مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أوراق شوقى ملاسى (3): الغواصات البعثية وانقلاب السيد الميرغنى .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 31 - 03 - 2010


(1)
ليست لدى معرفة كافية بمصدر مصطلح "غوّاصة"، كما انه لا علم لى بتاريخ دخول المصطلح قاموس الراندوك السياسى السودانى، ولكننى بالطبع اعرف معنى اللفظة. والغواصة فى المفهوم العام تشير الى الكادر السياسى الذى يخفى انتماءه وولاءه الحقيقى فينخرط فى حزب او تنظيم مغاير، بهدف تحقيق أهداف سياسية معينه لصالح الكيان الأصلى الذى يواليه. وقد ثارت خلال نصف القرن الماضى شبهات حول شخصيات عديدة فاعلة ومؤثرة فى المشهد السياسى السودانى، بزعم ان هذه الشخصيات قامت – او لا زالت تقوم - بدور الغواصات داخل قطاعات وفصائل سياسية مخالفة. وأكثر تنظيم سياسى ثارت الشبهات حول توظيفه استراتيجية زرع الغواصات داخل المياه الاقليمية للكيانات الاخرى هو تنظيم الحركة الاسلاموية، بمسمياته التاريخية المختلفة. فقد دفعت الحركة بالكثير من كوادرها الى عمق الاحزاب الاخرى وبخاصة الحزبين التقليديين، الأمة والاتحادى الديمقراطى، بهدف التأثير على مسارى هذين الحزبين والسيطرة عليهما. ويحضرنى هنا أن احد شيوخ الحركة الاسلاموية وقادتها التاريخيين، الاستاذ أحمد عبد الرحمن محمد، ذكر لى فى العام 1988 أسمين لسياسيين نافذين فى حزب الامة، على أنهما من الكوادر الاسلاموية الأصيلة. وكان الشيخ أحمد، ربما بسبب كثرة مخالطتى للكيزان أمثال عادل الباز والدكتور خالد التجانى والراحل المرحوم محمد طه محمد احمد، يتوسم فى شخصى خيراً كثيراً، ويبرنى بما لذّ وطاب من أخبار الحركة الاسلاموية وأسرارها.
وقد طالعت قبل عدة سنوات لأحد الكتاب الاسلامويين مقالاً يزعم فيه ان الحزب الشيوعى حاول مجاراة الآخرين فى اتباع استراتيجية زرع الغواصات، فأوعز الى أحد كوادره غير المعروفة بالاندغام فى حزب الجبهة الاسلامية. ولكن الكادر الشيوعى، بعد عامين من المداومة على الصلاة، ومرافقة الأخيار، ومراقبة الأبرار من رجال الحركة ونسائها، هداه الله الى الصراط المستقيم، فكشف لقادة التنظيم عن هويته الحقيقية وطبيعة مهمته، وأعلنهم بهجرانه للماركسية ورغبته فى الالتحاق بهم بنيةٍ صافيةٍ صادقة وقلبٍ سليم. غير أننى لا أصدق زعم هذا الزاعم ولا اشتريه بفلسٍ واحد، بل أحسب روايته جزءاً من تكتيكات الحرب النفسية الموجهة ضد الحزب المناوئ، لا سيما وان الكاتب اخفق فى إيراد اسم الغواصة الشيوعى المتأسلم المفترض.
(2)
بيد أن أول من اعترف علانيةً باضطلاعه بدور الغواصة بين قيادييى الاحزاب السياسية السودانية هو الاستاذ شوقى ملاسى، صاحب المذكرات التى نغوص فى صفحاتها معاً ايها الأعز الأكرم. فقد التحق الاستاذ ملاسى بحزب الشعب الديمقراطى فى العام 1965 تحت زعامة الشيخ على عبد الرحمن، واصبح قيادياً فى صفوفه وخطيبا مفوهاً يخطب فى ندواته السياسية، بينما هو فى ذات الوقت عضو مؤسس أصيل وكادر قيادى نشط فى حزب البعث العربى الاشتراكى. وكان البعثيون قد قرروا كذلك ان يلتحق القياديان المؤسسان بدر الدين مدثر وسعيد حمور بصفوف الحزب الوطنى الاتحادى، فالتقيا فى هذا السبيل بالزعيم اسماعيل الازهرى الا ان خطة الالتحاق بالحزب الاتحادى تعثرت ولم تؤت أكلها. وكانت الاستراتيجية البعثية تقضى بأن يعمل الغواصون البعثيون، بعد اندغامهم فى الاحزاب الكبرى، على التأثير فى سياساتها وتوجيهها وجهةً عروبية تتسق واهداف البعث، أما الهدف الثانى فهو تمكين الكوادر البعثية من الدُربة السياسية واكتساب المهارات، والتعرف على مسارح العمل الحزبى وتضاريسه وخصائصه.
(3)
وبعد ان سجل الغواصة البعثى شوقى ملاسى اعترافه الذى قبلناه منه تقديراً لنبل اهداف حزبه الاصلى وجلال مقاصده، اذ كان الرجل وشيعته يتطلعون الى بناء (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)، اذا به يفجؤنا باعتراف آخر اكثر خطورة، وهو انه شارك فى التخطيط، ثم الخطوات التنفيذية، لانقلاب عسكرى فى العام 1965. وعندما قرأت أسماء الرعاة السياسيين ثم المخططين والمنفذين معه للانقلاب أدركت على الفور السبب الحقيقى الذى حدا بالصحيفة السودانية التى كانت قد شرعت قبل اعوام فى نشر مذكرات ملاسى مسلسلة، الى التوقف عن النشر والاعتذار لصاحب المذكرات. ومن الحق أن قوة ذاكرة ملاسى ودقته فى ايراد التفصيلات، مشفوعةً بصراحته الطليقة التى لا تعرف لنفسها حدوداً، وعدم اكتراثه بمن قد يصيبهم رذاذ مذكراته من الشخصيات العامة، من هم بين ظهرانينا ومن هم فى ذمة الله، ربما كانت جميعها عوامل لا يخطئها النظر عند قراءة المذكرات، ولعلها تضيف عنصراً حيوياً مؤثراً يجعل من الكتاب مصدراً هاماً من مصادر البحث التاريخى الصحافى والاكاديمى.
يقول ملاسى فى الصفحة 107 من المذكرات: (استدعانى الشيخ على عبد الرحمن لمقابلته فى منزل السيد على الميرغنى بالخرطوم بحرى فذهبت اليه فى الموعد، ووجدت معه السيد محمد عثمان الميرغنى، ودخلوا بى الى غرفة داخلية حيث طرحوا علىّ فكرة ان نقوم بانقلاب عسكرى بقيادة عبد الرحيم شنان). ونفهم بعد ذلك ان الهدف من الانقلاب هو تعطيل الانتخابات التى كان الاتفاق قد انعقد بين القوى السياسية الاخرى على اجرائها، وكان لتيار الختمية آنذاك أسبابه المعلنة والخفية لمقاطعة الانتخابات ومنع قيامها. وبسبب أن القوات المشاركة فى الانقلاب كان من المفترض وصولها من جهة ود مدنى، فقد طُلب من شوقى رسم خطة لقفل الطرق أمام حركة السير فى جميع انحاء العاصمة، ما عدا طريق مدنى، لتمر عليه قوات الانقلاب. وقد أقر صاحبنا بتسلمه أموالاً من السيدين محمد عثمان الميرغنى والشيخ على عبد الرحمن لمقابلة نفقات الخطة. وقد اقتضت الخطة التى رسمها شوقى وثلاثة من أعضاء الحزب، سمّاهم بأسمائهم، شراء كميات كبيرة من نوع معين من الكرات المعدنية، عبارة عن كرات صغيرة ذات عدد كبير من رؤوس المسامير المدببة. وكان من المقرر ان يتم تشتيت هذه الكرات المسمارية المدببة فى كل الشوارع الرئيسية ليلة الانقلاب لايقاف حركة السيارات عن طريق خرق إطاراتها، بما يؤمن تعطيل حركة السير تماماً فى انحاء العاصمة. وقد قام بتدبير الكميات المطلوبة من المسامير المدببة واخفائها فى مكانٍ ما بأطراف الخرطوم رجل مصرى، كان عضواً فى الجهاز السرى للاخوان المسلمين بمصر، ثم جاء هارباً الى السودان، وكان يعمل بالمنطقة الصناعية بالخرطوم. وقد ندّ اسم هذا الشخص العجيب عن ذاكرة ملاسى الفولاذية، ولكنه يذكر عنه انه تزوج بشقيقة الدكتور عبد الوهاب زين العابدين. وانا لا اعرف من هو عبد الوهاب زين العابدين، ولكننى لو كنت مكانه لما زوّجت شقيقتى لذلك المتآمر الاسلاموى المصرى، الذى عجز عن مواجهة جمال عبد الناصر وأجهزة أمنه الرادعة فى مصر فهرب يطلب الامان عندنا، ولكنه مع ذلك لم يجد بأساً من السعى لقلب حكوماتنا وتخريم اطارات عرباتنا. وأهل المحروسة يقولون فى شأن هذا المتآمر: (ما قدرش على الحمار اتشطّر على البردعة). ولكن مصر العزيزة ليست حماراً، ولا السودان بردعة. حاشاها وحاشانا.
(4)
كتب واحد ممن قرأوا مذكرات الاستاذ شوقى ملاسى عند اول صدورها قبل سنوات، تعليقا على الجزء المتعلق منها بأدوار المؤلف إبان انتفاضة اكتوبر 1964 بأن ملاسى يدون أحداث الانتفاضة وكأنه صانعها الوحيد. وقد ردّ على ذلك التعليق الاستاذ عبد العزيز حسين الصاوى فكتب: (الحقيقة أن ما ورد فى المذكرات لا يتعدى ما حدث فعلاً، ومعظم شهوده أحياء، وهو يبدو متضخماً لأن من طبيعة السير الذاتية تسليط الضوء على صاحبها، ولا يأتى ذكر الآخرين الا فى هذا الاطار). ولا شك ان الصاوى لم يشهد الا بالحق، فالاحداث التى وردت متسلسلة ودور ملاسى فيها اكدته ودعمته وطابقته مصادر اخرى عديدة. ومن ذلك كتاب "أحداث ثورة اكتوبر يوماً بيوم" الذى كتبه البروفيسور الأمريكى كلايف تومبسون، الاستاذ السابق بجامعة الخرطوم، والذى يُعتبر من أوثق واكثر المصادر نزاهةً فى تدوين أحداث تلك الانتفاضة التاريخية، وقد رصد البروفيسور تومبسون رصداً دقيقاً الوقائع المتداعية خلال الفترة من الأربعاء 21 اكتوبر وحتى الجمعة 30 اكتوبر 1964، مستعيناً بمشاهداته الشخصية وما وثقه من معلومات ومقابلات اجراها مع عدد كبير من الساسة والنقابيين والمهنيين والضباط الذين كان لهم دور مباشر فى تلك الوقائع. وقد قام بترجمة هذا الكتاب الى العربية البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمى وأصدرته دار نسق عام2009 . كما ان دور الاستاذ ملاسى فى انتفاضة اكتوبر وثّقه الاستاذ عبد المنعم المكى فى مادة صحفية راصدة للاحداث نشرتها صحيفة " الرأى العام" فى بداية نوفمبر 1964 ، أى فى الاسبوع الثانى من نجاح الانتفاضة وسقوط النظام العسكرى.
(5)
وتجد فى المذكرات الكثير من النقاط المثيرة للانتباه وبخاصة عن انقلاب مايو 1969 وانقلاب يوليو 1971. ويعزز من قيمة إفادات ملاسى هنا هو انه كان لصيقاً بصنّاع الانقلابين. من المعلومات الدقيقة التى تقف عليها، على سبيل المثال، الاجتماع الذى عقده تنظيم الضباط الاحرار لاختيار اعضاء مجلس قيادة الثورة فى الخامس عشر من مايو، قبل تنفيذ الانقلاب بعشرة أيام. والمصدر هنا هو صديقه الرائد فاروق عثمان حمد الله، الذى يبدو انه كان المنسق الأساسى للانقلاب. رشح الناصريون الرائد ابوالقاسم هاشم، الذى وصفه ملاسى ب " مفكر الناصريين" مع انه لم يكن من المشاركين فى تنفيذ الانقلاب. وقد انتهز فاروق حمد الله الفرصة، طالما ان هناك سابقة لضم عناصر من غير المشاركين فى التنفيذ، فرشح الرائد هاشم العطا، الذي كان وقتها نائبا للملحق العسكرى بالمانيا الغربية (السابقة)، على أساس انه كان قبلها يشغل منصب سكرتير تنظيم الضباط الاحرار. كما رشح المقدم بابكر النور مع انه أيضا لم يكن من المنفذين. ومن المعلومات المثيرة أن الضباط كانوا فى بلبال شديد ليلة التنفيذ، نتيجة لذيوع اخبار عن انكشاف أمر الانقلاب وتسرب اسراره، والخوف من العواقب الوخيمة، وان السبب الوحيد الذى دفع الضباط باتجاه التنفيذ هو تهور الرائد محجوب برير محمد نور، وتهديده بأنه قد قام بتنوير جنوده وهيأهم للتحرك، وانه سيتحرك بهم فى كل الاحوال، سواء شارك الآخرون ام لم يشاركوا، وتهديده بأنه سيقوم فى حالة القبض عليه بالاعتراف بكل شئ والتطوع بذكر أسماء كل الضباط عند التحقيق والمحاكمة المتوقعة.
وعن الرئيس السابق جعفر نميرى يذكر ملاسى نقلاً عن الرائد فاروق حمد الله انه بعد اختياره لقيادة الانقلاب اشترط للمشاركة فى التنفيذ ان توفر له طائرة يقودها الطيار صبرى أرباب لنقله الى القاهرة فى حال فشل الانقلاب. وهذه الرواية تعضد الشهادة التى ادلى بها الرائد محجوب برير محمد نور امام محكمة مدبرى انقلاب مايو التى شكلت بعد انتفاضة ابريل عام 1986. وكان الرائد محجوب برير قد ذكر أمام المحكمة ان جعفر نميرى جاء الى خور عمر ليلة التنفيذ بملابس مدنية وعندما ابدى الضباط استغرابهم ذكر لهم انه لا يريد ان يرتدى ملابس عسكرية حتى لا يتم التعرف عليه اذا تم كشف المخطط، وانه فى هذه الحالة يفكر فى المسارعة بالسفر الى القضارف لاحضار تعزيزات من القيادة الشرقية. وقد اثار ذلك غضب الضباط، فقام الرائد كامل عبد الحميد باحضار بدلة عسكرية وقذف بها فى وجه النميرى وطلب منه باستياء شديد ان يرتديها ان كان يزمع قيادتهم. وتعزز هذه الافادات روايات اخرى، عن خوَر الرئيس السابق وتخاذله عند الملمات، جاءت فى احدى كتب الدكتور منصور خالد وصف فيها ردة فعل جعفر نميرى عقب هجوم قوات الجبهة الوطنية على الخرطوم فى يوليو 1976 بقيادة العميد محمد نور سعد، اذ انه سارع بالاختفاء فى منزل احد اصدقائه بحى من أحياء الخرطوم، لعله حى العمارات، ولم يخرج قط حتى انجلى الموقف، مع انه كان القائد العام للقوات المسلحة، ويفترض فيه ان يكون فى موقع القيادة دفاعاً عن العاصمة، لا مختبئاً مع النساء والأطفال فى منازل الاصدقاء.
كما نجد معلومات كثيفة عن انقلاب يوليو 1971 . وقد لفت انتباهى- ضمن نقاط اخرى- ان عبد الخالق محجوب كان قد طلب مقابلة السفير العراقى، واجتمع به فعلا فى العشرين من يوليو بحضور شخص واحد فقط هو العميد (طيار) سعيد كسباوى. وقد طلب عبد الخالق من السفير ان ينقل الى حكومته ثلاثة طلبات وهى: خمسة مليون دولار كدعم مالى عاجل لتغطية الاحتياجات الضرورية للبلاد، حيث ان ارصدة السودان من العملات الصعبة، لم تكن تتجاوز فى ذلك اليوم مائة واربعون الف دولار. والثانى هو حضور وفد رسمى وشعبى إظهارا للدعم العراقى للانقلاب ومساندته، أما الطلب الثالث فكان هو موافقة القيادة القومية لحزب البعث على تعيين محمد سليمان الخليفة وزيراً للتربية والتعليم فى حكومة 19 يوليو.
ومعلوم ان الحكومة العراقية استجابت فأرسلت وفداً برئاسة محمد سليمان الخليفة، حفيد الخليفة عبدالله التعايشى، وعضو القيادة القومية لحزب البعث. وهناك مشهد مؤثر سجله ملاسى فى شأن الوفد والحادث المؤسف الذى انتهى بمقتل جميع اعضائه بعد انفجار الطائرة فى سماء المملكة السعودية. اذ ذكر بأنه عندما ذهب باكراً الى المطار لاستقبال الطائرة تم اخطاره بأن الطائرة ستتأخر، وتأخر الطائرات عن مواعيدها من الامور الطبيعية. ولكنه فوجئ بوالدة محمد سليمان الخليفة، الحاجة فاطمة، ابنة الأمير يونس ود الدكيم، وهى تبكى بشدة، وعندما سألها عن سبب بكائها قالت له أن ابنها مات، فلما ابدى استغرابه من كلامها، واصلت البكاء وذكرت له أنها كانت قد رأت كل شئ فى منامها، وان ابنها مات فعلاً. وبعد ساعات من ذلك الموقف أتت الانباء تفيد بسقوط الطائرة ومصرع جميع ركابها.
(6)
وما قرأناه عن طلب عبد الخالق محجوب موافقة القيادة العراقية على تعيين محمد سليمان الخليفة وزيراً، يضع حداً للتخمينات التى شاعت عن ان المعنى ربما كان هو الشيوعى المعروف الاستاذ الجامعى الدكتور محمد سليمان، زوج الدكتورة والناشطة السياسية والاكاديمية فاطمة بابكر. والاشارة هنا الى ورقة بخط يد عبد الخالق محجوب، كانت ضمن المضبوطات التى وجدت مع الاوراق التى تم تحريزها عند تفتيش مقار اقامته خلال ايام الانقلاب الثلاثة. وقد نُشرت صورة الورقة فى صدر صحيفتى "الايام" و"الصحافة" بعد دحر الانقلاب. وقد كانت تلك الوثيقة من أقوى الأدلة التى ساقتها المحكمة العسكرية فى صدد اثبات تورط عبد الخالق فى تنظيم الانقلاب. وتشتمل الورقة على مشروع لتشكيل مجلس الوزراء. من ضمن من وردت اسماؤهم فيها: عبد الكريم ميرغنى وزيرا للخارجية، قريب الله محمد حامد الانصارى وزيراً للمالية والتخطيط، مرتضى أحمد ابراهيم - شقيق الشاعر الراحل صلاح احمد ابراهيم - وزيراً للرى، الدكتور الطاهر عبد الرحمن وزيراً للصحة، مامون عثمان وزيراً للصناعة، عبد الرحيم موسى وزيراً للعدل، وقد وردت بعد اسمه عبارة (يُسأل الطيب ابوجديرى)، ثم: سيداحمد الجاك وزيراً للمواصلات، وسعاد ابراهيم احمد وزيراً للثقافة والاعلام. وقد ورد فى الوثيقة أيضاً بخط يد عبد الخالق محجوب عبارة (عبد الله على ابراهيم وكيلاً لوزارة الثقافة والاعلام). ولا شك فى أن اختيار عبد الخالق لعبدالله لتولى ذلك المنصب، فى وقت لم يكن فيه الأخير قد تجاوز التاسعة والعشرين من العمر، يؤشر الى ان شيخنا ومرشحنا الرئاسى السابق كانت له حظوة عظيمة عند السكرتير العام الراحل للحزب الشيوعى. وستطالع، أيها الأعز الأكرم، صورة هذه الوثيقة عما قريب، لو أذن المولى، على صفحات "الاحداث" الغراء ضمن سلسلة مقالات أعدها المؤرخ الدكتور عبد الماجد على بوب، ويتناول فيها بالعرض والتحليل تقرير القاضى حسن علوب، رئيس لجنة التحقيق فى أحداث انقلاب يوليو 1971.
(7)
تشتمل مذكرات الاستاذ شوقى ملاسى على عرض لبعض وقائع وأحداث فترة المعارضة لنظام مايو ودور تنظيم الجبهة الوطنية، بزعامة السيد الصادق المهدى ثم الشريف حسين الهندى، فى قيادة تلك المعارضة. ولم يستنكف صاحبنا عن ان يرسم لنا صوراً نابضة لمسرح يضج بالمؤامرات الصغيرة والصراع حول المال والنفوذ يقوم بدور البطولة فيه بعض رجال جعلوا من "النضال" حرفةً ومطيةً لكسب العيش. وقد عرفت معارضات الانظمة تاريخياً هذا النوع من المناضلين.
غير أنه مع مقتضى التنويه بالسلاسة والدقة والمصداقية العالية لأوراق شوقى، فانه لا بد لنا من إشارات عجلى لنقاط معينة اشتملت عليها الاوراق، ربما وجدنا انفسنا فيها على غير اتفاق مع صاحب المذكرات. لم تقع منى بعض مرويات الكتاب موقعاً حسناً، اذ غلب على ذهنى انكار ما وجدت عند شوقى والرغبة فى مواصلة الارتكان الى ما سلف عندى من مقولات ومعتقدات. مما استعصى علىّ قبوله، مع اننى لا املك دليلاً يفنده، ما ذهب اليه ملاسى من ان رئيس الوزراء السابق محمد أحمد محجوب الذى اطاح به انقلاب مايو كان على علم بمخطط الانقلاب وانه لعب دوراً فى انجاحه، وأن الرئيس جمال عبد الناصر عرض عليه قبلها منصب أمين عام جامعة الدول العربية فاعتذر. وأنا أميل الى الظن بأن المحجوب فوجئ بالانقلاب ولم تكن له يد فى صناعته، كما كتب هو فى مذكراته الموسومة " الديمقراطية فى الميزان".
كذلك لاحظت بعض أخطاء طفيفة لا بد منها فى مثل هذا النوع من الكتابات التى تعتصر الذاكرة اعتصارا وتعتمد على استرجاع الحادثات والوقائع ومشاهد التاريخ من على امتداد مسافات متنائية. من ذلك ان ملاسى كرر مرتين الاسم المفترض لنائب الجمعية التأسيسية الذى تنازل عن دائرته للسيد الصادق المهدى عندما بلغ الاخير الثلاثين من العمر وأراد لنفسه مقعداً فى البرلمان. وقد ذكر ملاسى الدائرة الجغرافية على انها احدى دوائر الدويم بالنيل الابيض، وان المرشح هو عبد السلام حمد فضيل. والصحيح ان المرشح الذى تنازل عن مقعده للسيد الصادق المهدى هو المرحوم السيد/ بشرى حامد نائب دائرة الجبلين. وبشرى حامد هو ابن شقيق الامام محمد احمد المهدى، وقد استشهد والده، شقيق الامام المهدى، فى معركة الشكّابة، آخر معارك الثورة المهدية، فهو ينحدر اذن من قلب البيت المهدوى وصميم القلعة الانصارية. ولست على علم بالاسباب التى حدت بابنى السيد/ بشرى حامد، الصديقين العزيزين المهندس عبدالسلام بشرى حامد، والمهندس حامد بشرى حامد، لهجر تراثهما الانصارى المهدوى العريق، والانخراط فى عضوية الحزب الشيوعى السودانى!
(8)
يُشار الى الاستاذ شوقى ملاسى على أنه واحد من اثنين يُنسب اليهما الدور الأبرز فى تأسيس حزب البعث فى السودان. والآخر هو بدرالدين مدثر (1939- (2005. ولقد لعب حزب البعث أدواراً متفاوته فى تاريخ السودان المعاش. التزم بعضها سبيل النضال السياسى السلمى الطويل النفس، واتخذ بعضها الآخر مسارات القوة والصراع المسلح. ومهما يكن فقد اصاب البعث فى السودان كسباً مشهوداً لمع فيه بدراً سياسيا عقائدياً، قبل ان ينتهى أمره الى محاق. ومن آيات انتصارات البعث فى السودان بادرات الغيرة السياسية التى أثارت ضده حفيظة اعرق الأحزاب العقائدية فى افريقيا، الا وهو الحزب الشيوعى السودانى، الذى نظر الى حزب البعث السودانى الناشئ كمنافس يسارى ذى وزن مقدر. وليس أدل على ذلك من تلك الدراسة النقدية التى أصدرها الحزب الشيوعى فى العام 1976 بعنوان "حزب البعث وقضايا التحالف الوطنى الديمقراطى فى السودان"، فى اعقاب مناقشة مستفيضة لاول وثيقة شاملة أصدرها البعث عام 1974 تحت عنوان "البعث وقضايا النضال الوطنى". وقد جاء فى الوثيقة الشيوعية: (يوحى البعث السودانى فى بعض الاحيان بأن التاريخ قد افرزه في لحظة كانت فيها حركته تمر بعنق زجاجة من الضيق بحيث لايفرز الا حزب البعث مرّكزاً فيه كل إيجابيات الحركة الوطنيه. الظهور المسيحي المخّلص لحزب البعث يمتص جميع الاحزاب الاخري ويحيلها الي دهاليز الحركة السياسيه. ولكن ما كل هذا الا وهم محض. التاريخ لم يفرز حزب البعث في أي عنق زجاجه صغيرا كان ام كبيرا، بل أفرزه كأحد تياراته الجانبيه، كأحد عناوينه الصغيرة، ولم يكلفه بهذا الدور الموهوم). ولم يتقاعس البعثيون فردوا الصاع صاعين فى وثيقة اخرى حملت ديباجتها: (نقد النقد أو: حول وثيقة الحزب الشيوعى المعنونة " البعث وقضايا النضال الوطنى).
غير أن الذى لا خلاف عليه، هو ان حزب البعث العربى الاشتراكى مات اكلينيكياً فى السودان كتنظيم سياسى فاعل، بعد ان تضعضع وتزعزع، وأصاب العطب منه الدماغ والمراكز العصبية، وتصلبت شرايينه، وتكسحت أطرافه بفعل عوامل متضافرة ليست أقلها موت الدولة النموذج عقب انهيار النظام البعثى فى العراق تحت سنابك خيول اليانكى فى بدايات العام 2003. وقد شهدت الاعوام التالية للغزو العراقى للكويت عام 1990 تحولات عقدية وتنظيمية كبرى فى صفوف القيادات التاريخية والكوادر الوسيطة والدنيا فى التنظيمات البعثية السودانية. والثابت ان فئة صغيرة من البعثيين تزعمت عملية اصلاح داخلى فى منتصف التسعينات انتهت الى طريق مسدود، وقد تجرأت تلك المجموعة فسعت الى محاكمة ممارسات بعض قيادات البعث التى كانت تعيش فى بغداد، كما ذهبت الى نقد التجربة العراقية بأسرها والحزب فى عمومه، ثم عمدت الى نقد التاريخ والأسس الفكرية للعقيدة البعثية. وكان من الطبيعى ان تصل هذه المحاولات النقدية الاصلاحية الى طريق مسدود، حيث أن من طبيعة الاشياء ان الاصلاح يستعصى على التنظيمات الشمولية، كما تستعصى هى عليه. وكان من محصلة المتاهات التى توزعت فى دروبها الفكرة والتنظيم البعثيين أن تطرقت قياداتها وكادراتها طرائق قددا، فاتجه بعضها وجهةً ليبرالية، بينما القت قيادات وكادرات اخرى عصا التسيار أمام مضارب العشيرة الاسلاموية، فاستنامت شريحة واسعة من البعثيين الى تبنى المواقف والمناهج وطرق التفكير الاسلاموى. وما كان ذلك غريبا او عصياً على الفهم بحالٍ من الاحوال، فالقوميون والاسلامويون، على كثرة وعمق ما يفرقهم، يجمعهم العداء الأرعن للولايات المتحدة، كما يجمع المغناطيس نثارات المعادن. وقد استولدت التحديات التى انتجها الغزو الأمريكى فى بداية الالفية موجةً عارمة من الهيجان الدينى القومى، عززته أدبيات تعتاش تقليدياً على شجن العداء السياسى للغرب، وكان من ثمار هذه الموجة بروز قواسم مشتركة جمعت تحت مظلتها قطاعات واسعة من الاسلامويين والبعثيين والقوميين والناصريين.
(9)
فى أى موقع اختار الاستاذ شوقى ملاسى أن يرمى بسهمه وهو يُعاظل معمعة التحولات الكبرى هذه؟ أنا ازعم انه اختار المعسكر القومى الاسلاموى. شاهدى فى ذلك دعمه المثابر لنظام الانقاذ فى السودان، من خلال مقالات له منشورة ظهرت مؤخراً تصب جميعها فى عمق البحيرة الاسلاموية. ولكن تقويم مواقف ملاسى الحاضرة ليست من أغراض عملنا، اذ لم يكن الحاضر غايتنا، بل كان اكبر همنا ان نلقى ببعض إضاءات كواشف على سيرة هذا المناضل العتيد، من واقع مذكراته التى شهد لها الأقربون والأبعدون بالتجرد والصراحة الكاملة، وتحرى الموضوعية، والتزام روح العدل والنصفة، وقد فعلنا. والله نسأل ان يكتب لاستاذنا شوقى حسب الله ملاسى، وهذا هو اسمه الكامل، فى كتاب الأعمال الصالحات، ما أفاء على شعبه من فضل بصياغة ونشر هذه الأوراق. وأن يثيب محررها، والناهض على مهمة اعدادها للنشر فى صورتها النهائية، الاستاذ محمد سيد أحمد عتيق، أجزل المثوبة.
نقلا عن صحيفة "الاحداث" – 31 مارس 2010
مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.