هبوط أول رحلة دولية مباشرة للخطوط الجوية الكويتية بمطار الخرطوم    اليوتيوبر السوداني المثير للجدل "البرنس" يجيب على الأسئلة الصعبة: هل كنت على علاقة سرية بالفنانة إيمان الشريف؟ وما هو سبب الخلاف بينكم؟    شاهد بالصورة والفيديو.. مواطنة "سعودية" توثق لعزة نفس مقيم "سوداني" بالمملكة بعدما قدمت له هدايا رفض أن يأخذها رغم إصرارها الشديد    شاهد بالصورة والفيديو.. أشعلت حفل غنائي بالقاهرة.. ظهور مطربة جديدة شبيهة بالفنانة هدى عربي    شاهد بالفيديو.. أحدهم دخل في نوبة بكاء هستيري.. نجم الإعلانات "بدر خلعة" يصيب أطفال صغار بالخوف والرعب أثناء تصويره إعلان لإحدى رياض الأطفال بالسودان    كامل إدريس يكشف أسباب حظر استيراد 46 سلعة    طرق صحية لشرب القهوة لتحقيق أقصى استفادة    علماء يكتشفون طريقة لتحويل قشور الفول السوداني لمواد كربونية شبيهة بالجرافين    تصاعد هجمات المسيّرات في دارفور... مخيم الحميدية أحدث المواقع المستهدفة    "يد الرب" و"هدف القرن".. قصة أشهر هدفين في تاريخ كأس العالم    بقدمه وقلبه.. نور الشريف ظل مخلصًا للكرة والزمالك حتى رحيله    نساء يقتحمن وساطة الإيجارات في الخرطوم : اقتصاد ظلّ جديد يولد من قلب الحرب    زيادة كبيرة في أسعار البنزين والجازولين في الخرطوم... والتسعيرة الجديدة تُربك السوق    ترامب يشرح تفاصيل "الانبطاح" في محاولة اغتياله ويؤكد: منفذ الهجوم كان مسيحيا مؤمنا    ياسمين صبرى بين فيلمين دفعة واحدة من كريم عبد العزيز لمعتصم النهار    جيمس سيفشوك : مايكل جاكسون كان أسوأ من جيفرى إبستين    نجوى إبراهيم "ماما نجوى" التى رسمت بهجة جيل الثمانينات.. عيد ميلادها    لماذا تصاب بجفاف العين بكثرة فى الصيف؟    نوبات الصداع النصفى فى الصيف.. 7 طرق بسيطة للوقاية    استهداف بالقصف المسير وسقوط قتلى في السودان    الشرطة في بورتسودان تصدر بيانًا بشأن عملية اقتحام    وزير سوداني يكشف عن ترتيبات وخطط..ماذا هناك؟    جولف السعودية تعلن افتتاح "فايف آيرون جولف" في الرياض    أرقام مؤهلة وميداليات متوزعة.. البيشي: انطلاقة قوية للبطولة العربية برادس    المعز عباس يقود اتحاد ألعاب القوى بالتذكية حتى 2030... جمعية عمومية ناجحة بحضور واسع وتأكيد على انطلاقة جديدة    5 غيابات عن برشلونة وريال مدريد في الكلاسيكو    بي إس جي ضد البايرن.. عودة ثلاثي بطل فرنسا للتدريبات قبل القمة الأوروبية    سوداتل تعلن تحقيق أعلى دخل تشغيلي منذ التأسيس وأرباحًا صافية 117.5 مليون دولار لعام 2025    علامات تنذر بتجفاف الجسم    السودان..قرار بحظر 46 سلعة    عاجل..مقتل 14 شخصًا في تحطّم طائرة قرب جوبا    من الذروة إلى الجمود.. مطار نيالا يفقد نبضه الجوي    سوداتل تحقق صافي أرباح 117.5 مليون دولار لعام 2025 كأعلى دخل تشغيلي منذ التأسيس    لجنة أمن الخرطوم تكشف عن ازدياد معدلات عودة المواطنين للعاصمة بفضل استقرار الوضع الأمني وتحسن الخدمات    موسم الحجاج السودانيين الحالي يتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات السيادية في الدولة    أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟    متأثّرًا بجراحه..مقتل وزير الدفاع في مالي    شاهد بالفيديو.. شيبة ضرار يسخر من منح النور قبة سيارة الرئيس: (أي زول جاي من المليشيا يمنحوه عربية والوقفوا مع الجيش يهمشوهم) ورانيا الخضر تعلق: (بحبو حب شديد)    نجاة ترامب من محاولة اغتيال    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إنتخبوا إبنكم البار
نشر في الراكوبة يوم 23 - 05 - 2012


[email protected]
كان السؤال يبدو غريبا جدا حين ننظر حوالينا في نفس اللحظة، لبحر الرمال الذي يترامى من حولنا دون نهاية، لا شئ في مكانه حتى يمكن التعرف على أية معالم، لا الرمال هي الرمال، لا الليل هو الليل، لا القمر هو القمر، لا الزمان هو الزمان. كأن قوة خارقة مسحت العالم كله بفرشاة ساحر ورسمت في الفراغ عالما جديدا، دون أن تقوم بتثبيت كل شئ في مكانه. فبدت الأشياء كلها هائمة دون رابط ودون هدف. تجولنا بعيوننا في الفراغ من حولنا بحثا عن شئ نعرفه لنتشبس به، دون جدوى.
نظرنا الى أعلى، سرت رعدة في جسدي أمام يقين أننا لم نكن ننظر الى القمر، بل الى شبيه مخادع، يملك نفس الوجه الفضي، والقدرة على المحافظة على نفس العادات الشهرية. حاولت بالنظر في عيون رفاقي أن استمد قوة أتغلب بها على الخوف الكارثي الذي إجتاحني لفكرة: هل سنكون ضحية إنقلاب في السماء! قمر مزوّر، ظهر في لحظة فوضى شاملة في المجرة. هو الذي كان ينظر إلينا. يعبث بصورنا، حتى أنه يعيد عرضها بضوئه في قبة السماء، فرأينا وجوهنا بوضوح، عيوننا المفرغة الا من نظرة الموت، أيدينا المتيبسة في وضع رأسي تبحث عن فراغ في الفراغ. كأننا كنا نشير لشخص ما ليتعرف على مكاننا قبل وقوع تلك الكارثة.
تجرأ أحدنا وقال بعد أن مسح بكم جلبابه الرمل الضوئي العالق فوق عينيه: لا أعرف كيف وصلت الى هنا، آخر ما أتذكره أنني كنت أقوم بسقي أشجار النخيل التي جفت من العطش بسبب أن المياه غارت بعيدا في باطن الأرض، ولأن ريها بالماء صناعيا مكلف جدا فقد تركتها تواجه مصيرها المحتوم، حتى جاء أحد أشقائي من خارج الوطن وأعطاني مالا لشراء وقود لسقي النخيل واعادة إحياء المزرعة التي كانت جنة صغيرة أيام حياة والدي. كان شقيقي قد غاب عدة سنوات، عرفنا بعد زمان طويل أنه قضاها في السجن بسبب مشاركته في إضراب عن العمل إحتجاجا على سياسات السلطة العسكرية، ثم غادر الوطن وفقدنا الاتصال به سوى رسائل متباعدة انقطعت في السنوات الأخيرة، حين عاد فجأة، حكى لي أنه كان يرى أبي دائما في منامه وهو يوقظه من النوم قائلا: كيف تخلد الى النوم وأشجار النخيل تموت!.
دعوت بعض جيراني لنفير، قمنا بتنظيف بئر الماء المهملة منذ سنوات وأصلحنا محرك الماء الليستر، استغرق تنظيف عين الماء بعض الوقت، قام الشباب بإنزال مواسير طويلة داخل العين، وبواسطة آلة الشادوف تم شطف الحجارة وفتات الصخور من العين، ثم قمنا بتنظيف البئر من الرمال التي غمرت نصفها بسبب عدم الاستخدام. وحين تدفق الماء أخيرا مع مغيب الشمس، تركني الاخوة الذين ساعدوني في العمل لرغبتهم في الذهاب بعيدا لحضور حفل في قرية أخرى،عرفت منهم أن مغني وعازف طنبور معروف سيقوم بالغناء في الحفل، لا أدري لم شعرت أنني أعرف ذلك المغني، حين وصفه أحدهم قائلا: يبدو أن الحكومة لا تحبه، بسبب أشعار أغانيه التي تدعو للثورة على الظلم، الناس كلهم سكارى، لكن أنف الحكومة لا تشم رائحة عرق التمر الا في هذا المغني! قاموا بجلده عدة مرات أثناء الحفلات التي يقيمها، وحين يقومون بجلده، تفوح رائحة الخمور من كل مكان، الجميع يشربون، لا بسبب السعادة، بل ليغرقوا في النسيان، ويستمرون في وهم أنهم أحياء، هذه في الواقع هي النقطة الوحيدة التي نشعر فيها بأن الحكومة لديها أيضا شئ من الرحمة، حين تغض النظر عن الخمور التي نشرب، لكن إياك أن تتحدث عن الظلم أو العدالة حينها سيصبح الماء الذي تشربه خمرا، بقدرة الله، وصلاح القاضي والحكومة.
بعد رحيل الشباب إنشغلت في ري أشجار النخيل، مفكرا في اللحاق بهم إن فرغت من بقية عملي مبكرا، وفجأة سمعت صوتا يناديني من على البعد، تبعت الصوت الغريب وكنت كلما إقتربت منه شعرت به يبتعد، حتى وجدت نفسي خارج القرية بالقرب من المقبرة، اختفى الصوت الذي كان يناديني كأنه عاد الى أحد القبور، وحين قررت العودة سمعت صوت معاول تقوم بحفر الأرض، وجدت مجموعة تقوم بحفر قبر لشخص غريب توفي في القرية كما قالو لي، ساعدتهم في الحفر، كان شعور غريب ينتابني وأنا بينهم، كنت متأكدا أنهم نفس الاشخاص الذين ساعدوني في تنظيف البئر، لكن شيئا ما كان يلجمني كلما حاولت أن أسألهم ان كانوا هم بالفعل نفس من كانوا معي قبل المغيب، لقد قالو لي أنهم ذاهبون لحفل ما وفجأة أجدهم يحفرون قبرا، كنت أشعر بإرتباك أحيانا وتختلط علي الصور فلا أعرف ان كنا لا زلنا نحفر في البئر ام نحفر قبرا. لقد تمت عملية حفر القبر بسرعة شديدة فالأرض كانت هشة لينة، حتى أن احدهم علق قائلا لابد أن الميت من أولياء الله الصالحين تتشوق الأرض لتضم رفاته، وقال أحدهم: لقد وجدنا معه كفنا، كأنه كان يعلم أنه سيموت تلك الليلة، قطعة الكفن كانت تبدو غريبة قليلا بالكلام المكتوب عليها، لقد قرأ احدهم على ضوء مصباح الزيت المكتوب بحروف حمراء كبيرة:
إنتخبوا إبنكم البار!
إنتخبوا إبنكم ... فكر قليلا وكتب: الذي يحب السمك، ثم إرتدى بنطاله الوحيد، قميصه الوحيد، حذائه الوحيد، وقال: سأذهب لأرى ان كانت صنارتي قد أمسكت بشئ!
كان قد رأى فتاة جميلة أثناء عبوره شارع السوق الرئيسي في المدينة، أرسل لها بعينيه رسالة قصيرة:
أريد أن أراك مع غروب الشمس. بجانب المرسى الصغير حيث يعبر الناس الى الضفة الشرقية وحيث يتم افراغ حمولات القمح الأمريكي والموالح. لن نتحدث في أية شئ، فقط سنتأمل الغروب، الذي يغرق في ضجيج أجهزة الكاسيت التي تصدح في غبار باعة الفواكه والخضروات، الليمون الطازج والبرتقال، القريب فروت، والبصل والطماطم الأحمر الضخم من حوض السليم. والصبية الذين يتبولون واقفين، يغسلون الغبار من فوق سيقان وأوراق أشجار العشر، والنسوة اللائي يبعن التسالي والفول السوداني وثمار النبق المليئة بالدود. فقط سنتأمل الغروب، سيكون غروبا مختلفا حين تراقبه في اللحظة نفسها أربعة عيون.
كرر عبارته المشئومة: سأرى ان كانت صنارتي قد أمسكت بشئ، قال له الطاهر: عد بسرعة لن تنتظر حملتنا الانتخابية أربعون عاما أخرى!
وجد أنها التقطت الرسالة كاملة، وأضافت لها عدة حروف افضت بهما الى غروب هادئ بعيدا عن ضجيج أجهزة الكاسيت، التي تغني كلها في الحر: يا الفريد في عصرك .. الزمان زمانك .. أهدي لي من فضلك نظرة لي.. بعيدا عن الصبية الذين يغسلون ببولهم غبار أشجار العشر، والحمير التي تمارس الحب الواقف، يحميها من عيون المتطفلين، والمتطرفين، غطاء الفوضى الموسيقية والغبار الذي تثيره سيارات الأجرة، حين تتوقف بسرعة، تلقي بمجموعة من الركاب، ثم تمرق بسرعة صاروخية وكأنها تهرب من جهنم التي أفرغت حمولتها من البشر فيها! جلسا على حافة أحد حقول الذرة، تبادلا أعينهما ليرى كل منهما الغروب كما يراه الآخر، وليعرفا من الذي بإمكانه رؤية غروب أفضل، مع تفاصيل أوفى ومؤثرات ضوئية ليست متاحة لرؤية غوغائية. إكتشف قدرة عينيها على رؤية التفاصيل، حتى حين تزحف العتمة، تستبدل الشمس التي ينزف آخر وميضها فوق الظلام، بقمر فضي ينشر رماده فوق ضجيج الكاسيت وغبار أودية شجيرات الحلفاء. تختار نجوما تائهة وترصها مثل حجارة السيجة حول القمر، تنزعها، تلقي بها في الفراغ ثم تجمعها مرة أخرى وتعيد تشكيلها، يقول عبد الرحيم مازحا: ليتك تبرعين أيضا في نزع نجوم الجنرالات. قالت بسرعة دون أن تعرف لماذا تقول ذلك: بل أنت من يبرع في ذلك! بقيا مندهشين برهة لما قالت، ثم تذكرت شيئا، بدا لها أنه يوضح كل شئ: قالت أنها رأته قبل أشهر، تعرفت عليه من العيون الساحرة والشعر المرسل في كل الاتجاهات والقميص الكاروهات وبنطال الجينز. كان شيئا غريبا، ينطبق عليه الوصف، لكن تلك المرة الاولى التي يحضر فيها منذ سنوات.قالت له ربما كان حلما، لكنك كنت تقود مظاهرة.
أغلق الباب بعد قليل على منظر اللافتات الانتخابية التي تغرق الأرض وقال: لقد جئت!
يمسك الطاهر بالميكرفون بجانب السائق في السيارة المكشوفة التي يجلس بقية العشرة في مؤخرتها.
إنتخبوا ابنكم البار!
اليوم الليلة السياسية الكبرى، يهمس له حمد النور بشئ ما، فيقول حين يمر بمضارب البدو: يوجد أيضا مغن يؤدي أغنيات السيرة والعرضة. وحين يمر بقرى النوبة يقول: يوجد أيضا مغن يؤدي أفضل أغنيات الطنبور!
أيها المواطنون الثوار الأحرار، تلفت الجميع في اللحظة نفسها، بحثا عن الثوار الأحرار! يصعب التمييز بسبب العتمة، والغبار بين الناس وأشجار العشر التي يتبول عليها الصبية، لغسل الغبار من هياكلها الناحلة، مثل البشر على حافة هذه الصحراء.
عبروا بجانب جدار متهدم كتب عليه أحدهم بخط ردئ لكنه مقروء:
لن يمثلنا عاق والديه! عرفوا من آخرين بعد أن تساقطت عليهم حجارة أجبرتهم على الانسحاب من الحي، أن المنطقة تتبع للمرشح الآخر، العضو في تنظيم الحزب الحاكم.
ودعتهم عبارات دون معنى منثورة على الجدران المتهدمة:
من يهرب من والديه، من سيضمن أن يبقى معنا! كم زجاجة ويسكي شربت أيها الهارب، فيما العرقي يهري أكبادنا! لا تنتخبوا إبنكم الفار!
قال عبد الرحيم: الجدران لا تكذب! نبهه الطاهر : ليس مهما أن يفوز!. لقد قبلوا قيادة الحملة الانتخابية رغم عدم إقتناعهم بفكرة الانتخابات نفسها التي يجريها النظام الشمولي، فقط لأنها فرصة للتعرف على نبض الشارع والعمل قليلا بعيدا عن ضغوط الأجهزة الأمنية.
إنتخبوا إبنكم الهارب! وجد عبد الرحيم الاقتراح الجداري جديرا بالمناقشة. كم زجاجة ويسكي شربت أيها الهارب فيما العرقي يهري أكبادنا، أضاف كلمتي: وفلذات أكبادنا. أربعون عاما من الويسكي، بإعتراف الابن البار، كان النسيان في السنوات الاولى يكلف شرابا أكثر، زجاجة واحدة يوميا، تقلصت بمضي تحجر قلبه إلى زجاجة أسبوعيا، قال عبد الرحيم: من يهرب من والديه لا يجب أن يبذل جهدا لينسى. تتحجر ذاكرته أيضا مع قلبه.
قاطعه السيد: لا تنس أنه عاد في النهاية!
نظر عبد الرحيم عبر النافذة الى أعواد الذرة التي تبدو كأنها تقترب بفضل الريح من النافذة لتتلصص عليهم، وتذكر المظاهرة التي قادها في الحلم، وخصل الشعر المتوجة بخيوط ضوء المغيب وقال: لقد قلت بنفسك، عاد في النهاية، حين إستهلك كل شئ، وأصبح العالم بالنسبة له مملا مثل الجحيم. لم يعد بسبب الحنين، العالم بالنسبة له مناديل ورق، حين يمسح غائط شهواته يستبدل منديلا بآخر. حين لفظه السجن، كما يقال، لم يبق من طريق أمامه سوى العودة.
قال الطاهر: ألا يوجد لديهم نظام ديمقراطي؟ لماذا دخل السجن؟
ضحك عبد الرحيم وقال: في أكثر الأنظمة الديمقراطية تحررا لن تكون محاولة إغتصاب فتاة قاصر، تعبيرا عن الرأي!
كان مصابا بالملاريا لذلك لم يخرج في اليوم التالي مع الحملة الانتخابية، شعر ببعض التحسن بعد أن أعطاه المساعد الطبي حقنة كلوروكوين، قال في سره: الحب أفضل من الكلوروكوين. تناول قرص أسبرين، واستلقى قليلا تحت مروحة السقف التي تقوم فقط بتحريك الجحيم داخل الغرفة. بدا له كأن صوت: زيك.. زيك الذي يصدر عن المروحة العتيقة كان يصدر عن قاع روحه، أوقف مروحة السقف، فشعر بالجحيم يهبط الى روحه، أعاد تشغيل المروحة مرة أخرى، ولتخفيف صوتها الذي يشعر به مثل سحق عظام على البلاط، قام بتشغيل جهاز الكاسيت الضخم الملقي أرضا، والذي يستخدمه أقرانه كمنضدة لوضع أكواب الشاي أو عرق التمر أو طبق العشاء. ولأن الجهاز يختفي تحت صينية العشاء أثناء الأكل سيبدو وكأن صينية الألمونيوم هي التي كانت تغني، حتى أنها كانت تكمل أحيانا دورة كاملة بفضل الاهتزاز الشديد الناجم عن ضربات إيقاع ساحقة. ضاع صوت .. زيك .. زيك، في فوضى الغناء. شعر عبد الرحيم بأعصابه ترتاح قليلا، كأن الضجة كانت تسحب الحمى من دمه، حدق في المروحة قليلا وهو غارق بدمه في الأغنية، حتى شعر بالدوار، قبل أن يقرر الخروج.
لم يكن يشعر برغبة في قضاء حاجته لكنه خشي أن يشعر بذلك في حمى الحب، الملاريا تصيبه دائما بالاسهال. خنقته رائحة الامونيا ففتح باب المرحاض قليلا، سمع صوت سقوط الغائط في البئر مصحوبا بصوت عراك الكلاب في الخارج. خرج الى المدينة، عبر شارع السوق الرئيسي، اختفى شارع الاسفلت في الحفر الرئيسية، بنفس ضجيج إختفاء الصباح في عينيها. شعر أنّ شخصا ما كان يتلصص عليه.
جلسا بين عيدان الذرة، من على البعد يسمعان صوت كاسيتات الباعة التي تبدو كأنها في سباق مع بعضها للوصول لمحطة شوق نهائية. مثل صبية الخلوة حين يتلون القرآن كلهم في وقت واحد، كل واحد يقرأ من جزء مختلف، استنشق عبد الرحيم جرعة من هواء الدميرة القادمة ونظر من خلال عيدان الذرة الى النهر الذي ارتفع منسوب مياهه في الايام الأخيرة. كأنه يطارد أكشاك الباعة حول المرسى، كلما تقدم النهر قليلا فكك الباعة أكشاكهم وأعادوا نصبها على مسافة آمنة، لكنهم لا يجازفون بالابتعاد كثيرا عن النهر والا انقطع رزقهم. أثناء نقل الاشياء لا تتوقف أجهزة الكاسيت للحظة. صوت المغنين مخنوق بالغبار والحزن، وسأم التكرار، يمكن الاستغناء عن أي شئ، عدا فوضى الحب. قال عبد الرحيم مشيرا للنهر من بين أعواد الذرة مستوحيا تفسيرا فلسفيا للهروب اليومي للباعة بأكشاكهم أمام النهر: النهر أشبه بوحش طيب، يعطيك مالا لكنك لا تجرؤ على الاقتراب منه كثيرا وإلا فتك بك! يخافون منه ويعيشون عليه! تذكر أنه هو نفسه كان لا يشعر بالسعادة إلا يوم الذهاب للعوم في نهر النيل، لكنه كان في ذلك الوقت ممنوعا من الذهاب الى النهر وحده، رغم أن النهر كان قريبا من البيت، كان جده يحضر مرة واحدة كل اسبوع ليصطحبه هو واخوته الى النهر ويجلس قريبا منهم يراقبهم، حتى لا يجرف الموج أحدهم. فكر في حتمية أن الشعور باللذة يكون دائما محفوفا بالألم، أن أية لحظة سعادة تفقد قيمتها حين لا يهددها الخطر.
حين حان موعد حقنة الكلوروكوين الثانية، بعد ثماني ساعات من الحقنة الاولى حسب تعليمات المساعد الطبي، حصل على قبلة وقرص من حلوى النعناع، شعر بأنه أفضل كثيرا. حين نام في المساء، رأى نفسه في نفس المشهد الذي روته سناء، يقود مظاهرة تتلوى مثل ثعبان في قلب المدينة، الفرق الوحيد أنه كان يقود المسيرة محمولا على أكتاف شخص ما فيما خيط من الدم الدافئ يتسرب من ثقب أحدثته رصاصة طائشة في عينه!
كاتب من السودان، أمستردام
[email protected]
فصل من رواية "غناء العشاق الثلاثة" صدرت عن:
دار اي كتب الالكترونية
هذا الفصل ينشر هنا بالاتفاق مع المؤلف
كيكا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.