ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    حتى لا نخسر ما كسبناه    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مساعد الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي يتذكر: بداية العد التنازلي لثورة أكتوبر.. بندوتي الأربعاء في جامعة الخرطوم..
نشر في النيلين يوم 22 - 05 - 2008

على ظهر بعير غادر ذات صباح علي الحاج محمد مسقط رأسه في قرية منواشي التي تبعد (70) كيلو متراً شمالي مدينة نيالا.. لم يكن الصبي يدرك أن البعير الذي أقله ذاك الصباح قد بدأ بالفعل رحلة طويلة أوصلته بعد نيف وستين عاماً إلى العاصمة الألمانية «بون» لاجئاً سياسياً ثم إلى هايدل بيرغ، فكان هذا اللقاء.. عليٌّ.. الصبي.. الفتى.. الكهل ثم الشيخ قد ترك في مراحل حياته كافة بصمات واضحة تستعصي على المحو والنسيان.. ستون عاماً ونيف، ذاق خلالها علي الحاج حلاوة النجاح ومرارات الهزائم.. ذاق ابتلاءات الالتزام الصارم سجناً وتشريداً.. ذاق تقلبات السلطة عزلاً وتمكيناً.. وتقلَّب في الوفاء من خلان الصفاء وكابد مرارات الكيد ومواجع الخذلان.. العاصمة الألمانية (بون) استراحة اجبارية لعلي الحاج بدونها لم يكن يتسنى لي أن أجلس مع الدكتور علي الحاج هذه الساعات الطوال لأدفعه دفعاً إلى التذكر.
? كيف سار أمر الندوات بعد ذلك؟
* تغيّر مسار الندوات تماماً وتكثّفت وتعددت الأماكن والأشخاص (بدون ذكر اسماء) الذين ساروا على نهج الحل السياسي والحريات... إلخ، والاعلام المقروء (على قلته) بدأ في تناول الموضوع ولكن بصورة اخف من الندوات وبعد فترة وجيزة.. ضاقت الحكومة العسكرية ذرعاً بالندوات.. فأمرت بإيقافها في كل المنابر وخاصة الجامعات والمعاهد والتي كانت المهد أو المثابة لتلك الندوات. إذ في فترة قصيرة من حديث الترابي قامت ندوات عدة بمبادرات ذاتية في أغلب الأحيان وكلها بالعاصمة حسب علمي!!
? ماذا جرى بعد ايقاف الندوات.. وهل نجحت الحكومة في ايقافها؟
* الحكومة كانت بين امرين كلاهما مر! إذا تركت الندوات تستمر على النحو الجديد فإن الشعب كله سيتجرأ على الحديث والنقد... إلخ أي سينتزع الحريات!! وهذه قد تؤدي الى ذهابها في نهاية الامر.. واذا اوقفت الندوات كما فعلت تكون قد اثبتت عدم صدقيتها في مناقشة قضية الجنوب!! ولكن الاهم من ذلك قد لا تنجح في ايقافها، وهذا ما حدث.
? يعني انك ترى ان ايقاف الندوات هو الذي ادى الى ما جرى في اكتوبر؟
* ارى ان قرار ايقاف الندوات هو الذي عجّل بتسارع وتداعيات الاحداث التي اشعلت اكتوبر والذي كان لجامعة الخرطوم القدح المعلى فيها.
? كيف؟
* حتى ذلك الحين كان استقلال الجامعة حقيقة موروثة عند الطلاب وبعض الاساتذة.. ومن دواعي هذا الاستقلال عدم دخول الشرطة الى الحرم الجامعي.. وعندما اوقفت الندوات لم تكن هنالك جهة يمكن ان تقام فيها ندوة ويشارك فيها الجميع بما في ذلك الاحزاب السياسية سوى الجامعة. هذا الوضع المتميز هو الذي جعل من اتحاد الطلاب (غير الشرعي) أن يكون رأس الرمح في المعارضة ولذلك بدأت الإتجاهات السياسية على اختلافها تفكر في ماذا تفعل؟ إزاء ايقاف الندوات.. وهنا لا بد ان اشير الى ان كل القوى السياسية كانت معارضة لايقاف الندوات، ولكن تباينت مواقفها من حيث التعبير عن تلك المعارضة من حيث المواجهة او عدمها.. وهنا انفرد الاتجاه الاسلامي بموقف المعارض المواجهة.. ومرجعيته في هذه المواجهة برنامجه الانتخابي والذي على اساسه احرز الفوز الساحق الذي اشرنا اليه سابقاً الجبهة الديمقراطية (الشيوعيون) كان موقفها معارضاً دون المواجهة!! القوى المستقلة كانت تتفاوت في مواقفها.
? ما الذي جرى في ندوة اكتوبر؟
* هنالك ندوتان في اكتوبر احداهما في ليلة الأربعاء 14 اكتوبر والثانية في ليلة الأربعاء 21 اكتوبر 1964.. نعم، الحديث كله يتركز في الاخيرة وما كان لندوة 21 اكتوبر أن تقوم لولا دخول الشرطة ولأول مرة في الجامعة وايقاف ندوة الاربعاء 14 اكتوبر.
? ماذا عن ندوة الاربعاء 14 اكتوبر وتدخل الشرطة؟
* في اول محاولة لكسر قرار ايقاف الندوات وباتفاق مع القوى السياسية المعارضة خارج الجامعة تم الاعلان عن قيام ندوة بدار الاتحاد في مساء الاربعاء 14 اكتوبر ولما حضر الطلاب والمتحدثون من الأحزاب السياسية الى دار الاتحاد وجدوا ان مكان الندوة (حديقة الدار) قد اغرقت بالماء في خطوة من قبل الحكومة لإجهاض الندوة!! ولكن سرعان ما فكر القائمون على الأمر بنقل الندوة الى (البركس/داخلية طلاب السنة الاولى والثانية في الجامعة)!! واضح ان تغيير مكان الندوة كان مفاجئا لادارة الجامعة والشرطة..
وقد بدأت الندوة ومن ضمن من تحدث فيها كان مختار الاصم ممثلاً لحزب الامة. وما ان بدأ الشخص الذي يليه في الحديث حتى اتى ضابط الشرطة وطلب ايقاف الندوة.. وكانت قوات الشرطة تقف بالهراوات على مقربة من مكان الندوة وعليى اهبة الاستعداد للتدخل.. وقد اثار هذا الحدث جماهير الطلاب أيما اثارة.. ورفعوا اصواتهم باستمرار الندوة.. وبدأت الهتافات العفوية... إلخ، وكانت هذه اول مرة تدخل فيها الشرطة الى الجامعة حسب علمي لذا كانت مثاراً للاستفزاز!!
? ماذا جرى بعد ذلك؟
* منعاً للمواجهة مع الشرطة في تلك الليلة تدخلت لجنة الاتحاد برئاسة الاخ الحافظ الشيخ وأوقفت الندوة وسط هيجان وغضب من الطلاب.. وهكذا فضت ندوة 14 اكتوبر والتي فتحت المجال لقيام ندوة 21 اكتوبر الشهيرة كما سنرى.
? ما الذي جرى بعد انفضاض الندوة؟
* اجتمع المجلس الاربعيني على الفور وكان برئاسة الاخ حسن عابدين (مستقل/فكر حر) والمقرر الشيخ رحمة الله (رحمه الله) (الجبهة الديمقراطية) وكان اجتماعاً صاخباً وساخناً واستمر حتى الصبح.. وكان من الاجتماعات القليلة التي حضرها جمع غفير من الطلاب، حتى ضاقت بهم قاعة المجلس، وغالبهم كان وقوفاً حول الشبابيك.. وهناك ثلاثة بنود في الاجندة فعلى ما أذكر:1- تدخل الشرطة في الجامعة 2- ايقاف الندوة من قبل لجنة الاتحاد.. لماذا؟ 3- ماذا بعد كل هذا؟
مناقشة البند الاول لم تأخذ كثيراً من الوقت لان الجميع يستنكرون ويدينون التدخل واتفقوا على ان ترفع لجنة الاتحاد في اليوم التالي مذكرة استنكار وادانة للمجلس العسكري احتجاجاً على تدخل الشرطة! وان تطالب الجيش مرة اخرى بالرجوع الى الثكنات واعادة الحريات... الخ،
بالنسبة للبند الثاني ايقاف الندوة وبعد الاستماع الى رئيس اللجنة (الحافظ الشيخ) والمبررات التي ساقها لايقاف الندوة قبل المجلس.. كانت خلاصة التبرير أنه لا أحد كان متوقعاً دخول الشرطة وبتلك الكيفية.. وأن الطلاب كانوا متحمسين.. ومندفعين.. ولكن ما كانوا مستعدين للمواجهة ولذلك رأت اللجنة عدم الزج بالطلاب في معركة غير مستعدين لها.
البند الثالث والأخير هو الذي استحوذ علي جل الوقت.. وهنا يجب ان نذكر ان قيام الندوات باسم الاتحاد ليس من اختصاص المجلس الاربعيني.. وانما من اختصاص لجنة الشؤون الثقافية التابعة للجنة الاتحاد!! (رئيس هذه اللجنة طالب الهندسة آنذاك انور الهادي- اتجاه اسلامي) وحتى ندوة 14 اكتوبر التي اوقفت لم يدع لها المجلس الاربعيني وانما دعت لها اللجنة المختصة المشار اليها.. ولكن تدخل لجنة الاتحاد (من حقها بالطبع) لايقاف الندوة هو الذي رفع الامر كله الى المجلس الاربعيني خاصة، وكان كل هذا مقروناً او مقروءاً مع تدخل الشرطة..
مناقشة قيام الندوة من عدمها جاءت كنتاج للمبررات التي ساقها رئيس اللجنة بمعنى أن الاتحاد إذا كان يريد من الطلاب المواجهة فيجب ان تقام ندوة خاصة لهذا الغرض وان يكون الطلاب مستعدين ومهيأين للمواجهة... الخ، وبهذه الخلفية تمت المناقشات وتطورت نحو قيام الندوة والتي سميت (ندوة التحدي)!! وهنا برز اتجاهان كل له مبرراته! اتجاه المواجهة بقيادة الاتجاه الاسلامي.. واتجاه المهادنة بقيادة الجبهة الديمقراطية، والاتجاهات المستقلة مقسمة بين الاتجاهين.. هذه الصورة مفهومة خاصة اذا احذنا في الاعتبار البرنامج الانتخابي لكل حزب في آخر انتخابات جرت وعلى اساسها تكوَّن المجلس الاربعيني الحالي! ويجب الا يفهم من هذا القول على ان الاتجاه الاسلامي كان يتوقع او يتنبأ بالاحداث كما جرت.. واخيراً اتخذ القرار بقيام ندوة التحدي وان تكون بعد اسبوع من الندوة الاولى (تحديداً ليلة الاربعاء 21 اكتوبر) حتى يتم لها الاعداد الكامل وترك امر التنفيذ لرئيس اللجنة الثقافية بالاتحاد انور الهادي.
? هل مداولات المجلس الاربعيني المشار اليها مدونة وموثقة؟
* نعم، كانت مدونة ولكن بكل اسف ضاعت، او اختفت! والسكرتير نفسه توفي رحمه الله. ولكن هنالك الكثير من الاعضاء ما زالوا على قيد الحياة! ويمكن ان يدلوا بشهاداتهم (لقد كلفت بالكتابة عن هذا الموضوع في الاسبوع الاول او الثاني من ثورة اكتوبر لجريدة «صوت المرأة» ولقد قرأت المحضر قبل أن أكتب تلك المقالة ويمكن الرجوع إليها في الارشيف في دار الوثائق القومية).
? هل رفعت المذكرة الى الحكومة.. وماذا جرى بعد ذلك؟
? نعم، قامت لجنة الاتحاد برئاسة الاخ الحافظ برفع المذكرة الى وزير الداخلية (عروة) رحمه الله وتم اعتقال اللجنة (وهم عشرة)!!
? ماذا فعلتم بعد ذلك؟
* تم تكوين لجنة اخرى برئاسة الاخ ربيع حسن احمد.
? وبهذه السرعة؟!
* نعم، وبهذه السرعة لان صيغة التمثيل النسبي تلزم كل حزب بتسمية ممثليه وحقائبهم... إلخ، واي تأخير أو تردد يعتبر تقاعساً ويسعى كل حزب لتفاديه.. وهذه من فوائد التمثيل النسبي.
? إذن، لجنة ربيع كان اهم عمل تقوم به هو الندوة المقررة سلفاً؟
* نعم، هذا صحيح ولكن الندوة نفسها -وبعد اعتقال لجنة الحافظ او بسبب اعتقالها- أخذت مزيداً من الاهمية، ومزيداً من الاهتمام بسبب تداعيات الاحداث.. ولقد روعي ان تكون الندوة طلابية بحتة تشارك فيها كل القوى السياسية الطلابية ودون مشاركة الأحزاب السياسية من خارج الجامعة! حتى لا تعطي الحكومة ذريعة للتدخل! وكما ذكرت فإن تدابير أمر الندوة والمشاركين وتقديمها... إلخ، كان لدى انور الهادي وباشراف لجنة الاتحاد.
? كيف كانت الأجواء قبل بداية الندوة؟
* كانت الندوة معلنة ومعروفة في محيط الطلاب انها ندوة تحدي واكيد القوى السياسية كانت تعلم ذلك وخاصة اساتذة الجامعة والذين كان بعض الناشطين منهم في تلك الليلة بنادي الاساتذة تحسباً وترقبا!! وقبل بداية الندوة أخذ الطلاب يتدفقون من كل صوب نحو المكان المعد للندوة (بالبركس) وهم يحملون ما يحملون من عصي وحجارة وسيخ... إلخ، وهنالك قسم للشرطة يسمى (شرطة السفارات) ويقع غرب البركس.. وفي وقت مبكر وقبل غروب الشمس بدأت اعداد كبيرة من الشرطة وهي في كامل الاعداد تتجمع في هذا القسم!! وهو مشهد مكرر لمشهد الشرطة في الندوة السابقة مما ينبئ بعزم الشرطة على التدخل!! وهذا مما رفع وتيرة التوتر والتحفز عند الطلاب..
? كيف بدأت الندوة ومن هم الذين تحدثوا؟ وكيف سارت الامور بعد ذلك؟
* وسط هذا الحشد الكبير من الطلاب والطالبات.. ووسط هذ ه الاعداد الكبيرة من الشرطة المستعدة (وهي مرئية رأي العين) ووسط هذا الجو المتوتر اعلن انور الهادي بداية الندوة وشرع في تقديم المتحدثين وأول من بدأ الحديث على ما اذكر كان بابكر الحاج (ممثل الجبهة الديمقراطية) وقبل أن يكمل حديثه تدخلت الشرطة وعبر مكبر الصوت وطلبت ايقاف الندوة.. عندها هاج الجميع (طلبة وطالبات) وبدأوا يهتفون ويتحركون نحو الشرطة! وبدأت الشرطة باستعمال الغاز المسيل للدموع.. ثم عندما احتدم الامر سمعنا اصوات اعيرة نارية.. وهذه زادت الطلاب اصراراً، وبدأ بعضهم يهتف بما يعني ان هذه ليست ذخيرة حيّة (او شيء من هذا القبيل)!!
? أين كنتم آنذاك كمجلس؟
* كل أعضاء المجلس الأربعيني كانوا في قلب الأحداث.. وبعضهم كان يردد نفس مقولات الطلاب بشأن الذخيرة.. ولكن بعد قليل أحضر أحد الطلاب مضرجاً بالدماء واسمه (البلك) وكان طالباً بكلية الهندسة على ما اذكر.. حينها تأكد أن الذخيرة المستخدمة حيّة.
? ماذا فعلتم؟
* حسن عابدين وبابكر الحاج وشخصي وعدد من الطلاب حملنا (البلك) الى البوابة القريبة من نفق بري وقد منعت الشرطة التي طوقت الجامعة سائق التاكسي الذي هم بالتوقف لاخذنا الى المستشفى ولكننا دفعنا بالمصاب (البلك) الى داخل التاكسي واخذنا طريقنا الى المستشفى، وبقسم الحوادث او بالاحرى بغرفة الحوادث وجدنا الدكتورة سيدة بشار (حرم البروفيسور طه بعشر) والدكتور سمير الكناني (نبطشية) وهما اللذان توليا أمر المصابين بادئ الأمر.. وقد وجدنا طالباً آخر مصاباً تم نقله الى المستشفى قبل البلك.
? من هو ذلك الطالب؟ القرشي؟
?لا، حتى تلك اللحظة وكنا نتابع معالجة المصابين وعددهم كان اكثر من 5-7 وفي هذه اللحظة وصل الدكتور (ابوزيد عطا المنان) وكان نائب الجراحة المسؤول في تلك الليلة !(يا ابوزيد!!) ووصل الدكتور أحمد عبد العزيز (جراح الصدر) والذي تولى امر الطالب البلك.. فجأة ونحن بالعملية القديمة بمستشفى الخرطوم.. ادخل الى غرفة العملية طالب مصاب بعيار ناري في مقدمة الرأس وفوق العين اليمني.. والرصاصة لم تخرج بل استقرت في الرأس، وكان ما زال يتحرّك ولكنه فاقد الوعي، وقد هرع الدكتور ابو زيد إليه لانقاذه بالإجراءات الاسعافية الأولية في مثل هذه الحالات.. ولكنه توفي إلى رحمة مولاه.. سرى نبأ الوفاة الى الطلاب دون أن يدري أحد من هو الطالب المتوفي.
? كيف تم التعرف عليه؟
* الدكتور ابوزيد وهو المسؤول في تلك الليلة وجه بأن يأتوا بعدد من الطلاب لإلقاء النظرة حتى يتم التعرف عليه ثم من بعد ذلك يتم الإعلان وبقية الإجراءت الأخرى، وفعلاً بدأ ادخال الطلاب ولم يتعرف عليه الا الشخص الثالث أو الرابع من الطلاب والذي صاح بأعلى صوته (الله !! دا القرشي!! معانا في البركس!! في داخلية بحر الجبل وهو من النيل الابيض قرية القراصة!!) بعد ذلك اتى عدد من طلاب داخلية بحر الجبل واكدوا نفس المعلومات وبعد ذلك تم الاعلان عن وفاة الشهيد القرشي.
? هل كان بارزا؟
* لا، لم يكن ظاهراً!
? في أية كلية؟
* كان طالباً بكلية العلوم.
? كيف كان وقع النبأ وصداه؟
* كنت في هذه الفترة داخل غرفة العمليات متابعاً احوال المصابين.. ولكن بعد وفاة القرشي واعلان النبأ خرجت من العملية وإذا بي أجد كل ساحة المستشفى تعج بالطلاب واساتذة الجامعة واذكر منهم الاستاذ محمد صالح عمر واحمد عبد الحليم وعثمان سيد احمد والاطباء واذكر منهم الدكتور عبد الحليم محمد مدير المستشفى... إلخ، وقد كان الكل واجماً ساخطاً.
? نعود الى الندوة كم استغرقت من الوقت؟
* الندوة بمجرد ان تدخلت الشرطة انقلبت الى مواجهة.. وهاهي آثارها..
? هل تحدث الترابي في هذه الندوة؟
* لا، لأن الندوة كانت طلابية بحتة كما ذكرنا، ولكن علمت مؤخرا أن الترابي كان موجوداً بنادي الاساتذة مع زملائه في تلك الليلة وبعد سماعهم بالاحداث اتوا الى موقع الندوة وساعدوا في نقل الجرحى الى المستشفى.
? نعود لجثمان القرشي.. والحديث عن عزم حكومة عبود أخذ الجثمان ليلاً.. ماذا جرى تحديداً؟
* هذا السعي من قبل الحكومة صحيح ولكنه فشل لأسباب عدة منها ان لجنة الاتحاد برئاسة ربيع عندما سمعت بذلك طلبت من الطلاب التوجه الى المشرحة والوقوف ضد اية محاولة لأخذ الجثمان.. وقد فعلوا ذلك وبسرعة مذهلة.. ومنها وقوف الدكتور عبد الحليم محمد (زول الانترفيو- يا ابوزيد) وكان مديراً لمستشفى الخرطوم!! ومنها الموقف الذي وقفه سائقو التاكسي في تلك الليلة لا في نقل الاخبار وحسب (بدون هواتف جوالة!! ولكن بالتجوال!!) وإنما بنقلهم للطلاب والمواطنين الى المشرحة في تلك الليلة.. بل هم الذين بادروا باحضار الصحف التي اشارت الى الاحداث.. ومقتل الطالب. بل هم الذين نقلوا إلينا نبأ إحراق مكاتب احدى الصحف (بدون ذكر اسماء حتى لا ندخل في النفي والنفي المعارض... الخ)، لأنها لم تذكر شيئاً عن ما جرى في تلك الليلة!! وهم وهم... إلخ، ولولا أن قيادات الطلاب كلها قد باتت بالمشرحة لما تسنى لها الدخول عند الصبح.
? ذكر أن هنالك شخصاً ادعى ان له صلة قرابة بالقرشي.. وطالب بتسليم الجثمان له لتحضيره ودفنه.. وفعلاً تم تسليم الجثمان له.. ماذا جرى؟
* نعم، هذا صحيح! ويبدو أن سلطات المستشفى تعاملت معه تعاملاً عادياً في مثل هذه الحالات! باعتبار أن تجهيز الجثمان والدفن من مهام أقرباء الميت وعادة لا تمانع سلطات المستشفى في ذلك (هذا تحليل مني).. وبهذه الخلفية هذا الشخص هو الذي قام بتجهيز الجثمان.. وهو الذي أتى باللوري الذي حملنا عليه الجثمان عند الصباح.. وكان معنا طوال الليل ولم يتكلّم قط وهو وقور ذو لحية ويرتدي بدلة (جنتلمان) وباصطلاح اليوم (شيخ)!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.