مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كشفُ اللّثام عن مخبوء الكلام (3) أيام الشريف حسين

وكنا نخاطب الشريف ب"مُوّلانا",ولا ولاية أحد على أحد إذا أخذنا المعنى الحرفي للكلمة, لأن الأغلبية – متدينين وغير متدينيين – كانوا في دواخلهمه يعافون استخدام المصطلح الديني في مجال السياسة, وإلا لكان الأولى أن تتّبع الأغلبية تيّار الطائفة لأن التّطيُّفَ وإن لم يقتلْ أبا أحدٍ منهم.فهو ألزم ألسنةّ كثيرةً الصمتً وفي أحسن الأحوال كان يمنحهم حق الكلام الناقص فقط: (الحريّة الموزونة. والترجيح عند القطب محل الاعتقاد!!). نقول "مولانا" . لفظٌ وجدناه سائرا من قبل التحاقنا الطوعي بالرجل, أو استدعائه البعض لما عطرت سيرتهم في الداخل. وسيِّرّ هذا اللفظ نفرٌ من أبناء الحيران الذين لبّوا نداءات الشريف تجاوبا مع الطرح الشريف, وهذا شأنهم. والحق أن منهم من كان يجهر برأيه فيُسَرُّ لذلك المعلِّم. وأحيانا نستجير من الشبهة بكلمة "رَيِّس" التي فقدت طعمها في مصر السادات و"مسَّخها سدنة النميري". أمّا لفظُ "المعلّم" فقد اخترعه شابٌّ ممن رأوا في أطروحات الشريف بوارق أملٍ للخلاصِ من الظلم المايوي, فهرع للشريف يذرع معه مَشَقَّاتِ الدّرب الوعِر. وكان الشريف أعجِب بذلك الشاب ونعته ب "الذكيِّ الشجاعِ", وكان الشاب العسكريّ يسارياً اشتراكياً آمن بالتعدديَة وخطر الفورات "الثورات" الانقلابية الفوقية. كأنه ندمً على احتفائه بمايو أوّل أوّل أمرها برغم أنه لا زال في مجال الخدمة العسكريّة ولولا أنه كان بعيدا عن الوطن في بعثة طويلة لكان أعفي من الخدمة عقب حركة مايو المعروفة بحركة هاشم العطا. كان النقيب "أبونخرة" يعُدُّ الحسين عسكريا فذّا يتفوّق معرفةً على الكثيرين من اللواءات "الورق". ولم يكوِّن رأيه هذا من الشعارات وما تبشّر به الكاسيتات وما تلهج به ألسنة الناس, ولا عجب فقد قضي معه الليالي الطِوالَ يناقش من منتصف الليل إلى ضحى النهاريناقشون أمر الخطوة القادمة, وبجانبه فنيّ برج المراقبة أحمد, وكان معهما د. سيف وأخوه. ولا أحد في العالمين كان يعلم ما نوينا عدا "أبو محمود, شوقي أبراهيم وأحد المقربّين جدا من الراحل عبدالناصر" وفي ما وراء البحر صلاح خَلَف "أبو إياد" قبل إخراجهم من لبنان, ورجال في السودان "يُشَحِّمون السلاح أوّلا بأوّل ويدفنونه في ضاحية أمْ بدَّة, ومهمة تربيط طائرات السيسنا الصغيرة في حاويات كبيرة ستصل للبحر الأحمر ما كنت أعرف لمن أوكِلت. لأن الشريف كان على درجةٍ من الحصافة والحذربحيث لن يسمح للبيض أن يوضع كلّه في سلّة واحدة, أبداً. غير أن الشاب عادل سيد احمد عبدالهادي كان اشتم رائحةً مّا.
ولما توفي الشريف فجأة مات المشروع بأيادي من وثقت فيهم من الكبار في إكماله, كانوا واجهات تُحسِن الخطابة وفزّاعات يهشّ بها النحل والذباب على وجه السواء .إذن كنت أنا أحد أسباب موت المهمة. بيننا وبين لحطة الصفر بضعة أشهر لا غير. ولم يُتفقُ علي قيادة جديدة بعد, لأن الأعمام كانوا يناورون بعضهم البعض, كلّهم باستثناء محمد عبدالجواد, ولكن محمدا لم يك يصلح لهذا الأمر, في تقديري, بكل ما يتصف به من حلم وخلق رفيع.
وفي مهمة البحث عن بديل – وهيهات – فقد اضطررت للتّخَيُّرمن بين الأقل كفاءةً , فكان أحمد زين العابدين المحامي لما رأيت فيه من جسارة تصل لحدّ الوقاحة ولسانٍ ذرِبٍ يواجه فيه الخصم بمنطقٍ وبلا منطق. كان مرّةّ تحدّى أحدهم بأن "طالِعني برّه". كأنني عثرت على "أبو سريجاً برّة, فارس الهمباتة في براري دار الريح", والحق فأن شخصية أحمد زين تتصل مع بشخصيات الهمباتة بِنَسَب. ف
في الوقت الذي كنا فيه نعقد الاجتماعات ليلَ نهار من أجل التمهيد لوضع محمد عبدالجواد في الصدارة, كنت أتقرّب من أحمد زين وأقابله في شقته واتناول معه خفيف الطعام ولما وثق بي ووثقت به صارحته بِثِقَلِ المهمة التي تواجهني بشأن إنقلاب اكتوبر القادم. أعطيته صورة إجمالية ولم أدخل معه في تفاصيل. وشاورته في أمر أحمد سعد عمر, ذلك الشاب الذي كان مقرّبا من الشريف الحسين ويقوم بمهمات مكوكية بين لندن ومعسكرات الصحراء الليبية. لم يكن أحمد سعد اتحادياً آنذاك. يتعاوَن معه في أخطر المهام ويكلف بمهمات كما يُكلف الشريف صديق إبراهيم الهندي, ولا تفاصيل معي, ولا كما يُستفادُ من الحضور المعنوي لوليِّ الدين المهدي وصهره المهندس أحمد عبدالله, أو ابن الزعيم الجنوبي كلمنت أمبورو. "زفّة", أو كما يُعرف في الأرياف ب" الرجال بيتغزّروا بالشوك" و" أنفخ ولو كان حِملك ريش". جمهرة كانت مفيدة, وهي بمثابة المُحرَّك الذي يُدهش الأصدقاء العرب لمدّ يد العون, تحسبّاً لما قد يصير إليه حراك الشريف.
كان تضخيم الذات في عيون الناس مهما ولا سيما الاعاريب الذين قد يقال لهم حين يمتنعون: " نحن نقدّر إخوتنا حين يجفوننا ويمنعون تأدية الشعائر المقدسة, نحترم تاريخنا ووقفة الملك فيصل معنا في مؤتمر اللاءات الثلاث ... ولن نلجأ للنقد أو الانتقام لأنفسنا, لن نتحدث عن الأطفال الجياع والنساء مهضومات الحق هناك ... ولا نتحدث عن الحراجات وأكواخ الصفيح في موانىء الدولة البترولية ,.., الخ" حدث هذا مرّة واحدة وأُغْدِقَ في العطاء. والصلات التاريخية وقرابات الدم مع ملكي الأردن والمغرب العربي كانت تثمر بالدعم الحميم. وتقول الرجرجة التي تنقل عن إعلام الطغيان " تاجر سلاح, وعندو طاقية إخفاء أو بتاع مضاربات شاطر في التجارة وأن مكنمارا كان يرى فيه عبقرية اقتصادية و... و.... الخ". كلام فارغ كتير يردده الناس "بتوع الكرامات, والتفسيرات الخرافية لكل ظاهرة".
جلسنا أنا والأحمدان وطلبت منها حلف اليمين بأن يظل هذا الأمر سرّا بيننا, ففعلا, ولكن لم يخطر ببالي أن أستحلفهما على أن لا يخفيا عني شيئا, وليتني فعلت. وكلفنا للأخ أحمد سعد أن يقوم بمقابلة الضباط كلاً على حدة والاحتفاظ بتفاصيل الخطة بيننا على أن لا يتأخر موعد الهجوم وحتى ذلك التاريخ سنفكر في صياغة البيانات بما فيه إعلان مدة الفترة الانتقالية وكيفية تنفيذ المهام العاجلة, وفعلا ذهب أحمد سعد عمر وقابل الضابط الرئيس وناقشوا في بينهم الامر, وابتعدوا عني تماما, ولم أعد اعرف شيئا, إلا النزر اليسير الذي يكفي للاطمئنان, ولا أشك في أحمد سعد أبدا. انتابني الشك في العم أحمد زين العابدين وفي الضباط. لأن أحمد سعد يقدرني جدا وقد أسهم في نجدتي في ما بعد لما عكر صفو حياتي البعثيون وضايقوني فوق ما ضيقوا على الكل. صحيح أنهم كانوا يدعمون في أمر الإعاشة واستمروا في تقديم العون اللازم للطلاب عن طريق المسئول الطلابي د. سيف. وفي ما بعد حاولوا التضييق على سيف نفسه ولكن بذكاء شديد شككوا فيه أقرب الناس: الاستاذ ربيع حسنين, ولكنه لما أُخضِع للمساءلة المادية في اثينا وبلجنة تضم موفدا من بغداد سودانيا (ولقد نسيت هل كان البغدادي فاروقا أم شيخون). رجع ربيع مع سيف متاحبين يثقان في بعضهما البعض, ويقول ربيع: " لم أر أحدا يدير دفاتر المال كما يديرها سيف".
ويخفى على بعض الناس أن الحسين نفسه كانت علاقته ببغداد وطرابلس فترت قبل رحيله بأكثر من عام. وكان هم طرابلس أن تُقَسِّم الحزب إربا إربا. وفعلت ذلك بجبهة فرولينا التشادية. جاءت فرولينا جبهةً واحدةً فانقسمت في ليبيا إلى "دستة" فصائل. ليبيا الغذافي لا تريد قادةً أقوياء في الدول المجاورة وبخاصة دعاة التحرر, ولك أن تتأمل في تلك القرصنة الجوية التي أنزلت قادة الإنقلاب الشيوعي على النميري ثم أسلمتهم للطاغية يحكم عليهم بالإعدام, ولا قانون في الكون يعدهم لأنهم لم يكونوا في مسرح الحدث. و"من الطوق ولي فوق" يتغنّى بالاشتراكية وتحرير آيلندة و...و.." وكلكم تعرفون. أما البعث العربي الاشتراكي فيريد – في تقديري – تفريغ الأحزاب من قادتها الواعدين واستمالتهم ومن ثم بعثنتهم, وحاولوا ذلك مع الأقوياء منّا, ولكنهم لا يعرفون الناس جيداً ويحسبون الانحناءات للعواصف بداية "التّبَعْثُن". كأن الحسين أعرض عن ليبيا تماما وبدأ في التحلل من بغداد, وألمح ذلك في رحلته الأخيرة للسعودية حيث لقي احتفاءً عظيما, وما كان سيلقى اهتماما كبيرا لولا أن السعوديين يعرفون ما لا يعرف الكثيرون. هذا من تقديراتي الشخصية ويحتاج لتدقيق.
ولم أكن مرتاحا لنقل جثمان الحسين عبر القارات من أثينا لطرابلس ثم بغداد, ولكنه قرار لم أسهم فيه لأني اعتذرت عن رفقته للحج وأرجعت التذكرة لا لشيئ إلا لأنني أردت لحجتي الأولى أن تكون من حر مالي. "أنا حجّيت مع الشريف, أنا حجيت مع الشريف, ما راكْبة أبداً" وليتقبل الله منه ما نوى. تلك الرحلة كانت تجديد ولاء للبلدين على حساب "البدن الطائر". تنفس النظام الصعداء برحيل الخصم الشريف اسماً على مُسمىً. حدثني العميد صلاح مبروك لما ألتقيته في منزل جارٍ دعاني للغداء على شرف زائره وقال: " لما نُعيَ الشريف أسرع أحد رجال مجلس الوزارء لمكتب النميري فرحا باشَاَ ليبشِّر النميري بأنّ الكلب مات". و"من الكلب؟". قال: "الشريف الهارب". فثار النميري في وجهه غاضباً: "كلْب إنتَ, هذا رجل عارضني بشراسة وشرف, وارتحل الآن إلى جوار ربه, كلِب إنتّ". وخرج المسئول كسيراً ورأسه إلى الأرض. ويدلّ على أن النميري قد أخصى بالطغيان نفوس حاشيته وفات عليه أن مِن قوّةِ القياديِّ الحقِ قوّة رجاله وإن الأمّعات سينفضون من حوله في الحيثُباصَ. وهو الحال في معظم البلدان الإفريقية والعربية, للأسف.
قلت إن علاقاتي بأحمد زين المحامي كانت وثيقة بسبب مشروع الإنقلاب. ولعل تلك العلاقة هي التي جعلت حلفاءنا البعثيين يحملون عليّ شديدا لدرجة إنهم سعوا لإخراجي من بريطانيا لأن تجديد الإقامة كان يحتاج لقدر بسيط من المال, ولكنهم اختاروا التضييق. ولن أظلمهم جميعا, فالاستلذ محمد ابراهيم خير والاستاذ عبدالباقي عمران كانوا أصدقاء أبدالهم احتراماً باحترام. ولكن الأستاذ شوقي ملاسي كان لا يطيقني أبدا لدرجة أنه انزعج لما علم انني جددت إقامتي. تصوّروا. من أين له بالمال اللازم؟ والحق أن من نجدني في تلك الفترة هو الاستاذ أحمد سعد. بيني وبينه عمل وثقة متبادلة زد على أن لا منة للبعث عليه لأنه في مواقع التدريب بالصحراء الليبية وأنه خارج نطاق المساءلة الاتحادية كونه ذراع مستقلة للشريف وقد استطاع أن يكسب ثقة الليبين حتى بعد رحيل الشريف. وأعذر رأس البعث شوقي ملاسي فأنا أقف مع رجل لما التقى ميشيل عفلق ولأوّل مرّة في سرادق العزاء وجثمان الحسين لمّا يزل في الصندوق القى كلمة شكر ووجه الشكر لميشيل عفلق والمُعَزِّين البعثيين وبعد اللقاء انتحوا جانبا مع ميشيل عفلق ليلقي بقنبلة, قال في ما قال لميشيل صاحب فكرة البعث العربي: " تسمعُ بالمعيديِّ ولا تراه", علّق على هيئته!!! هذه طامّة كبرى. ومعروف عن الأستاذ أحمد زين أنه لا يمكن أن يتكلم معك دون أن يجرحك. أألوم شوقي ملاسي. طبعا لا, ولكني لن أحبو لكسب ودّ أحد, وسأواصل السعي مع أحمد زين العابدين من أجل المشروع, ولسان حالي يلهج بحكمة والدتي: " الزول كان ما عايشتو بطبعو ظلمتو". فلأسايره إذن.
وكان أحمد زين قد حرّر لي شيكا بمبلغ أربعة آلاف جنيها استرلينيا . استلمته بعد أيٍّ و"لوْلوة"لأدفع الرسوم لجامعة لندن, ولم تكن الدراسة قصدي, كان قصدي الأول هو تثبيت الإقامة لمدة عام واحد فقط. وهذا مبلغ ضخم للذي يعرف أحمد زين. ولكني أعرف كم قبض وممن قبض, وأعرف قبْضَ زملائه (عبدالماجد أبو حسبو وعمر أحمد عبدالله وحسن حامد مهدي) وممّنْ. وسيأتي ذكره مُفَصَّلا.
في تلك الأثناء كان من المفترض أن نسافر للبنان. ولكن حدث أن حاولت أن أستشف بعض الأمور من عادل سيداحمد عبدالهادي لأنه كان – في ظني – وسيطاً بين الشريف وأبو محمود (شوقي إبراهيم, الجأه حكم السادات للندن لأنه كان مقربا من عبدالناصر والقائم على صحبة الزوار الكبار, بما فيهم شي جيفارا الذي افترش الخشب في فندق الهلتون في القاهرة حتى لا يعوّد جسمه التّنَعُم !).
وبطريقةٍ ما أدخل في روع أحمد زين العابدين أن سفرتنا المزمعة لبيروت قد تكون مكيدة للتخلص منه كزعيم. من فعل فعل ذلك؟ لا أدري. ولا يمكن أن يكون أحمد زين قد. جبن لأنه رجل لا يعرف إلى قلبه سبيلا. عُرِف أحمد زين بالتمسك بصلاته وأوراده وأنه ينتهج منهجا إسلاميا وسطا كما ورد في مؤلفه (المسلمون أمة الوسط). ويوهمك عنوان الكتاب بأن لأحمد زين العابدين رؤية سياسية أو برنامج سياسي. إلا أنك لما تجالسه وتناقشه تكتشف أن ذخيرته كلشيه واحد " التعليم.. التعليم ... التعليم". هذه رؤية قاصرة برغم بريقها. أين الاقتصاد؟ أين التنمية والبنى التحتية؟ لا يتكلم في هذه الأشياء, ولك أن تتصور مدرسة يعاني معلموها من الإفلاس ويعاني تلاميذها من الجوع. التعليم يحتاج لخطة كتفصيل معين من تصور كامل يشمل كل مناحي الحياة. وكأني به لم يستفد من الشريف أبدا, برغم أن الشريف يتمتع ب "كهربية" عالية تنتقل لمجالسيه سريعا فيتتغير مفاهيمهم وتعلو هممهم إلا من يعاني من صمم أو جاء ل"يتسنّط" ب "جُزْلانه". ولعل أحمد زين قد تطابق في ذهنه معنى الاقتصاد بمعنى التقتير الشديد.
أجمع الناس – في الخارج – على عدم أهلية أحمد زين وبدأت الترتيبات لتخطي مجموعة أحمد زين وبعد لقاءات مع أبو حسبو اتضح لهم أن أبا حسبو يشارك في الخوف من شبيبة الشريف ويسعى أيضا للتخلص منهم (وسيأتي التفصيل) ولا ذِكر لعمر أحمد عبدالله أو حسن حامد مهدي.
واستقر الرأي على أن يتولّي المهمة – ولو مؤقتا – محمد عبد الجواد برغم أنه رجل مقيد من حيث إقامة أسرته في بغداد علاوة على أن بغداد لا ترى فيه خطرا, وضغط البعثيون على الشباب يؤخرون الإعانات والإعاشات ولكن أحدا لم يسعى إليهم ولا أحمد زين ولا لعبدالماجد الذي حمل برنامجا لطرابلس بتكليف ٍ من الشبيبة في شقته في مونتاغو سكوير. ذهب وقبض ورجع وأعدّ مع أحمد زين تذاكر الرجوع لمن أراد طلاب وسياسيين مكلفين. تصوروا. فترة صعبة.
وللأمانة والتاريخ فإن شابا اسمه أحمد يوسف حمد وضع كل إمكانياته في خدمة الشباب التائه, إعاشة وتحضير اجتماعات ودفع متخرات فواتير, ولم يُحدِّث بما فعل إلي يومنا هذا, فطوبي لأحمد يوسف حمد. وليسامحني في نشر فضله, لأنه يناضل في خفاء ولم أسمعه يوما يقول " الشريف, الشريف ,,, ولمأ كنا في المعسكرات" ولو شاء أحمد سعد أو فتح الرحمن البدوي وصديق الهندي وأبوشامة ثم الشاب اللاحق التوم هحو أو أحمد حامذ لفضحوا الأدعياء الكذبة. لا أحد في العاصمة يوما حمل نبلاَ (ممن لاقيت في السودان ولندن) ناهيك عن بندقية خرطزش.
ولم أزل أحاول أحمد زين الذي لم يبق معه إلا أحمد بحيري وحسن مساعد استُقْدِم من ألمانيا. يريد صناعة السياسة اعتمادا على صحافة "الرونيو" ومن منازلهم!. ولكن شلة عادل سيدأحمد – كما نما لعلمي - خوّقته, أو أقنعته. وبدأ الانتظار الطويل ولكن أحمد سعد لم يعد من ليبيا, أو عاد ولم نره.
ثم تشب نار الفتنة في بيروت, ويرحل الفلسطينيون الذين كان سيتم معهم لقاء السلاح. ثم تطرد رئاستهم إلى تونس, وهناك يغتال أبو إياد وينقطع عني رأس الخيط, وضباطي يتهربون مني لأنه قيل لهم "سيتصل بكم ضابط اسمه أنس تتلقون منه التعليمات, ولم ير أيٌّ منهم هذا الأنس, ثم سئموا.
وسأفصل الذكريات أخطر مرحلة في تاريخ معارضة لندن, ما حدث من استقطابات دولية وتكتلات بينية وتسللات للقيادة من ناس لم يكن أمر السياسة يعنيهم مطلقا. وكيف لعب بالحبال بهلوانات بنوا اهراماتٍ كذبٍ على الصحبة الشريفة, ولن أنسى صحبتنا من غير الاتحاديين الذين ناضلوا في صفوف الطليعة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.