قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحلام .. قمرٌ، بقرٌ، كلبٌ وغائط
نشر في الراكوبة يوم 30 - 01 - 2012


7- فوق الأحمر .. تحت البنفسج
الله يقطع اللوبا العَفِن !
قلتُ في نفسي متأفِفاً ومحرجاً من أحلام الصغيرة التى ما انفكت ، كلما حزَب أمرٌ ، أيقظتنى ، سآءلتني وزرزرتني ثمّ أنطلقت جاريةً خارج غرفة نومنا ، غرفة الجالوص الوحيدة في بيتنا ، لتعود وتقف منشحطةً أمامي كالديدبان وقبضةُ يمناها مبسوطة في وجهي ممتلئةً بالتراب مغروز فيه ثلاث قشات ، أعرف ضمناً أنّ واحدة منها مبتلٌ أسفلها المدفون في ذلك التراب ، وكنتُ دائماً ، لسوء حظي ، ما أختار القشة اللينة فأوخذ بالجرم المشهود وقد كانت تلك هي طريقتها الحاسمة لوقف بيانات الإنكار والحلائف المغلظة منّا نحن ساكنى هذا البيت الجديب ، فبواحدة من تلك القشات تقصمُ ظهر المُنكِر، فلا يجد بداً من الاستسلام لتهمة أنه ، ولا أحدٌ سواهُ ، من عكّر صفو الأجواء الحالمة في أبهاء ذلك القبو المسمى غرفة . برطمتُ ، وكفُّ أحلام الصغيرة مبسوطة أمام عيني بالتحدي أن أسحب قشة ورفٌّ من الذباب يحطُ على مخاطٍ سائلٍ من أنفها ، سحبتُه بلسانها ، منتشيةً ، وقالت : الما بشيل قشّة . من الأرِض ينقشَّه .. برطمتُ : الله يقطع اللوبا العَفِن .
أذكر أنني حين دخلتُ البيت ، بعد ظهر هذا اليوم ، مرهقاً بعد واحدة من أخيَب طلعات البحث عن عمل ،وجدتُ أحلاماً ، زوجتي ، تضربُ بالمفراكة على راحة يدها اليمنى لتتذوّق طعم المُلاح الفائر، صحتُ ممتعضاً حين شممتُ الرائحة : لوبا ! تاني .. كل يوم لوبا ! لم تُجهد ، أحلام ، نفسها في الرد علىِّ .. سحبت حمالة فستانها اليسرى لأعلى ولمّت أطراف ثوبها بين فخذيها شبه العاريين ، وانخرطت تفرك بكلتا يديها وفقاقيع اللوبيا تتطاير وتنفجرُ في الهواء ، ثمّ رفعت رأسها نحوي و قالت ببرود : لوبا ! وإنتَ بتقدر تجيب شنو غير اللوبا .. أحمد ربّك . غاص صوتها عميقاً في كبدي كنصل . هكذا دأبها مُذ تحنظل طعم زواجنا غِبَّ اصطدام مكوك رومانسيتنا بمجرّة الواقع الخرشاء ، ثمّ ما كان من أمر فصلي عن العمل لصالح الدولة العام ، والصغيرة أحلام ، بعدُ ، في الرضاع ، وما نتج عن ذلك من بطالةٍ استطالت ولم أجد لها حلاً سوى أن أبيع قوة عملي باليومية فأصيبُ يوماً وأخيبُ أيام كما خبتُ هذا اليوم . أحمِد ربّك .. قالت . غمغمتُ وسكتُّ ثمَّ طعِمتُ بربور تلك اللوبيا في وقتٍ لا هو فطور ولا هو غداء ، طعِمتُ ونمتُ مخنوقاًً . نمتُ في كتمة ما بعد الواحدة ظهراًً ،والنوم ، كما تقول جدّتي نور الشام ، يجيب اللوم ، فماذا لو كان نوماً في أعقاب وجبة لوبيا عفِن ورحلة بحثٍ خائبة عن عمل ! نمتُ حتى أيقظتني الصغيرة أحلام باسطة ، إليَّ ، كفها بحفنة التراب والقشّات فيه منتصباتٍ كرؤوس صواريخ توشك أن تنقضَّ عليَّ فرفضتُ أن أسحب أية قشة من تلك القشات خشية أن يثبت عليَّ الجرم . انقلبتُ على يميني مولياً إياهنَّ ظهري ثمّ رحتُ ، متوتّراً ومستبطناً ، أرقبُ قناتي الهضمية من أعلاها إلي أدناها أترصَّدُ حركة الهواء في مصراني الغليظ ، كبير أخوانه ، تنسابُ بزوبعةٍ مزلزلةٍ فأتحفّز وأوشك أن أدخل يدي في جوفي لأوقف ذلك العبث المغيظ.. تتوثّب خلايا جسدي كلها فيجري الهواءُ محدثاً فرقعاتٍ مكتوماتٍ ما بين طرف المصران الأعور وأبظرّاط . خالتي ستنا بت حقَّ الله حين تضحك بعد وجبة لوبا عِفن تقول متشكيةً: أحَّيْ يا أبظرّاطي . أما أنا فأُغمغِمُ ، و لا أفتأ ، متظاهراً بالنوم : الله يقطع اللوبا العِفن . أغمغِمُ وألعنُ ، حيث لا مَلعَن، كل ما يخطر بالبال وأظنه متسبباً في هذه البانوراما التعيسة : لعنتُ حالي ومآلي ، لعنتُ شهادة الجامعة واليوم الذي دخلتها فيه.. لعنتُ الدولة ، ثمّ لعنتُ الحرَّ ، بالذات ، سيما وأنّ ظل راكوبة بيتنا صار من فرط سلت القشات وذاريات الريح ضحضاحاً لا يستظلّ به في هجير السافنا القائظ ، لعنتُ لعنتُ وبقيت على حالتي تلك أتقلّب وأدافع هُوج الرياح في قناتي الهضمية : أقبض أدناها فتندفع لأعلاها حتى أُزمُّ فينطبق حجابي الحاجز ورئتاي بحلقي فأعود لأقبضُ أعلاها فتنسابُ الرياح مهتاجةً لأدناها حتى أنني استطعتُ بصعوبة من استرداد أنفاسي الضائعة جراء ذلك اللهاث وتمكّنتُ أيضاً خلل تنهيدةٍ مكروبةٍ من دس فرمالتي : الله يقطع اللوبا العَفِن !
حين لم يكن بُدٌ من المدافعة نهضتُ وحملتُ الإبريق خارجاً للخلاء ، وذلك تفادياً للإختناق ، فالمرحاضُ لا تُطاقُ رائحته في كتمة ما بعد الواحدة ظهراً حيث تخرجُ أبخرة الأمونيا وروائحٌ ككبريتيد الهيدروجين تتصاعدُ حتى تضيق الأرضُ بجنادب أم قُرمبع فتخرج مهتاجةً تتسلّقك بينما أنت على قرفصاءٍ قلقةٍ جالسٌ بين ريحين يكاد ضغطهما يهصرك ... لا ، لا ، قلتُ لنفسي ، لا بد من الخلاء فهو خيرٌ من الرفيق الفَسِل . الحرُّ شديد ، أي نعم ، وجدي جُبارة كثيراً ما كان يردد : خرية في ضُل ولا أكلة في حر. لكن المرحاض لا يطاق . خرجتُ تتبعني الصغيرة أحلام باسطة راحة كفها مترنّمة بذلك اللحن المغيظ : الما بشيل قشة .. من الأرِضْ ينقشه . الما بشيل قشّة .. من الأرِضْ إنقّشَه . أسرعتُ الخطىَ مبتعداً أمشي متحفّزاً لكأنني الصاروخ يوشك أن ينقذف في الفضاء .. أمشي وصوتها يأتيني متقطّعاً : الما بشيل قشّه .. من الأرِضْ إنقْشّة .. الما بشي .. مشيتُ حتى أتيتُ الخلاء مما يلي بيوتنا : أدغالٌ متناثرة لا تستر من حر: شي كِتر ، شي سِدر ، شي طندُب وشي لعوت ، قصدتُ إحداها وهممتُ بالجلوس فسمعتُ خشخشةً .. انقبض قلبي ، نهضتُ مرعوباً ، قلتُ في نفسى : هنا تكثر سحالي الملجة الملساء الصغيرة يهيِّجها الحرُّ فتلج الدُّبر خلسة. عبد العاطي جارنا بقيت الملجة في بطنه عشرين عاماً تمخر مصرانه وهو يتلوى . ما خرجت ، مقطوعة الطاري ، ورهطها المتكاثر ، إلا بعد أن شرب سطل كيروسين حامٍ . هه .. ملجة ! جابت ليها ملجة كمان! واللهِ يا هو الفضَل ..هِي ناقصة!! غمغمتُ . نهضتُ ومشيتُ . ظللتُ أمشي ، أمشي والأرضُ تترى والبلدان وكذا الإنسان : شي زرقان ، شي بُيضان ، شي سودان ، ثمّ أفغان وتركمانستان وحمران ، أمشي وأدافع هواء بطنى فيدفعنى إلي مسيرٍ أغذُّ فيه الخطىَ وأمشي كأنني أطفو .. لو رآني أرخميدس لوجد ضالته بلا عنت ، فها أنا أمشي كمن يطفو ، كلما امتلأت بطني بفقاقيع اللوبيا خفّ وزني فأسير كمن يطير . الشجر يجري عكسي وكذا الأرض والسماء حتى انبسط أمامي ، فجأةً ، بساطٌ أحمر مهيب مشيتُ فيه بخطوٍ ليس خطوي وانتبهتُ إلي جُندٍ يصطفون على جانبيه يحملون آلات نفخٍ وسيوف وعلي صدورهم أوسمة ونياشين وعلي كتوفهم الدبابير والنجومُ تلمع.. سآءلتُ نفسي مستغرباً : الله ! دا شنو دا؟ فعُزف سلام ٌ جمهوريٌ ما . جاء أحدهم . ضربَ الأرضَ أمامي وحياني تحيةً عسكريةً ثمّ حمل عنى الإبريق بكل لطف . تبدّلت مشيتى غير مشيتي فمشيتُ مشيتُ حتى إنتهيتُ إلي منبرٍ أحمرٍ بمخمل وقطيفٍ وحريرصعدته فجاءت حاشيةُ تتوسّطها حسناءُ في بنفسجٍ غايةٍ في الجمال ، صاح آمر الجُند : قرقول سلام . فالتتقدّم صاحبة الجلالة ، الملكة أحلام . ضرب الجندُ على الأرض بإيقاع . تأبطوا أسلحتهم بأيامنهم وخطوا .. أياسرُ أيديهم تناظر أيامن أرجلهم في خطوٍ مموسقٍ تتقدمه الملكة . سلمّت عليَّ بترفّعٍ ملوكي وأخذتني لتفتيش قرقول الشرف . همستُ إليها : أحلام ! دا شنو دا .. أما كنتي تفركين اللوبيا هذا الظهر ؟ أحلام ؟ كأنها لم تفهم . ابتسمتْ . ثمّ أخذتني ومشينا، حذو القّذّةِ بالقُذّة ، مشينا على وقع خُطىَ الجُند وموسيقاهم : رَبْ رَبْ رَبْ رَبْ ، مشينا حتى انتهينا إلى مجلسٍ عامرٍ بالبنفسج وغاصِّ بالعبير : شي نمارق ، شي طنافس ، شي أرائك وبُسطٍ كعبقريٍ حِسان و..ألف ألف شمعدان . قلتُ محتاراً : أحلام .. دا شنو دا ؟ لم تجبني. وسعّت طيف إبتسامتها الغامضة وواجهتني بوجهٍ كالقمر يطلُّ فجأةً في ليلٍ ماحق. كان على أنفها الحاد زُمام وعلى شفتيها لمىً. أحلام دا شنو دا؟ عمّقت طيف الإبتسامة الغامضة ، وضعت يمناها على كتفي ويسراها على خصري فأنبعثت في الحال ، من وسط ذلك البنفسج البهيج ، موسيقى حالمة كأحدى مقدمات وردي . جذبتها لأسألها ، وأنا بين الأحمر والبنفسج أترنّح ويكادُ عقلي يذهب ، لمستني بصدرها فزادتني إرباكاً علي إرباك . النهدُ الذي ضغط على صدري كان صلباً وثاباً غير ذاك الذي ترهّل والخصرُ أضيق ، يميني ترتاحُ فوق رابية كفلها العالية وعطرها يُدوّخ يُدوِّخ يُدوِّخ : شي صندلية ، شي سُرّتيه ،شئ دِلكة ، شي فلور دامور ، شي خُمرة . غابت رائحة اللوبيا وغابت القشَّات وحتى البنفسجُ غاب ، أخذتها في حضني أكثر وأنفاسنا تتمازج ، حاولتُ أن أقولَ شيئاً فخرجتْ منى لغلغةٌ لا تبين ، رفعتُ ، برفقٍ ، وجهها بإبهامي واستلمتُ القمر، كل القمر، الشفه السفلى تهيأتْ ونداءُها يخلع وكذا العينان الفاترتان. كأنّ كلابٌ فيَّ أخذت تنبح . حين أوشكت الشفاهُ تلتقي هاج مصراني الأعور ، فجأةً ، وماج أبظراطه. فقفزتُ منها بعيداً كالمنخوس ِصحتُ في الجُند المصطفّين : الإبريق ! عايز أقطع الجمار . الإبريق وين ؟ وغمغمتُ : الله يقطع اللوبا العَفِن!
خرجتُ متحفّزاً ، أدافع هُوج الرياح في قناتي الهضمية ، أشدُّ أدناها فتندفعُ لأعلاها ، يتمايل الهواء في بطنى كأنه زئبق ، تركتُ الملكة أحلام حائرةً ومشيتُ متحفّزاً صوب أجمَةٍ في دُهمةٍ ظننتها الخلاء ، كنتُ كلما خطوتُ خطوةً هاج البنفسجُ فوقي والجندُ حولي وإمتد البساطُ الأحمر أمامي ، لكأنّ في قدميَّ رهطٌ من دود القزِّ دائبٌ ينتج الحرير فمشيتُ ومشيتُ حتى انقطع ذلك البساط فجأةً فوقفتُ في عماء لا يُرى فيه شئ ، ساءلتُ نفسي : هل هذه حافة الأرض ؟ سمعتُ خشخشةً فتذكّرتُ سحالي الملجة الملساء فجفلتُ ، ثمّ صوتاً: صوتَ أحلام ، ترفعُ في وجهي مفراكتها وتقول : لوبا ! وإنتَ بتقدر تجيب شنو غير اللوبا .. أحمد ربّك . هززتُ الإبريق الذي بيسراي للتوازن ومسحتُ وجهي بيمناي وأنا أترنّح . غابت المفراكة وأحلام زوجتي في لبِّ الظلام فأطلّ القمرُ في البنفسج المهتاج بطيف الإبتسامة الغامضة –ذاتها- فخيّل إليّ أنني سأسقط على قفاي ، باعدتُ بين رجليَّ كي أثبت ، كان البساط الاحمر ، خلفي ، ما زال ممتداً والإبريق في يدي والقمر الباسم يستدير فيخرج من استدارته كائنٌ صغيركنجمةٍ بعيدة بدأت معالمها تتضحُ رويداً رويداً حتى انبسط منها كفُّ بحفنةٍ من ترابٍ وقشَّاتٍ منتصبات . فسقطتُ من على حافة الأرض في ذاك العماء ، كان صوتها يأتيني متقطّعاً وأنا أتشبّثُ بحافة الأرض والأرضُ تدور..تدور، أتشبث فأخربش سطح الأرض ثم أهوي أهوي أهوي بعيييداً : أرحتُ مصراني ، فيما أنا أهوي ، بدويِّ هائل . المابشيل قشّة .. من الأرِض ينقشّه . هويتُ في ذلك الخواء وتمكّنتُ في الهاوية من أن أطفو ، لست أدري كم مرّ عليَّ من الوقت حتى رأيتُ ضوءاً على يساري فالتفتُ ، وأنا طافٍ ، فرايتُ القمرَ في سُحب البنفسج ، ذاتها ، وقد تسوّرته كلابٌ ضخمة كالحواشي ،صحتُ فيها غضباناً : جّر..جَر، فكشّرت في وجهي وزمجرت فتغاضيت ، عنها ، بُرهةً ، ثم التفتُ خلسةً ، نحوها ، فهالني أن رأيتُ الكلاب-ذات الكلاب الحواشي- تأكل القمر، أفزعنى صوتُ أنيابها وهي تنهشه : كُرج كُرج كُرج ، فسبحتُ مبتعداً . كانت الأرضُ تبدو لي من بعيد كتلة إظلام غاصّةٍ بالروائح النتنة تتصاعدُ الأبخرة الفاسدة : شي أمونياك ، شي كبريتيد هيدروجين وشي جثث آدميين ، ولا جهةً أشيحُ إليها بوجهي . الوضع يبدو كمطرٍ معكوس : أصواتُ الأنين تأتيني كالصواعق ثم زعيقُ أبواقٍ وخطبٍ حماسيةٍ وحلائف مغلظة وهتاف ورشاشٌ من الدم يدسرُ وينبثق من سطح الأرض نوافير .. مطر معكوس ، وخلل ذلك أرواحٌ تصعدُ وجوغات من دعوات المظلومين صارخةً تضج بالعويل كبيت بكاء ، كدتُ أتبيّن فيها أصواتٍ أعرفها ، ما شغلني عن ذلك سوى خريرٌ سمعته عن يميني فالتفّتُ فرأيتُ نهراً من اللبن دفّاقاً تتلاطمُ أمواجه ، قلت في نفسي فرحاً : هذا درب اللبانة .. هذه مجرّتنا ، وقفتُ أتأملها : على ضفتي نهر اللبن يصطفُ جنود –ذات الجنود – بخوذاتٍ وعصيً وكلاشنكوف ، يسدون الطريق على أطفالٍ رُضّع كالعناقيد يحبون صوب النهر وما هُم ببالغيه ، مددت بصري أعلى النهر فرأيتُ قطيعَ أبقارٍ تمشي بتوءدةٍ من ثقل أثداءها والحليبُ ينسكبُ فوّاراً في مجرّة اللبن تلك ، كأن قوىً جبّارةً لامرئية تحلبه ، ثمّ أنني نظرتُ أسفل نهر المجرّة ، فرأيتُ الكلاب – ذات الكلاب الحواشي – وقد تركت القمر هيكلاً نصفه مقضوم وتحوّلت منتشيةً تلغُّ وتشفط اللبن بصوتٍ غليظٍ مغيظ . نظرتُ إلى الجنود يشهرون الأسلحة وإلي الأطفال يحبون صوب اللبن ، إقتربتُ من آمر الجند ، وفي يدي الإبريق ، لمعتْ على صدره النياشين وعلى كتفيه الدبابير، إقتربتُ أطلبْ أن يفسح الجندُ للأطفال الطريق وقبل أن أنطق أشهر سلاحه في وجهي و صاح : قِف . إنتباااااه ... فهبّت لصوته ريحٌ نتنة كأنّ ملايين الجثث الميتة تسكنُ فاه ، قف .. إنتبااااااه .. قفلتُ أنفي وغمغمتُ : الله يقطع الصوت العفِن !
تفاديته .. مشيت بحذاء النهر . حاذى الأطفالُ الضفتين حبواً . ثار غبارٌ أحمر من تحتنا ومن فوقنا هطل البنفسجُ غماماً غمام . صار الأحمرُ والبنفسجُ يتمددان ويقتربان من بعضهما رويداً رويداً رويداً حتى تطابقا : قوسَ قزحٍ ثبت على الأرض .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.