لقطات ترصد انسيابية حركة المعتمرين في المسجد الحرام وسط خدمات متكاملة    النفط يهبط أكثر من دولار للبرميل في تعاملات اليوم    مفاجأة.. رونالدو يعارض انتقال بنزيما إلى الهلال    الصحة العالمية: أمراض مدارية مهملة تهدّد 78 مليون شخص في شرق المتوسط    السودان وتركيا يبحثان شراكة استراتيجية لإعادة بناء البنية التحتية وقطاع النقل    والي النيل الأبيض يتفقد طريق كوستي–الزليط–النعيم الزراعي ويؤكد اكتماله قبل الخريف    نائب مدير جهاز المخابرات العامة يبدأ زيارة للشمالية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    أجمل خماسية هلالية في شباك كوبر البحراوية    نادي الأعمال الحرة يدعم صفوفه بالخماسي    نادي توتيل يؤدي التمرين الختامي استعدادا لانطلاقة الدورة الثانية    الجيش في السودان يقترب من إنهاء الحصار المشدّد    ريال مدريد يصعق رايو بركلة جزاء في الدقيقة 100 ويخسر بيلينغهام وفيني    وزير الداخلية يدشن إنطلاقة العمل بمبانى معتمدية اللاجئين    شاهد بالفيديو.. بالثوب السوداني الأنيق.. عارضة أزياء مصرية ترقص مع شاب سوداني وتؤكد على قوة العلاقة بين البلدين بأغنية: (الما بحبونا زالبكرهونا يموتوا زعلانين)    بعثة الهلال تتوجه إلى الجزائر غدا لمواجهة مولودية    داليا البحيرى بعد عمليتها الأخيرة: ممتنة جدا لكل كلمة طبطبة وكل دعم    مطار الخرطوم الدولي يستقبل اول رحلة داخلية بعد التحرير عبر الناقل الوطني سودانير    شاهد بالصورة والفيديو.. مطرب سوداني يثير ضجة إسفيرية واسعة ويعرض نفسه لسخرية الجمهور بعد ظهوره في "كليب" بزي الفراعنة القدماء وساخرون: (فرعون كان عنده بودي قادر؟)    شاهد.. فيديو يظهر فيه ناشط الدعم السريع أحمد كسلا يرقص ويحتفل بمقتل القائد الميداني البارز بالمليشيا "علي يعقوب" على أنغام الأغنيات الأثيوبية    عدوي : الجالية السودانية تحظى برعاية خاصة في مصر    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد مكالمة هاتفية جمعت والده بنائب رئيس النادي.. الهلال يجدد عقد "دينمو" خط الوسط حتى 2029 وسط احتفال زملائه    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    برشلونة يعلن تعاقده مع حمزة عبد الكريم خلال ساعات    أين وضعت مفاتيحي؟ طرق سهلة لتجنّب نسيان أغراضك    موسوعة إيلون ماسك تضلل "تشات جي بي تي"    التنظيف الاحترافى المنتظم للأسنان.. 5 فوائد لا تتوقعها    السودان.. استهداف قافلة تجارية بمسيّرة ومقتل 4 أشخاص    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    نشر صور نادرة للعروس مع والدها الراحل.. شقيق الفنان محمود عبد العزيز يهنئ "حنين" بزواجها من المطرب مأمون سوار الدهب بتدوينة مؤثرة (يا محمود اليوم ده كان حقك تكون واقف تدمع وتضحك في نفس اللحظة)    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    ارتفاع اسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غناء شخص ميت
نشر في الراكوبة يوم 23 - 03 - 2011


[email protected]
قصة قصيرة
ثم جاء رجل آخر
صرنا عشرة رجال
قال من بدا أصغرنا سنا: هل نذهب الآن؟!
نبهنا كلامه الى أننا كنا موجودين في مكان ما، وكانت لنا حياة وذكريات قبل أن نجد أنفسنا في هذا المكان.
غربلنا الصمت من حولنا: حاولنا العثور على أية إشارة تساعد في تحديد مكان وجودنا.
لا شئ سوى الرمال
قال من بدا من رنة صوته الخائفة، وسؤاله المتعجل، أقلنا خبرة: هل سننتظر بزوغ الثريا؟.
ثمة قمر حزين كان يطل من خلف السراب موشحا بغلالة من الحنين.
قال لنا الشيطان الذي توقف أمامنا أثناء تدخينه لفافة من تبغ ناري: أذهبوا من هذا الطريق!
نبهنا صوت الشيطان لحقيقة أننا لم نكن نعرف بعضنا البعض ولا نعرف شيئا عن كيف حضرنا الى هذا المكان. تبخر الشيطان ونسي في غمرة عجلته أن يكرر إشارته الى الإتجاه الذي يجب أن نسلكه، فبسبب كثافة دخان التبغ لم ير أحدنا الى أين أشارت يده الغارقة في صوف كثيف.
لابد أننا ضللنا الطريق.
لكن كيف نفسر النسيان الجماعي لما حدث لنا.
حتى السؤال نفسه بدا لنا غريبا جدا.
من نحن؟ وكيف جئنا الى هذا المكان؟.
كان السؤال يبدو غريبا جدا حين ننظر حوالينا في نفس اللحظة، لبحر الرمال الذي يترامى من حولنا.
تجرأ أحدنا وقال بعد أن مسح بكم جلبابه الرمل العالق فوق عينيه: لا أعرف كيف وصلت الى هنا، آخر ما أتذكره أن شخصا مات وأنني كنت مشغولا مع آخرين في حفر القبر. لقد تمت العملية بسرعة شديدة فالأرض كانت هشة لينة، حتى أن احدهم علق قائلا أن الميت كان من أولياء الله الصالحين تتشوق الأرض لتضم رفاته.
قال الثاني: نعم تذكرت شيئا، انا ايضا كنت أحفر قبرا مع أشخاص آخرين، لابد أنني كنت نائما مع زوجتى حين خبط أحدهم الباب ونادى علي لاخرج فورا لأن شخصا عابرا بالقرية توفي بعد أن لدغه ثعبان أبودفان. لقد أحضرت لي زوجتي ماء لآغتسل، إغتسلت في طست من الألمونيوم ثم أحضرت لي زوجتى جلبابا وعمامة.
تعبنا جدا في حفر القبر حتى أن أحدهم علق قائلا لابد أن هذا الغريب شخص مجرم حتى أن الارض لا تتشوق لضم رفاته! علّق شخص رأى جثة الغريب قائلا: لا يبدو شخصا مجرما، إنه شخص وسيم يتهدل شعر رأسه الطويل فوق كتفيه، لكن إحدى عينيه كانت عوراء، يبدو أنه أصيب في عينه قبل سنوات حين كان مشاركا في مظاهرة ضد الحكومة كما حكى أحد الذين حاولوا إسعافه بعد أن لدغه الثعبان.
قال الثالث: نعم تذكرت أنني كنت أسمر مع آخرين في ضوء القمر، كان هناك شخص يعزف على الربابة ألحانا كانت تبدو لنا كأنها ضفائر من الفضة تتسلق في ضوء القمر الى السماء قبل أن يضربها شهاب ما ويعيدها الى الأرض. كنا نشعر بالخسارة والحزن، فقد عرفنا أننا جميعا كنا نشارك في جدل ضفائر الألحان لارسالها للسماء.وأن قوة معادية لا قبل لنا بها كانت تصد هجوم ألحاننا الحزينة.
وفجأة صرخ شخص ما قائلا: يا لضياعكم! الموت يحيط بالقرية وأنتم تسمرون وتغنون؟!
جعلنا صراخ الرجل ننتبه الى أن صاحب الربابة بشعره الطويل المنسدل بين كتفيه وفوق عينه العوراء كان يحمل ورقة وغصنا جافا. وأنه لم توجد في يده أية ربابة. رغم ذلك إستأنفنا الغناء على نغمات الربابة.
قال الرجل الذي كان واقفا منتظرا أن نتبعه، حين شاهدنا نجدل ضفائر الألحان الطويلة لارسالها الى السماء:
وماذا تركتم من عمل للشيطان!
لم نهتم بكلامه وواصلنا جدل ضفائر الألحان القمرية وكنا نشعر عقب كل محاولة فاشلة أننا نزداد خبرة وأننا سنكسب في النهاية معركة إرسال الضفيرة الطويلة الى السماء.
لكن فجأة هبت عاصفة شيطانية أفلتت ضفائر اللحن رغم محاولتنا أن نمسك بها بقوة وضاعت في الغبار، وحين إنجلت العاصفة وجدت نفسي هنا!
قال الرابع: توقفوا إنني أسمع صوت شئ ما، إنتبهوا جيدا إنه عقرب جبلي لدغته قاتلة. في تلك اللحظة إكتشفنا أننا كنا حفاة. قال ذلك ودون أن نرى شيئا تناول قطعة حجر وضرب بها الارض فتناثر شئ أسود في ضوء القمر. شرح لنا الأمر، قال أعيش منذ سنوات في الصحراء واستطيع أن اتعرف على اصوات كل الحشرات والزواحف حتى تلك التي تكون مختفية داخل الرمال.
أحيانا تخونني أذني، تختلط عليهما أصوات الأشياء، آخر شئ أذكره قبل حضوري الى هنا، كان منظر رجل غريب، كان يوزع أوراقا مكتوب عليها كما شرح لي: بيان من أجل الحرية، لم أفهم كلامه ولم أفهم كيف وصل فجأة الى هذا المكان البعيد. كان يرتدي ملابس أهل المدينة، وكانت الريح تلعب بخصلات شعره الطويل المنسدل فوق كتفيه. عجبت كيف استطاع كتابة كل هذا الكلام رغم عينه العوراء. أقنعني بمرافقته لنوزع أوراقه في القرى المجاورة. عند حلول الظلام وصلنا إحدى القرى الواقعة على سفح جبل طلب الرجل الغريب من أحد الصبية إبريقا وخرج ليقضي حاجته. أنتظرناه طويلا دون أن يرجع مرة أخرى، كنت أسمع بأذني أصوات العقارب لكن ذلك كان طبيعيا بسبب الجبل. لكنه لما تأخر كثيرا خرجت في أثره، حسبته في البداية نائما حين عثرت عليه، لكنني سمعت فجأة صوت العقرب الجبلي فإقتربت منه بهدوء لأجد العقرب لا يزال راقدا بجانبه بعد أن لدغه لدغة قاتلة، ناديت على أهل القرية الذين حملوا الجثمان معي، ما أن بدأنا في غسله حتى بدأ الميت الغناء، بطيئا حزينا مثل الإعصار، وفجأة وجدت نفسي في دوامة هوائية خارقة رفعتني الى السماء ثم ألقت بي من إرتفاع ألف متر فوجدت نفسي بينكم!
قال الخامس: هذا شئ غريب، لقد كنت نائما تحت شجرة سنط، وفجاة وجدت نفسي بجانب النهر، بسبب حرارة الجو إقترح أحدهم أن نتسلى بعبور النهر الى الجانب الآخر، وفجأة ونحن في منتصف المسافة الى الشاطئ الآخر سمعنا صراخ أشخاص يدعوننا للعودة بسرعة لأن أحدهم إشتم رائحة تمساح في النهر. كنا سبعة رجال وحتى لا يتعرض لنا التمساح سبحنا في صف واحد متراص نمسك بأيدي بعضنا ونسبح بيد واحدة في ضربة واحدة قوية متناغمة. كنا جميعا نغني بأصوات متنافرة مثل تلاوة أطفال الخلوة، ورغم رهبة الجو الا أننا اكتشفنا أن أحدنا كان غريبا عنا، حين ارتفع صوته بالغناء إكتشفنا بسرعة أن صوته كان مشحونا بعبق مواسم منسية وأنه كان يعيش زمانا مختلفا يحل بسرعة ودون ضجيج مكان زماننا.
حين وصلنا الى الشاطئ خرجنا جميعا الا الرجل الغريب، سحبناه خارجا ونحن نظن أنه اصيب بالتعب بسبب العوم لفترة طويلة، لكننا اكتشفنا أنه كان ميتا، شعرنا بالرعب حين تذكرنا أننا إستمعنا بشغف لغنائه، غناء شخص ميت! إنكفأنا على آذاننا فوق الرمل ليس فقط لإخراج الماء من آذاننا بل لمحاولة طرد غناء الميت الذي اخترق ذاكرتنا وصبغ كل شئ بلونه الأصفر. حاولنا تبين شكل الميت في ضوء القمر لمحاولة التعرف عليه، كان رجلا وسيما، يتهدل شعر رأسه فوق جبهته، حين حدقنا في وجهه اكتشفنا ان احدى عينيه كانت عوراء.
أرسلنا أصغرنا سنا ليحضر ثوبا نكفن به الغريب، لكن مضى زمن طويل ولم يحضر الشخص الذي ارسلناه فذهب رجل آخر اختفي بدوره، ثم ذهب رجل آخر وهكذا حتى بقيت وحدى مع الجثة. فجأة سمعت صوت غناء غريب يفتت الزمان من حولك فلا تعرف في أي زمان أنت، كان الغناء صادرا من جثة الرجل الوسيم الأعور، وفجأة مع إرتفاع صوت الغناء، الذي تجاوب معه العالم، بدأت العاصفة. كنت أجري في إتجاه لأجد نفسي في اتجاه آخر حتى وجدت نفسي هنا.
قال السادس: كنت نائما حين أيقظني شخص ما، كان شخصا طويلا يشبه النخلة بسبب طوله الفارع ومنظر شعره الطويل الذي ينسدل حول رأسه. لم يسبق لي رؤيته من قبل، قال لي : والدك مات وأنت تخلد للنوم؟ نهضت من فراشي مذعورا، ثم رأيت الرجل الطويل يتضاءل فجأة حتى اصبح قريبا من الأرض ثم إختفى، كنت غارقا في العرق من شدة القيظ، ثم تذكرت فجأة أن أبي مات منذ سنوات طويلة، قررت أن أعود للنوم لكن في تلك اللحظة سمعت صراخ بعض النسوة وأحدهم ينادي أن الشيخ مات، حين خرجت من البيت لا أذكر ما حدث سوى أنني سقطت في بئر أو حفرة ثم غرقت في دوامة من الرمال.
قال الرجل السابع: كنت في المرعى، ولدي الصغير كان مصابا بالحمى فلم يتمكن من الذهاب مع البهائم للمرعى، بسبب الجفاف الذي ضرب المراعي كان يجب أن أذهب مع البهائم لمسافة أبعد، وفجأة شعرت بأنني ضللت الطريق، ضحكت وقلت يا للفضيحة: بدوي يضل الطريق في الصحراء! لكنني سرعان ما إستطعت تحديد مكاني، وحين بدأت الشمس في المغيب قررت فورا أن أعود حتى تتمكن زوجتى من حلب الماعز وإعطاء الصغار طعام العشاء. أثناء عودتي مررت بقافلة صغيرة يبدو انها تسلك نفس طريقي ولفت نظري صوت بكاء، لم أر أحدا بسبب الظلام، كانت هناك اشباح سوداء تمضي في موكب من الغبار. فهمت فقط من الاصوات أن شخصا مهما قد مات. تجاوزت القافلة ببهائمي وحين كنت أقترب من القرية دهمتنا فجأة عاصفة رملية كثيفة، جلست أرضا وغطيت وجهي بجلبابي فيما تفرقت بهائمي في العاصفة. ثم وجدت نفسي فجأة هنا!
قال الثامن: كنا مجموعة من الاصدقاء في رحلة صيد، كان حظنا سيئا، رافقنا شخص يخرج للمرة الاولى في رحلة صيد، لابد أنه سبب سوء حظنا، كان رجلا وسيما يتهدل شعر رأسه الكثيف فوق جبهته، إحدى عينيه كانت عوراء بسبب حادث قديم كما حكى دون تفصيل.
في المنطقة التي ذهبنا اليها كان يمكن بسهولة إصطياد غزال، هناك عين ماء كنا نكمن بجانبها وفي مثل هذا القيظ الشديد مؤكد أن تظهر أسراب الغزلان، لكننا لم نعثر ولا حتى على أرنب بري، كانت الارض ملتهبة بالحرارة، والوكر الضيق الذي صنعناه من بعض الاخشاب والخرق أصبح مثل الفرن بسبب حرارة الجو وحرارة الأجساد.
في النهاية حين أجهدنا الانتظار عند اقتراب الغروب خرجنا من مكمننا لنستحم في الماء ونحاول العثور على اية شئ يمكن أن يؤكل فقد كنا نتضور جوعا.
لم نجد شيئا سوى ثمار شجر الطندب الحامضة. ونبات سام شبيه بنبات السيكران الذي ينمو في الخريف، لكنني حذرت رفاقي من أكله، لحسن الحظ كنا نحمل معنا بعض البصل، أكلناه مع ثمار الطندب ثم شرعنا في رحلة العودة للقرية البعيدة. في منتصف الطريق قال الشخص الذي رافقنا للمرة الاولى أنه يشعر بألم شديد في بطنه، جلسنا أرضا من حوله نحاول مساعدته وهو يتلوى على الارض، لابد أنه أكل سرا من تلك النبتة السامة. لم تجد محاولاتنا لانقاذه، فقد كانت حالته تتدهور بسرعة، قررنا أن نحاول نقله بسرعة عل طبيب القرية يستطيع مساعدته، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة مجرد أن حملناه لوضعه على الحمار، في نفس تلك اللحظة هبت عاصفة قوية ألقتنا أرضا، قررنا أن نبق في مكاننا حتى لا نفقد الطريق، بقينا زمنا طويلا، كدنا نهلك من الجوع والارهاق، كنا نحمل ماء لحسن الحظ في حافظات صغيرة من الجلد، حين خفت العاصفة قليلا فكرنا في العودة الى حيث نبع الماء لنروي عطشنا ويملأ كل منا جرابه ولأن الجثة بدأت تصدر رائحة التحلل فكرنا في دفنها قرب نبع الماءء بدلا من حملها الى القرية. حين كنا نحفر القبر إشتعلت العاصفة فجأة بقوة مضاعفة، وجدت نفسي أرتفع الى السماء بسبب دوامات مجهولة، لم يبق شئ أمسك به سوى حبل عمامتي، وجدت نفسي أمسك بضفائر فضية تنبعث منها ألحان غريبة كانها ليست من هذا العالم، ثم غرقت في دوامات ضوء متتابعة لفظتني في النهاية فوجدت نفسي هنا!
قال الرجل التاسع: ذهبت الى المدينة لمقابلة الطبيب، بعد أن فشلت كل أعشاب واوراق المعالج المحلي في علاج وجع الرأس المزمن الذي أشعر به. نصحنى الشيخ بمقابله الطبيب، بعد أن طرد كل الشياطين التي استوطنت جسدي دون أن يتوقف الصداع. بعد أن فرغت من مقابلة الطبيب، ذهبت الى سوق المدينة لشراء تبغ وبعض الأشياء لأطفالي الصغار، وفجأة رأيت عددا كبيرا من الرجال والأطفال يعبرون أمامي وهم يحملون قطع قماش كبيرة مكتوب عليها شئ لم استطع قراءته لأنني نسيت القراءة منذ سنوات طويلة بسبب السفر الطويل في الصحراء كما اخبرني أحدهم، سألت رجلا على قارعة الطريق عن ما يحدث، قال لي هؤلاء مواطنون يخرجون في مظاهرة ضد السلطة بسبب غلاء أسعار الغذاء والدواء وأن التلاميذ لا يستطيعون الذهاب للمدارس بسبب إرتفاع تكاليف التعليم. تذكرت ولدي الذي توقف عن الذهاب للمدرسة قبل سنوات بسبب عدم مقدرتي دفع منصرفات المدرسة. لم أفكر كثيرا وإنضممت للمظاهرة. وصرت أتقدم في داخل المظاهرة وأنا منبهر بهذا التجمع الغريب الذي لا يجمع بين أفراده شئ سوى الهتافات التي كانت تصدر منهم، وجدت نفسي بعد قليل في الصف الأول وحين هم البعض برفع رجل شاب وسيم ينسدل شعره الطويل حول رأسه، فوق أعناقهم بسبب صوته القوي في الهتاف، قمت بمساعدتهم في رفع الرجل عاليا وحملته أنا وشخص آخر على أعناقنا. بعد قليل سمعت صوت إطلاق رصاص وساد الرعب وسط الناس الذين تفرقوا في كل الإتجاهات، فجأة شعرت بخيط سائل دافئ يتسلل الى جسمي، نظرت الى جلبابي فوجدت خيطا من الدم اكتشفت انه كان يتدفق من الرجل الذي أصبحت احمله وحدي فوق جسمي بعد أن اختفى الرجل الآخر الذي كان يحمله معي.
وضعت الرجل النازف أرضا وإكتشفت انه كان ميتا، لاحظت أن الدم كان لا يزال ينزف من عينه اليمنى. لم أعرف ماذا يجب على أن أفعل، فكرت أن اهرب الى حيث يقف جملي، لكني شعرت بالعار من ترك الميت وحده هكذا. فجأة وقبل أن اقرر ماذا افعل رأيت عددا من رجال الشرطة ينطلقون نحوي وهم يطلقون الرصاص، لم أفكر في شئ سوى الهرب، جريت حتى إنقطع نفسي في الإتجاه الذي حسبت أن ناقتي تقف فيه، وكنت لا زلت أسمع صوت هرولة الاقدام خلفي، حين أنقذتني العاصفة التي هبت فجأة ودون مقدمات، لأجد نفسي أركض في الهواء، ثم رأيت جناحان من التراب يتشكلان حولي وأنا أحلق عاليا قبل أن أسمع صوت إنفجار مثل الرعد، طوّح بجسدي فوجدت نفسي بينكم.
تحولت الأنظار كلها الى الرجل العاشر، كان منظره غريبا في ضوء القمر حيث يبدو هو وجلبابه كتلة واحدة لا يمكن تمييز رأس أو أرجل فيها. إنتظرنا أن يتقدم قليلا ليحكي قصته لكنه لم يتحرك، تجرأ أحدنا على لمسه، فسقط أرضا. قال الرجل الذي قتل العقرب: إنه ميت!
كان يلبس جلبابا شبيها بالكفن، لديه فتحة واحدة من الأسفل، سحب أحدنا الجسد خارج الجلباب، مجرد أن لامس وجهه الميت ضوء القمر، حتى بدأ في الغناء، كان صوته قويا، حزينا، مصحوبا بضفائر لحن كانت تفتت الزمن من حولها أثناء زحفها نحو السماء، لا لتتحول الى طاقة ضوء تخترق حصار الشهب نحو الأبد، بل لتستحلب العاصفة الوشيكة، قطرة قطرة، من بحر الرمال والسكون.
أحمد الملك
30 يناير 2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.