنقد الأجنبي، ومرة ثالثة يرد بأن إدخال النقد الأجنبي للبلاد مسموح به، ويبدو وفقًا للشاهد بأن هنالك فرق بين حيازة العملة الأجنبية والتعامل بها، وعلى ذلك يمكن قياس حالة الرئيس البشير، الذي قال في وقت سابق إنه لا يعمل في بيع وشراء العملة. واكتفى القاضي بسؤال محدد؟ استبدال نقد أجنبي بنقد محلي، هل يعتبر تعامل أم غير تعامل؟ رد الشاهد "تعامل".
انتهت الجلسة ولم ينته العرض المدهش المثير، حيث إن هيئة الدفاع قررت التخلص من أحد الشهود الذين طلبتهم في الأول، وهو الدعم السريع، قائلة بأنها لا تحتاجه، ربما لأنه يمثل أحد الخصوم في حلبة النزاع السياسي مع هيئة الدفاع التي تنتمي للنظام القديم، والتي تشعر، بل جاهرت أكثر من مرة بأن الذي حدث هو انقلاب على شرعية البشير، شاركت فيها قوات الدعم السريع، مع الجيش، لكن ممثل الاتهام تدخل بشكل لافت وطلب شهادة الدعم السريع، فاعتذر لهم القاضي بأن ملف شهود الاتهام أغلق، وهذا تقديره هو الآن فقط.
وبقت القضية معلقة على حبل الأهمية المشدود، إن كانت هذه الاتهامات بالفعل ترقى لأن توجه إلى رئيس دولة ثار شعبه عليه؟ وهنا يجيب المحامي نبيل أديب بأن المحاكمة الجارية بالغة الأهمية من الناحية السياسية، لأنها تصوب على إشكالية الفساد والتصرف في ملايين الدولارات وأزمة الحكم الراشد، إلى درجة التحرر من القواعد التي تحكم الإنفاق الحكومي، وقد أحالنا أديب بصورة ساخرة إلى الحاجة إلى جهد هائل وتخطيط تفصيلي لإهدار هذا القدر الكبير من المال، كما ورد في مسرحية (Parliament of prostitutes) كون شخص فكاهي وحيد يحاول شرح الحكومة الأمريكية بأكملها .
عزمي عبد الرازق _ ألترا صوت


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.