خلال انفجار "حارة قارون".. إصابة سودانيين بحروق في حي السيدة زينب بالقاهرة    عضو بمجلس النواب المصري يطالب حكومة بلاده بمنح السودانيين مهلة شهرين لتوفيق أوضاع إقامتهم: (هم ضيوف مصر فى هذه الفترة الصعبة والآلاف منهم عادوا إلى وطنهم يحملون كل معانى المحبة)    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تتحدث لغة قبيلة "الدينكا" بطلاقة ومتابع جنوب سوداني يترجم لجمهورها ما قالته    شاهد بالفيديو.. لأول مرة منذ 3 سنوات.. اختفاء شبه تام للسودانيين من شوارع العاصمة المصرية القاهرة خصوصاً حي "فيصل"    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    بالفيديو.. ظنوا أنها "مسيرة".. طائرة "درون" تصيب مواطنين سودانيين بالذعر والرعب شاهد لحظة هروب النساء والأطفال بأحد الأحياء خوفاً من سقوطها    الصحفية أم وضاح ترد على الناشطة والكاتبة رشا عوض وتصفها ب"الست رشوة" غفيرة باب الإمام.. اقسم بمن رفع السماء بلا عمد سأصيبك بجلطة    والي الخرطوم يقدم تنويراً حول أعمال لجنة أمن الولاية في ضبط الأمن والتنوير يتناول انخفاض الجريمة وإنجازات الكردونات والطوف المشترك والخلية الأمنية    الهلال يستقبل صن داونز غدا بكيجالي في دوري الأبطال    الهلال يطالب "الكاف" بإلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها محترفه في مباراة صن داونز    بنفيكا يذبح ريال مدريد    وزير الطاقة يعلن التوجه نحو توطين الطاقة النظيفة وتعزيز الشراكات الدولية خلال أسبوع الطاقة الهندي 2026    والي الخرطوم يقف على أعمال تركيب محولات الكهرباء وتأهيل المحطات وشد الاسلاك    معارك عنيفة في إثيوبيا    جوجل تطلق ألفا جينوم.. نموذج ذكاء اصطناعى موحد لفك شيفرة الجينوم البشرى    مصطفى شعبان يعود إلى الدراما الشعبية بعد الصعيدية فى مسلسل درش    مركز عمليات الطوارئ بالجزيرة يؤكد استقرار الأوضاع الصحية    هل تم الاستغناء عن مارك رافالو من قبل ديزنى؟.. اعرف التفاصيل    نهر النيل تستضيف المؤتمر القومي للشباب    خسائر الميتافيرس تتفاقم.. "ميتا" أنفقت 19 مليار دولار في الواقع الافتراضي خلال عام واحد    اكتشاف علمي قد يُغني عن الرياضة.. بروتين يحمي العظام حتى دون حركة    ارتفاع تاريخي يدفع الذهب لتسجيل 5565 دولارًا للأونصة مع تصاعد الطلب على الملاذات الآمنة عالميًا    النفط عند أعلى مستوى في 4 أشهر    عثمان ميرغني يكتب: السودان… الهدنة الهشة لا تعني السلام!    دُرَّة دوري الدامر تُزيِّن كشوفات مؤسسة الشمالية    وزير الداخلية السوداني يعلنها بشأن الرئيس السابق عمر البشير    تحذير مهم لبنك السودان المركزي    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    شاهد بالفيديو.. بعد تعرضه لأزمة صحية.. الصحفي الشهير بابكر سلك يوجه رسالة لشعب المريخ ويمازح "الهلالاب" من داخل المستشفى: (جاي أقفل ليكم جان كلود ونأخد كرت أحمر أنا وهو)    الخرطوم تستعيد نبضها: أول جولة دبلوماسية في قلب الخرطوم لدبلوماسي أجنبي برفقة وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    مفاجأة سارة.. فليك يعلن قائمة برشلونة لموقعة كوبنهاجن    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    وزير الطاقة : نتطلع إلى شراكة أعمق مع الهند لإعادة إعمار قطاع الطاقة بعد الحرب    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    جمارك كسلا تحبط محاولة تهريب ذخيرة عبر نهر عطبرة    والي الخرطوم يثبت رسوم الأنشطة التجارية للعام 2026 تخفيفاً للأعباء على المواطنين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (عن المستقبل)    بالأرقام.. بنزيما ورونالدو الأكثر إهداراً للفرص في دوري روشن السعودي    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إنتخبوا إبنكم البار
نشر في الراكوبة يوم 23 - 05 - 2012


[email protected]
كان السؤال يبدو غريبا جدا حين ننظر حوالينا في نفس اللحظة، لبحر الرمال الذي يترامى من حولنا دون نهاية، لا شئ في مكانه حتى يمكن التعرف على أية معالم، لا الرمال هي الرمال، لا الليل هو الليل، لا القمر هو القمر، لا الزمان هو الزمان. كأن قوة خارقة مسحت العالم كله بفرشاة ساحر ورسمت في الفراغ عالما جديدا، دون أن تقوم بتثبيت كل شئ في مكانه. فبدت الأشياء كلها هائمة دون رابط ودون هدف. تجولنا بعيوننا في الفراغ من حولنا بحثا عن شئ نعرفه لنتشبس به، دون جدوى.
نظرنا الى أعلى، سرت رعدة في جسدي أمام يقين أننا لم نكن ننظر الى القمر، بل الى شبيه مخادع، يملك نفس الوجه الفضي، والقدرة على المحافظة على نفس العادات الشهرية. حاولت بالنظر في عيون رفاقي أن استمد قوة أتغلب بها على الخوف الكارثي الذي إجتاحني لفكرة: هل سنكون ضحية إنقلاب في السماء! قمر مزوّر، ظهر في لحظة فوضى شاملة في المجرة. هو الذي كان ينظر إلينا. يعبث بصورنا، حتى أنه يعيد عرضها بضوئه في قبة السماء، فرأينا وجوهنا بوضوح، عيوننا المفرغة الا من نظرة الموت، أيدينا المتيبسة في وضع رأسي تبحث عن فراغ في الفراغ. كأننا كنا نشير لشخص ما ليتعرف على مكاننا قبل وقوع تلك الكارثة.
تجرأ أحدنا وقال بعد أن مسح بكم جلبابه الرمل الضوئي العالق فوق عينيه: لا أعرف كيف وصلت الى هنا، آخر ما أتذكره أنني كنت أقوم بسقي أشجار النخيل التي جفت من العطش بسبب أن المياه غارت بعيدا في باطن الأرض، ولأن ريها بالماء صناعيا مكلف جدا فقد تركتها تواجه مصيرها المحتوم، حتى جاء أحد أشقائي من خارج الوطن وأعطاني مالا لشراء وقود لسقي النخيل واعادة إحياء المزرعة التي كانت جنة صغيرة أيام حياة والدي. كان شقيقي قد غاب عدة سنوات، عرفنا بعد زمان طويل أنه قضاها في السجن بسبب مشاركته في إضراب عن العمل إحتجاجا على سياسات السلطة العسكرية، ثم غادر الوطن وفقدنا الاتصال به سوى رسائل متباعدة انقطعت في السنوات الأخيرة، حين عاد فجأة، حكى لي أنه كان يرى أبي دائما في منامه وهو يوقظه من النوم قائلا: كيف تخلد الى النوم وأشجار النخيل تموت!.
دعوت بعض جيراني لنفير، قمنا بتنظيف بئر الماء المهملة منذ سنوات وأصلحنا محرك الماء الليستر، استغرق تنظيف عين الماء بعض الوقت، قام الشباب بإنزال مواسير طويلة داخل العين، وبواسطة آلة الشادوف تم شطف الحجارة وفتات الصخور من العين، ثم قمنا بتنظيف البئر من الرمال التي غمرت نصفها بسبب عدم الاستخدام. وحين تدفق الماء أخيرا مع مغيب الشمس، تركني الاخوة الذين ساعدوني في العمل لرغبتهم في الذهاب بعيدا لحضور حفل في قرية أخرى،عرفت منهم أن مغني وعازف طنبور معروف سيقوم بالغناء في الحفل، لا أدري لم شعرت أنني أعرف ذلك المغني، حين وصفه أحدهم قائلا: يبدو أن الحكومة لا تحبه، بسبب أشعار أغانيه التي تدعو للثورة على الظلم، الناس كلهم سكارى، لكن أنف الحكومة لا تشم رائحة عرق التمر الا في هذا المغني! قاموا بجلده عدة مرات أثناء الحفلات التي يقيمها، وحين يقومون بجلده، تفوح رائحة الخمور من كل مكان، الجميع يشربون، لا بسبب السعادة، بل ليغرقوا في النسيان، ويستمرون في وهم أنهم أحياء، هذه في الواقع هي النقطة الوحيدة التي نشعر فيها بأن الحكومة لديها أيضا شئ من الرحمة، حين تغض النظر عن الخمور التي نشرب، لكن إياك أن تتحدث عن الظلم أو العدالة حينها سيصبح الماء الذي تشربه خمرا، بقدرة الله، وصلاح القاضي والحكومة.
بعد رحيل الشباب إنشغلت في ري أشجار النخيل، مفكرا في اللحاق بهم إن فرغت من بقية عملي مبكرا، وفجأة سمعت صوتا يناديني من على البعد، تبعت الصوت الغريب وكنت كلما إقتربت منه شعرت به يبتعد، حتى وجدت نفسي خارج القرية بالقرب من المقبرة، اختفى الصوت الذي كان يناديني كأنه عاد الى أحد القبور، وحين قررت العودة سمعت صوت معاول تقوم بحفر الأرض، وجدت مجموعة تقوم بحفر قبر لشخص غريب توفي في القرية كما قالو لي، ساعدتهم في الحفر، كان شعور غريب ينتابني وأنا بينهم، كنت متأكدا أنهم نفس الاشخاص الذين ساعدوني في تنظيف البئر، لكن شيئا ما كان يلجمني كلما حاولت أن أسألهم ان كانوا هم بالفعل نفس من كانوا معي قبل المغيب، لقد قالو لي أنهم ذاهبون لحفل ما وفجأة أجدهم يحفرون قبرا، كنت أشعر بإرتباك أحيانا وتختلط علي الصور فلا أعرف ان كنا لا زلنا نحفر في البئر ام نحفر قبرا. لقد تمت عملية حفر القبر بسرعة شديدة فالأرض كانت هشة لينة، حتى أن احدهم علق قائلا لابد أن الميت من أولياء الله الصالحين تتشوق الأرض لتضم رفاته، وقال أحدهم: لقد وجدنا معه كفنا، كأنه كان يعلم أنه سيموت تلك الليلة، قطعة الكفن كانت تبدو غريبة قليلا بالكلام المكتوب عليها، لقد قرأ احدهم على ضوء مصباح الزيت المكتوب بحروف حمراء كبيرة:
إنتخبوا إبنكم البار!
إنتخبوا إبنكم ... فكر قليلا وكتب: الذي يحب السمك، ثم إرتدى بنطاله الوحيد، قميصه الوحيد، حذائه الوحيد، وقال: سأذهب لأرى ان كانت صنارتي قد أمسكت بشئ!
كان قد رأى فتاة جميلة أثناء عبوره شارع السوق الرئيسي في المدينة، أرسل لها بعينيه رسالة قصيرة:
أريد أن أراك مع غروب الشمس. بجانب المرسى الصغير حيث يعبر الناس الى الضفة الشرقية وحيث يتم افراغ حمولات القمح الأمريكي والموالح. لن نتحدث في أية شئ، فقط سنتأمل الغروب، الذي يغرق في ضجيج أجهزة الكاسيت التي تصدح في غبار باعة الفواكه والخضروات، الليمون الطازج والبرتقال، القريب فروت، والبصل والطماطم الأحمر الضخم من حوض السليم. والصبية الذين يتبولون واقفين، يغسلون الغبار من فوق سيقان وأوراق أشجار العشر، والنسوة اللائي يبعن التسالي والفول السوداني وثمار النبق المليئة بالدود. فقط سنتأمل الغروب، سيكون غروبا مختلفا حين تراقبه في اللحظة نفسها أربعة عيون.
كرر عبارته المشئومة: سأرى ان كانت صنارتي قد أمسكت بشئ، قال له الطاهر: عد بسرعة لن تنتظر حملتنا الانتخابية أربعون عاما أخرى!
وجد أنها التقطت الرسالة كاملة، وأضافت لها عدة حروف افضت بهما الى غروب هادئ بعيدا عن ضجيج أجهزة الكاسيت، التي تغني كلها في الحر: يا الفريد في عصرك .. الزمان زمانك .. أهدي لي من فضلك نظرة لي.. بعيدا عن الصبية الذين يغسلون ببولهم غبار أشجار العشر، والحمير التي تمارس الحب الواقف، يحميها من عيون المتطفلين، والمتطرفين، غطاء الفوضى الموسيقية والغبار الذي تثيره سيارات الأجرة، حين تتوقف بسرعة، تلقي بمجموعة من الركاب، ثم تمرق بسرعة صاروخية وكأنها تهرب من جهنم التي أفرغت حمولتها من البشر فيها! جلسا على حافة أحد حقول الذرة، تبادلا أعينهما ليرى كل منهما الغروب كما يراه الآخر، وليعرفا من الذي بإمكانه رؤية غروب أفضل، مع تفاصيل أوفى ومؤثرات ضوئية ليست متاحة لرؤية غوغائية. إكتشف قدرة عينيها على رؤية التفاصيل، حتى حين تزحف العتمة، تستبدل الشمس التي ينزف آخر وميضها فوق الظلام، بقمر فضي ينشر رماده فوق ضجيج الكاسيت وغبار أودية شجيرات الحلفاء. تختار نجوما تائهة وترصها مثل حجارة السيجة حول القمر، تنزعها، تلقي بها في الفراغ ثم تجمعها مرة أخرى وتعيد تشكيلها، يقول عبد الرحيم مازحا: ليتك تبرعين أيضا في نزع نجوم الجنرالات. قالت بسرعة دون أن تعرف لماذا تقول ذلك: بل أنت من يبرع في ذلك! بقيا مندهشين برهة لما قالت، ثم تذكرت شيئا، بدا لها أنه يوضح كل شئ: قالت أنها رأته قبل أشهر، تعرفت عليه من العيون الساحرة والشعر المرسل في كل الاتجاهات والقميص الكاروهات وبنطال الجينز. كان شيئا غريبا، ينطبق عليه الوصف، لكن تلك المرة الاولى التي يحضر فيها منذ سنوات.قالت له ربما كان حلما، لكنك كنت تقود مظاهرة.
أغلق الباب بعد قليل على منظر اللافتات الانتخابية التي تغرق الأرض وقال: لقد جئت!
يمسك الطاهر بالميكرفون بجانب السائق في السيارة المكشوفة التي يجلس بقية العشرة في مؤخرتها.
إنتخبوا ابنكم البار!
اليوم الليلة السياسية الكبرى، يهمس له حمد النور بشئ ما، فيقول حين يمر بمضارب البدو: يوجد أيضا مغن يؤدي أغنيات السيرة والعرضة. وحين يمر بقرى النوبة يقول: يوجد أيضا مغن يؤدي أفضل أغنيات الطنبور!
أيها المواطنون الثوار الأحرار، تلفت الجميع في اللحظة نفسها، بحثا عن الثوار الأحرار! يصعب التمييز بسبب العتمة، والغبار بين الناس وأشجار العشر التي يتبول عليها الصبية، لغسل الغبار من هياكلها الناحلة، مثل البشر على حافة هذه الصحراء.
عبروا بجانب جدار متهدم كتب عليه أحدهم بخط ردئ لكنه مقروء:
لن يمثلنا عاق والديه! عرفوا من آخرين بعد أن تساقطت عليهم حجارة أجبرتهم على الانسحاب من الحي، أن المنطقة تتبع للمرشح الآخر، العضو في تنظيم الحزب الحاكم.
ودعتهم عبارات دون معنى منثورة على الجدران المتهدمة:
من يهرب من والديه، من سيضمن أن يبقى معنا! كم زجاجة ويسكي شربت أيها الهارب، فيما العرقي يهري أكبادنا! لا تنتخبوا إبنكم الفار!
قال عبد الرحيم: الجدران لا تكذب! نبهه الطاهر : ليس مهما أن يفوز!. لقد قبلوا قيادة الحملة الانتخابية رغم عدم إقتناعهم بفكرة الانتخابات نفسها التي يجريها النظام الشمولي، فقط لأنها فرصة للتعرف على نبض الشارع والعمل قليلا بعيدا عن ضغوط الأجهزة الأمنية.
إنتخبوا إبنكم الهارب! وجد عبد الرحيم الاقتراح الجداري جديرا بالمناقشة. كم زجاجة ويسكي شربت أيها الهارب فيما العرقي يهري أكبادنا، أضاف كلمتي: وفلذات أكبادنا. أربعون عاما من الويسكي، بإعتراف الابن البار، كان النسيان في السنوات الاولى يكلف شرابا أكثر، زجاجة واحدة يوميا، تقلصت بمضي تحجر قلبه إلى زجاجة أسبوعيا، قال عبد الرحيم: من يهرب من والديه لا يجب أن يبذل جهدا لينسى. تتحجر ذاكرته أيضا مع قلبه.
قاطعه السيد: لا تنس أنه عاد في النهاية!
نظر عبد الرحيم عبر النافذة الى أعواد الذرة التي تبدو كأنها تقترب بفضل الريح من النافذة لتتلصص عليهم، وتذكر المظاهرة التي قادها في الحلم، وخصل الشعر المتوجة بخيوط ضوء المغيب وقال: لقد قلت بنفسك، عاد في النهاية، حين إستهلك كل شئ، وأصبح العالم بالنسبة له مملا مثل الجحيم. لم يعد بسبب الحنين، العالم بالنسبة له مناديل ورق، حين يمسح غائط شهواته يستبدل منديلا بآخر. حين لفظه السجن، كما يقال، لم يبق من طريق أمامه سوى العودة.
قال الطاهر: ألا يوجد لديهم نظام ديمقراطي؟ لماذا دخل السجن؟
ضحك عبد الرحيم وقال: في أكثر الأنظمة الديمقراطية تحررا لن تكون محاولة إغتصاب فتاة قاصر، تعبيرا عن الرأي!
كان مصابا بالملاريا لذلك لم يخرج في اليوم التالي مع الحملة الانتخابية، شعر ببعض التحسن بعد أن أعطاه المساعد الطبي حقنة كلوروكوين، قال في سره: الحب أفضل من الكلوروكوين. تناول قرص أسبرين، واستلقى قليلا تحت مروحة السقف التي تقوم فقط بتحريك الجحيم داخل الغرفة. بدا له كأن صوت: زيك.. زيك الذي يصدر عن المروحة العتيقة كان يصدر عن قاع روحه، أوقف مروحة السقف، فشعر بالجحيم يهبط الى روحه، أعاد تشغيل المروحة مرة أخرى، ولتخفيف صوتها الذي يشعر به مثل سحق عظام على البلاط، قام بتشغيل جهاز الكاسيت الضخم الملقي أرضا، والذي يستخدمه أقرانه كمنضدة لوضع أكواب الشاي أو عرق التمر أو طبق العشاء. ولأن الجهاز يختفي تحت صينية العشاء أثناء الأكل سيبدو وكأن صينية الألمونيوم هي التي كانت تغني، حتى أنها كانت تكمل أحيانا دورة كاملة بفضل الاهتزاز الشديد الناجم عن ضربات إيقاع ساحقة. ضاع صوت .. زيك .. زيك، في فوضى الغناء. شعر عبد الرحيم بأعصابه ترتاح قليلا، كأن الضجة كانت تسحب الحمى من دمه، حدق في المروحة قليلا وهو غارق بدمه في الأغنية، حتى شعر بالدوار، قبل أن يقرر الخروج.
لم يكن يشعر برغبة في قضاء حاجته لكنه خشي أن يشعر بذلك في حمى الحب، الملاريا تصيبه دائما بالاسهال. خنقته رائحة الامونيا ففتح باب المرحاض قليلا، سمع صوت سقوط الغائط في البئر مصحوبا بصوت عراك الكلاب في الخارج. خرج الى المدينة، عبر شارع السوق الرئيسي، اختفى شارع الاسفلت في الحفر الرئيسية، بنفس ضجيج إختفاء الصباح في عينيها. شعر أنّ شخصا ما كان يتلصص عليه.
جلسا بين عيدان الذرة، من على البعد يسمعان صوت كاسيتات الباعة التي تبدو كأنها في سباق مع بعضها للوصول لمحطة شوق نهائية. مثل صبية الخلوة حين يتلون القرآن كلهم في وقت واحد، كل واحد يقرأ من جزء مختلف، استنشق عبد الرحيم جرعة من هواء الدميرة القادمة ونظر من خلال عيدان الذرة الى النهر الذي ارتفع منسوب مياهه في الايام الأخيرة. كأنه يطارد أكشاك الباعة حول المرسى، كلما تقدم النهر قليلا فكك الباعة أكشاكهم وأعادوا نصبها على مسافة آمنة، لكنهم لا يجازفون بالابتعاد كثيرا عن النهر والا انقطع رزقهم. أثناء نقل الاشياء لا تتوقف أجهزة الكاسيت للحظة. صوت المغنين مخنوق بالغبار والحزن، وسأم التكرار، يمكن الاستغناء عن أي شئ، عدا فوضى الحب. قال عبد الرحيم مشيرا للنهر من بين أعواد الذرة مستوحيا تفسيرا فلسفيا للهروب اليومي للباعة بأكشاكهم أمام النهر: النهر أشبه بوحش طيب، يعطيك مالا لكنك لا تجرؤ على الاقتراب منه كثيرا وإلا فتك بك! يخافون منه ويعيشون عليه! تذكر أنه هو نفسه كان لا يشعر بالسعادة إلا يوم الذهاب للعوم في نهر النيل، لكنه كان في ذلك الوقت ممنوعا من الذهاب الى النهر وحده، رغم أن النهر كان قريبا من البيت، كان جده يحضر مرة واحدة كل اسبوع ليصطحبه هو واخوته الى النهر ويجلس قريبا منهم يراقبهم، حتى لا يجرف الموج أحدهم. فكر في حتمية أن الشعور باللذة يكون دائما محفوفا بالألم، أن أية لحظة سعادة تفقد قيمتها حين لا يهددها الخطر.
حين حان موعد حقنة الكلوروكوين الثانية، بعد ثماني ساعات من الحقنة الاولى حسب تعليمات المساعد الطبي، حصل على قبلة وقرص من حلوى النعناع، شعر بأنه أفضل كثيرا. حين نام في المساء، رأى نفسه في نفس المشهد الذي روته سناء، يقود مظاهرة تتلوى مثل ثعبان في قلب المدينة، الفرق الوحيد أنه كان يقود المسيرة محمولا على أكتاف شخص ما فيما خيط من الدم الدافئ يتسرب من ثقب أحدثته رصاصة طائشة في عينه!
كاتب من السودان، أمستردام
[email protected]
فصل من رواية "غناء العشاق الثلاثة" صدرت عن:
دار اي كتب الالكترونية
هذا الفصل ينشر هنا بالاتفاق مع المؤلف
كيكا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.