النخبة بالخرطوم.. كيف؟    الأهلي الابيض يكمل تشكيل جهازه الفني بقيادة الخبير محمد عبدالنبي (ماو)    Africa Intelligence"" تكشف عن تعثّر صفقة تسليح كبيرة للجيش في السودان    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    تفجيرات بركان (93) / كيجالي (94)    الأمم المتحدة تكشف عن اجتماع مرتقب بين البرهان وهافيستو    زعيم كوريا الشمالية يتعهد بأن بلاده لن تتخلى أبدا عن وضعها كدولة نووية    الولايات المتحدة تحظر أجهزة «الروتر» الجديدة المصنعة فى الخارج لأسباب تتعلق بالأمن القومى    تنفيذي حلفا يتفقد عدداً من المؤسسات بوحدة عبري    المملكة تتقدم للمرتبة ال22 عالميًا بتقرير السعادة العالمي    السودان يقدم واجب العزاء لكل من قطر وتركيا في ضحايا حادث المروحية المأساوي    التذبذب العالمي يربك سوق "الذهب" في مصر.. ماذا حدث؟    تصعيد مجموعة من الشباب للفريق الأول بالأهلى.. اعرف التفاصيل    النجوم الأكثر جاذبية.. كريستيانو رونالدو يتصدر أوسم اللاعبين فى 2026    روضة الحاج: لكنَّني وكعادتي في الحربِ لا أستسلمُ!    هاجر أحمد توجه الشكر لمخرجة ومدير تصوير مسلسل أب ولكن    محمد علاء : حبيت طارق جدا فى توابع وتعبنى أكتر من شهاب فى عين سحرية    الصحة العالمية : إنقاذ 83 مليون مصاب بالسل فى العالم منذ عام 2000    شاهد بالصورة والفيديو.. مواطن كويتي يشيد بقرار حكومة بلاده بالإستعانة بأساتذة سودانيين: (هذا خبر يساوي مليون دينار)    شاهد بالفيديو.. المطرب يوسف البربري يمازح الفنانة إنصاف مدني في حفل جمعهما بالسعودية (إنصاف عزيزة عليا) وملكة الدلوكة ترد عليه: (كضاب)    شاهد.. ماذا قالت الفنانة ندى القلعة عن المطرب سجاد بحري!!    شاهد بالفيديو.. دكتور حمزة عوض الله يعلق على هزيمة الهلال: (كل قرارات حكم المباراة بما فيها ضربة الجزاء صحيحة والهلال أقصى نفسه بنفسه)    الكرمك ومنحدراتها الجبلية مناطق غنية بالذهب ومعدن الكروم والمطامع الدولية والإقليمية    فيديو والمادة"5″..الهلال السوداني يبعث بخطاب ل"كاف"    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    مناوي: تعيين أمجد فريد يعكس توجهاً لتجديد العمل السياسي في السودان    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    ابتكار يعيد الحياة لوظائف البنكرياس    دراسة تؤكد تأثير صحة الأب على الحمل والجنين أكثر مما كان يعتقد    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الذاكرة السمكية - الإنقاذ وسوء الخاتمة !
نشر في الراكوبة يوم 06 - 02 - 2013

تتعلم بعض الشعوب من تجارب غيرها وتستخلص العبر وتستفيد من الدروس فتأخذ الإيجابيات التي توافق بيئتها العقائدية ومنظومتها الأخلاقية وتوائم مواصفات السيكولوجية المتوارثة لإنسانها في حين تنبذ السلبيات فتختصر بذلك على نفسها المراحل وكثيراً من المعاناة التي يتطلبها التدرج وارتقاء سلم الحضارة والمدنية وهذه الشعوب خصها المولى سبحانه بذاكرة توثيقية متقدة بالإضافة لاعتمادها التدوين عوضا عن المشافهة في حفظ تاريخها مما يجعل تراكم تجاربها وإرثها الحضاري متصلاً وحاضراً بتفاصيله في الوجدان الجمعي ويساعد على حفظه من الضياع أو التحريف، الشيء الذي يزودها بالخبرة والمهارة اللازمة التي تجعل مهمة انتقالها من مرحلة تاريخية إلى أخرى أكثر تقدماً سلساً وخالياً من الصراعات الحادة لتناقضاتها الباطنية فتتمكن قبل غيرها من وضع أسس المجتمع المدني الحديث وتنجح بامتياز في بناء دولة العدل والقانون .
وعلى العكس من ذلك تعاني الشعوب مثقوبة الذاكرة التي أدمنت نهج المشافهة وخاصمت التدوين من صعوبة الانتقال من حلقة تاريخية إلى أخرى فتعيد تكرار الحلقة الواحدة جدليا أكثر من مرة وتقع في فخ الدوائر التاريخية الشريرة "انقلاب عسكري/انتفاضة/انقلاب عسكري" وتظل تدور في فراغها مثل ثور "الساقية" فذاكرتها الجمعية "سمكية" لا تختزن تجاربها دع عنك الاستفادة من تجارب الآخرين فتتعثر خطوات سيرها في طريق التقدم نتيجة للفشل في تقديم الإجابات الشافية للأسئلة الوجودية التي ترتكز عليه ركائز المجتمع المدني القادر على محاصرة تناقضاته الباطنية والوصول لمساومة تاريخية تمكنه من صياغة الهوية الوطنية كشرط أساس من شروط بناء دولة العدل والقانون فالسودان الجغرافي رغم قدم الشعوب والأعراق التي قطنته يصنف للأسف ضمن شعوب المشافهة سمكية الذاكرة.
ولعل السبب الأساس لهذه العلة قد تمثل في اتساع مساحة السودان ووجود كثافة من الأعراق والأجناس المختلفة التي قطنته وانضمت لها في مراحل لاحقة أيضا مجموعات مهاجرة غلبت عليها السمة الرعوية أثرت بثقافتها العربية البدوية على المكون الأصلي من السكان ونقلت إليه ميراث المشافهة ممَّا صعب ولوج مرحلة الدولة الموحدة، ونلحظ أن المساومة السياسية الأهم في تاريخ السودان التي حدثت بعد زوال الممالك المسيحية القديمة "المقرة وعلوة" على يد عمارة دنقس وعبد الله جماع وأفضت لتأسيس السلطنة الزرقاء "1504 – 1821م" قد نأت بنفسها عن النظام المركزي القابض واختارت نظاماً لا مركزياً فضفاضاً لإدارة السلطنة، الشيء الذي أتاح لكل مجموعة عرقية أن تتقوقع في صدفتها وتظل أسيرة ثقافتها محافظة على نقائها العرقي فلم يتم التزاوج والاختلاط المطلوب لصهر تلك الأجناس والشعوب في بوتقة قومية واحدة.
يشرح هذا الوضع بصورة جلية "نعوم شقير" في سفره المهم "تاريخ السودان" فيقول: "امتدت مملكة الفونج من الشلال الثالث إلي أقصي جبال فازوغلي شمالا، وجنوبا من سواكن علي البحر الأحمر إلي النيل الأبيض شرقا وغربا، وكان الحد بين سنار ومشيخة قري (الحلفايا) مدينة أربجي بقرب المسلمية والتنظيم الإداري من أربجي فصاعداً جنوبا كان تابعاً لملوك الفونج رأسا لا دخل لمشايخ قري فيه، ومنها شمالا إلى الشلال الثالث كان تابعاً لإدارة مشيخة قري أو العبدلاب تحت سيادة ملوك الفونج. وكانت المملكة منقسمة إلى عدة ممالك ومشيخات من سود ونوبة وحضر وبادية، وكان كل ملك أو شيخ يدفع الجزية لملك سنار، إلا أن له نوعاً من الاستقلال والممالك هي: مشيخة خشم البحر، مملكة فازوغلي، مشيخة الحمدة، مملكة بني عامر، مملكة الحلنقة. أما الممالك والمشيخات التي خضعت للفونج بواسطة العبدلاب فهي: مشيخة الشنابلة، مملكة الجموعية، مملكة الجعليين، مملكة الميرفاب، مملكة الرباطاب، مملكة الشايقية، مملكة الدفار، مملكة الخندق، مملكة الخناق، مملكة أرقو.
ويؤكد د. يوسف فضل هذه الحقيقة التاريخية أيضا في سفره " مقدمة في تاريخ الممالك السودانية في السودان الشرقي" قائلا: (كانت مملكة الفونج أبعد ما تكون عن الحكومة المركزية، فليست هناك مؤسسات إدارية متماثلة تنتشر في سائر أنحاء المملكة ربما عدا التنظيم القبلي، وكان تدخل السلاطين في الشؤون الداخلية وتعيين شيخ أو زعيم أو ما يعرف بالمك (وجمعها مكوك) مكان الزعيم المتوقي ولكن من أسرته الحاكمة) هذا يوضح أن المساومة التاريخية الأهم التي حدثت لوضع إطار دولة موحدة لما يعرف بالسودان اليوم قد خالفت نظم وأعراف الحكم في ذاك الزمان الذي نشأة فيه الممالك ونظم الحكم المركزية القابضة واستطاعت بقبضتها الحديدية أن توحد الأجناس والأعراق التي حكمتها وتصهرها في بوتقة وطنية واحدة ارتضاها الجميع بمرور الوقت وأصبحت فيما بعد من أهم عوامل استقرار ونهضة تلك الشعوب، ولو اختارت السلطنة الزرقاء النظام المركزي القابض في تلك المرحلة المتقدمة من تاريخ تأسيس الدولة السودانية لكنا اليوم ننعم بهوية وطنية مرضية على قرار ما حدث للجارة مصر في ظل النظم المركزية القابضة التي حكمتها تاريخيا.
هذا يكشف أن السلطنة الزرقاء التي تبنت النظام اللا مركزي الفيدرالي إذا ما صحت التسمية المتقدم على نظائره من نظم حكم بما أتاح من حقوق وحريات للشعوب التي خضعت لحكمه قد كان خصما على حسم طبيعة الهوية الوطنية حيث ظلت الأجناس والأعراق المكونة للسودان معزولة عن بعضها خاصة في ظل صعوبة التنقل والسفر بيد أن السلطنة الزرقاء قد قدمت ما استطاعت في سبيل توحيد وتشكيل لبنة السودان ومضت ليأتي حكم الاستعمار ويعمق الهوة بين شعوبه بما مارسه من سياسة "فرق تسد" التي دقت أسافين الفرقة بين مكوناته البشرية. وتمثل سياسة "المناطق المقفولة" التي مارسها من أجل عزل شعوب جنوب السودان قمة تجليات هذه السياسة البغيضة وأيضا تركه لإقليم دارفور وعدم الاهتمام بضمه للسلطة المركزية إلا في وقت متأخر كان من الأسباب التي عاقت اندماج شعوب السودان وانصهارها في بوتقة وطنية واحدة.
خضوع السودان لحكم الاستعمار الإنجليزي الذي رسم سياسة اقتصادية متوافقة مع مصالحه لم يهتم فيها بوضع خطط تنموية متوازية مما أدى لازدهار أقاليم على حساب الأخرى وواصل اهتمامه بترقية ورفاهية مركز الحكم وأهمل بقية المناطق التي ظلت تعاني التهميش وشح الخدمات الضرورية وعانت من الفقر وضعف الموارد المالية رغم أن أراضيها البكر تزخر بتنوع غير محدد في الثروات الطبيعية التي نهبت ورحلت كمواد خام لتعود في شكل منتجات مصنعة يعجز المواطن المنهوب عن شرائها، هذه السياسات الاقتصادية العرجاء قادت لثراء أهل بعض مناطق السودان وأفقرت الأغلبية الساحقة من أهله الشيء الذي عاق عملية انصهار مكوناته الاثنية في ظل التفاوت الطبقي مما أضعف لحمة المجتمع حديث التكوين، فظلت صياغة الهوية الوطنية محل صراع استمر أثره المدمر إلى اليوم.
جاء ميلاد فجر الاستقلال يحمل الفرح لأهل السودان ويحمل في ذات الوقت التناقضات الباطنية للمجتمع الهجين المتمثلة في الأسئلة الوجودية التي ظلت معلقة وعلى رأسها سؤال الهوية ونوع نظام الحكم الذي يجب أن يخضع له مجتمع متعدد الأعراق والمعتقدات والثقافات. أهمل قادة التحرير ورواد الاستقلال هذه القنابل الموقوتة عوضا عن مواجهة خطرها ونزع فتيلها ومارسوا سياسة تطييب الخواطر عل الزمن يتكفل بحلها فظلت كامنة في رحم المجتمع الهجين جمراً يستعر تحت رماد، وورقة استخدمتها بعض الأحزاب والقوى السياسية الوطنية قصيرة النظر من أجل تحقيق مكاسب آنية، وهكذا تعقدت الأسئلة المعلقة على جدار الصمت وتشعبت وازداد خطرها بعد أن ولجت سوق النخاسة السياسية.
ظل المجتمع السوداني حديث التكوين في بحث صامت ودءوب عن عروة وثقي توحده وتبعد عنه شبح التشرذم من جديد وطفقت بعض النخب الوطنية الجادة في طرح وتداول القضايا المعلقة المسكوت عنها "رواد مدرسة الغابة والصحراء" بيد أن القنوات الرسمية صمت الآذان وسدت المنافذ معتبرة جهد تلك النخب ترفاً لا يستحق النظر أو الالتفات إليه وإزاء هذا الوضع وخوفا من سقوط المجتمع في فخ الفراغ الحضاري وارتداده لعصبية القبيلة اختارت غالبية مكوناته التحلق حول العصبية الدينية منحازة للمكون الأكثر وعياً الذي مثلته القبائل العربية التي نزحت حاملة معها ارثها الديني الذي كان مؤهلاً أن يؤدي دوراً إيجابياً - بما حمل من مضامين سامية - في تشذيب عوار المجتمع الهجين إلا أن النخب الحاكمة التي لم تر أبعد من أرنبة أنفها وكراسي السلطة سخرت بغباء العامل الديني لزرع الفرقة والتمييز بين مكونات مجتمع يظل رغم أغلبيته المسلمة متعدد الديانات والمعتقدات.
حولت معظم الأحزاب السياسية وقادة النظم الدكتاتورية المتعاقبة الدين لسلعة وتاجرت بشعاراته لتحقيق مكاسب رخيصة غير مكترثة بقدسيته التي يجب أن تبعده عن مثل هذه الممارسات الشائنة ولا للدوره الإيجابي الذي يمكن أن يؤديه في استنهاض الأمة وتوحيدها إذا ما أحسن استخدامه، ليتحول على أيدي نخاسة السياسة من معتقد مقدس لمجرد مظهر اجتماعي تكتمل به زينة عقد الصفقات المشبوهة تجارية كانت أم سياسية وقد استغلت جماعة "الإنقاذ" الحاكمة اليوم باسم الإسلام هذا الواقع الذي أسهمت بالقدح المعلى في خلقه أبشع استغلال فقطعت باسم الدين أوصال المجتمع ومزقت وحدته وأمعنت في سياسات بذر الفرقة والشقاق بين مكوناته بمحاباة منسوبيها وتفضيل أبناء مناطق بعينها ليزيد حنق واحتقان بقية المناطق ويعود الاستقطاب العنصري ويقع الوطن في المحظور فيشهر الأخ سلاحه في وجه أخيه في إعلان جهور عن "سوء الخاتمة" لوطن طيب يلهج لسان أهله الأخيار في جوف الليل بالذكر والصلاة والابتهال طلبا للستر وحسن الخاتمة.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 05/02/2013م
الذاكرة السمكية - الإنقاذ وسوء الخاتمة !
تتعلم بعض الشعوب من تجارب غيرها وتستخلص العبر وتستفيد من الدروس فتأخذ الإيجابيات التي توافق بيئتها العقائدية ومنظومتها الأخلاقية وتوائم مواصفات السيكولوجية المتوارثة لإنسانها في حين تنبذ السلبيات فتختصر بذلك على نفسها المراحل وكثيراً من المعاناة التي يتطلبها التدرج وارتقاء سلم الحضارة والمدنية وهذه الشعوب خصها المولى سبحانه بذاكرة توثيقية متقدة بالإضافة لاعتمادها التدوين عوضا عن المشافهة في حفظ تاريخها مما يجعل تراكم تجاربها وإرثها الحضاري متصلاً وحاضراً بتفاصيله في الوجدان الجمعي ويساعد على حفظه من الضياع أو التحريف، الشيء الذي يزودها بالخبرة والمهارة اللازمة التي تجعل مهمة انتقالها من مرحلة تاريخية إلى أخرى أكثر تقدماً سلساً وخالياً من الصراعات الحادة لتناقضاتها الباطنية فتتمكن قبل غيرها من وضع أسس المجتمع المدني الحديث وتنجح بامتياز في بناء دولة العدل والقانون .
وعلى العكس من ذلك تعاني الشعوب مثقوبة الذاكرة التي أدمنت نهج المشافهة وخاصمت التدوين من صعوبة الانتقال من حلقة تاريخية إلى أخرى فتعيد تكرار الحلقة الواحدة جدليا أكثر من مرة وتقع في فخ الدوائر التاريخية الشريرة "انقلاب عسكري/انتفاضة/انقلاب عسكري" وتظل تدور في فراغها مثل ثور "الساقية" فذاكرتها الجمعية "سمكية" لا تختزن تجاربها دع عنك الاستفادة من تجارب الآخرين فتتعثر خطوات سيرها في طريق التقدم نتيجة للفشل في تقديم الإجابات الشافية للأسئلة الوجودية التي ترتكز عليه ركائز المجتمع المدني القادر على محاصرة تناقضاته الباطنية والوصول لمساومة تاريخية تمكنه من صياغة الهوية الوطنية كشرط أساس من شروط بناء دولة العدل والقانون فالسودان الجغرافي رغم قدم الشعوب والأعراق التي قطنته يصنف للأسف ضمن شعوب المشافهة سمكية الذاكرة.
ولعل السبب الأساس لهذه العلة قد تمثل في اتساع مساحة السودان ووجود كثافة من الأعراق والأجناس المختلفة التي قطنته وانضمت لها في مراحل لاحقة أيضا مجموعات مهاجرة غلبت عليها السمة الرعوية أثرت بثقافتها العربية البدوية على المكون الأصلي من السكان ونقلت إليه ميراث المشافهة ممَّا صعب ولوج مرحلة الدولة الموحدة، ونلحظ أن المساومة السياسية الأهم في تاريخ السودان التي حدثت بعد زوال الممالك المسيحية القديمة "المقرة وعلوة" على يد عمارة دنقس وعبد الله جماع وأفضت لتأسيس السلطنة الزرقاء "1504 – 1821م" قد نأت بنفسها عن النظام المركزي القابض واختارت نظاماً لا مركزياً فضفاضاً لإدارة السلطنة، الشيء الذي أتاح لكل مجموعة عرقية أن تتقوقع في صدفتها وتظل أسيرة ثقافتها محافظة على نقائها العرقي فلم يتم التزاوج والاختلاط المطلوب لصهر تلك الأجناس والشعوب في بوتقة قومية واحدة.
يشرح هذا الوضع بصورة جلية "نعوم شقير" في سفره المهم "تاريخ السودان" فيقول: "امتدت مملكة الفونج من الشلال الثالث إلي أقصي جبال فازوغلي شمالا، وجنوبا من سواكن علي البحر الأحمر إلي النيل الأبيض شرقا وغربا، وكان الحد بين سنار ومشيخة قري (الحلفايا) مدينة أربجي بقرب المسلمية والتنظيم الإداري من أربجي فصاعداً جنوبا كان تابعاً لملوك الفونج رأسا لا دخل لمشايخ قري فيه، ومنها شمالا إلى الشلال الثالث كان تابعاً لإدارة مشيخة قري أو العبدلاب تحت سيادة ملوك الفونج. وكانت المملكة منقسمة إلى عدة ممالك ومشيخات من سود ونوبة وحضر وبادية، وكان كل ملك أو شيخ يدفع الجزية لملك سنار، إلا أن له نوعاً من الاستقلال والممالك هي: مشيخة خشم البحر، مملكة فازوغلي، مشيخة الحمدة، مملكة بني عامر، مملكة الحلنقة. أما الممالك والمشيخات التي خضعت للفونج بواسطة العبدلاب فهي: مشيخة الشنابلة، مملكة الجموعية، مملكة الجعليين، مملكة الميرفاب، مملكة الرباطاب، مملكة الشايقية، مملكة الدفار، مملكة الخندق، مملكة الخناق، مملكة أرقو.
ويؤكد د. يوسف فضل هذه الحقيقة التاريخية أيضا في سفره " مقدمة في تاريخ الممالك السودانية في السودان الشرقي" قائلا: (كانت مملكة الفونج أبعد ما تكون عن الحكومة المركزية، فليست هناك مؤسسات إدارية متماثلة تنتشر في سائر أنحاء المملكة ربما عدا التنظيم القبلي، وكان تدخل السلاطين في الشؤون الداخلية وتعيين شيخ أو زعيم أو ما يعرف بالمك (وجمعها مكوك) مكان الزعيم المتوقي ولكن من أسرته الحاكمة) هذا يوضح أن المساومة التاريخية الأهم التي حدثت لوضع إطار دولة موحدة لما يعرف بالسودان اليوم قد خالفت نظم وأعراف الحكم في ذاك الزمان الذي نشأة فيه الممالك ونظم الحكم المركزية القابضة واستطاعت بقبضتها الحديدية أن توحد الأجناس والأعراق التي حكمتها وتصهرها في بوتقة وطنية واحدة ارتضاها الجميع بمرور الوقت وأصبحت فيما بعد من أهم عوامل استقرار ونهضة تلك الشعوب، ولو اختارت السلطنة الزرقاء النظام المركزي القابض في تلك المرحلة المتقدمة من تاريخ تأسيس الدولة السودانية لكنا اليوم ننعم بهوية وطنية مرضية على قرار ما حدث للجارة مصر في ظل النظم المركزية القابضة التي حكمتها تاريخيا.
هذا يكشف أن السلطنة الزرقاء التي تبنت النظام اللا مركزي الفيدرالي إذا ما صحت التسمية المتقدم على نظائره من نظم حكم بما أتاح من حقوق وحريات للشعوب التي خضعت لحكمه قد كان خصما على حسم طبيعة الهوية الوطنية حيث ظلت الأجناس والأعراق المكونة للسودان معزولة عن بعضها خاصة في ظل صعوبة التنقل والسفر بيد أن السلطنة الزرقاء قد قدمت ما استطاعت في سبيل توحيد وتشكيل لبنة السودان ومضت ليأتي حكم الاستعمار ويعمق الهوة بين شعوبه بما مارسه من سياسة "فرق تسد" التي دقت أسافين الفرقة بين مكوناته البشرية. وتمثل سياسة "المناطق المقفولة" التي مارسها من أجل عزل شعوب جنوب السودان قمة تجليات هذه السياسة البغيضة وأيضا تركه لإقليم دارفور وعدم الاهتمام بضمه للسلطة المركزية إلا في وقت متأخر كان من الأسباب التي عاقت اندماج شعوب السودان وانصهارها في بوتقة وطنية واحدة.
خضوع السودان لحكم الاستعمار الإنجليزي الذي رسم سياسة اقتصادية متوافقة مع مصالحه لم يهتم فيها بوضع خطط تنموية متوازية مما أدى لازدهار أقاليم على حساب الأخرى وواصل اهتمامه بترقية ورفاهية مركز الحكم وأهمل بقية المناطق التي ظلت تعاني التهميش وشح الخدمات الضرورية وعانت من الفقر وضعف الموارد المالية رغم أن أراضيها البكر تزخر بتنوع غير محدد في الثروات الطبيعية التي نهبت ورحلت كمواد خام لتعود في شكل منتجات مصنعة يعجز المواطن المنهوب عن شرائها، هذه السياسات الاقتصادية العرجاء قادت لثراء أهل بعض مناطق السودان وأفقرت الأغلبية الساحقة من أهله الشيء الذي عاق عملية انصهار مكوناته الاثنية في ظل التفاوت الطبقي مما أضعف لحمة المجتمع حديث التكوين، فظلت صياغة الهوية الوطنية محل صراع استمر أثره المدمر إلى اليوم.
جاء ميلاد فجر الاستقلال يحمل الفرح لأهل السودان ويحمل في ذات الوقت التناقضات الباطنية للمجتمع الهجين المتمثلة في الأسئلة الوجودية التي ظلت معلقة وعلى رأسها سؤال الهوية ونوع نظام الحكم الذي يجب أن يخضع له مجتمع متعدد الأعراق والمعتقدات والثقافات. أهمل قادة التحرير ورواد الاستقلال هذه القنابل الموقوتة عوضا عن مواجهة خطرها ونزع فتيلها ومارسوا سياسة تطييب الخواطر عل الزمن يتكفل بحلها فظلت كامنة في رحم المجتمع الهجين جمراً يستعر تحت رماد، وورقة استخدمتها بعض الأحزاب والقوى السياسية الوطنية قصيرة النظر من أجل تحقيق مكاسب آنية، وهكذا تعقدت الأسئلة المعلقة على جدار الصمت وتشعبت وازداد خطرها بعد أن ولجت سوق النخاسة السياسية.
ظل المجتمع السوداني حديث التكوين في بحث صامت ودءوب عن عروة وثقي توحده وتبعد عنه شبح التشرذم من جديد وطفقت بعض النخب الوطنية الجادة في طرح وتداول القضايا المعلقة المسكوت عنها "رواد مدرسة الغابة والصحراء" بيد أن القنوات الرسمية صمت الآذان وسدت المنافذ معتبرة جهد تلك النخب ترفاً لا يستحق النظر أو الالتفات إليه وإزاء هذا الوضع وخوفا من سقوط المجتمع في فخ الفراغ الحضاري وارتداده لعصبية القبيلة اختارت غالبية مكوناته التحلق حول العصبية الدينية منحازة للمكون الأكثر وعياً الذي مثلته القبائل العربية التي نزحت حاملة معها ارثها الديني الذي كان مؤهلاً أن يؤدي دوراً إيجابياً - بما حمل من مضامين سامية - في تشذيب عوار المجتمع الهجين إلا أن النخب الحاكمة التي لم تر أبعد من أرنبة أنفها وكراسي السلطة سخرت بغباء العامل الديني لزرع الفرقة والتمييز بين مكونات مجتمع يظل رغم أغلبيته المسلمة متعدد الديانات والمعتقدات.
حولت معظم الأحزاب السياسية وقادة النظم الدكتاتورية المتعاقبة الدين لسلعة وتاجرت بشعاراته لتحقيق مكاسب رخيصة غير مكترثة بقدسيته التي يجب أن تبعده عن مثل هذه الممارسات الشائنة ولا للدوره الإيجابي الذي يمكن أن يؤديه في استنهاض الأمة وتوحيدها إذا ما أحسن استخدامه، ليتحول على أيدي نخاسة السياسة من معتقد مقدس لمجرد مظهر اجتماعي تكتمل به زينة عقد الصفقات المشبوهة تجارية كانت أم سياسية وقد استغلت جماعة "الإنقاذ" الحاكمة اليوم باسم الإسلام هذا الواقع الذي أسهمت بالقدح المعلى في خلقه أبشع استغلال فقطعت باسم الدين أوصال المجتمع ومزقت وحدته وأمعنت في سياسات بذر الفرقة والشقاق بين مكوناته بمحاباة منسوبيها وتفضيل أبناء مناطق بعينها ليزيد حنق واحتقان بقية المناطق ويعود الاستقطاب العنصري ويقع الوطن في المحظور فيشهر الأخ سلاحه في وجه أخيه في إعلان جهور عن "سوء الخاتمة" لوطن طيب يلهج لسان أهله الأخيار في جوف الليل بالذكر والصلاة والابتهال طلبا للستر وحسن الخاتمة.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.