قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



متى يستفيد السودان من مزاياه النسبية؟!
نشر في الراكوبة يوم 12 - 03 - 2013

كلمة أو عبارة (مَزِيَّة) تعني لُغوياً صفة تُميِّز الشَّيءَ المعني (أياً كان هذا الشئ) عن غيره، وفي العُرف أو الأدب الاقتصادي والإداري فإنَّ عبارة (مَيِّزَة نسبية) تعني قدرة الدولة المعنية على إنتاج سلعة أو سلع أو مُنتَج (مُنتجات) بتكاليف أقلَّ من الدول الأُخرى أو بعضها على أقلَّ تقدير وبدرجة عالية من الجودة. وفي العديد من الأدبيات الاقتصادية والإدارية يُطلَق عليها مُصطلح الميزة التنافُسية Comparative Advantage، حيث عرَّفها البعضُ بأنَّها المهارة أو التقنية أو المورد المُتميِّز الذي يتيح إنتاج مجموعة من القيم والمنافع تزيد عمَّا يُقدِّمه أو يُنتجه المُنافسون، مع حتمية توفُّر عنُصري التميُّز والاختلاف عن أُولئك المُنافسين وإقبال المُستفيد النهائي على هذا الاختلاف والتميُّز. وتُضيف بعض الأدبيات الاقتصادية بأنَّ جوهر الميزة التنافسية يدور حول الإبداع، باعتبار أنَّ هذه الميزة التنافسية في جوهرها تعني اكتشاف طرق وأساليب جديدة أكثر فعالية من التي يستخدمها المنافسون.
والميزة التنافسية (النسبية) لها نوعين رئيسيين هما ميزة التكاليف القليلة وهي تتحقَّق حينما تكون تكاليف المُنتَج أقلَّ منها لدى المُنافسين، وثاني أنواعها يتمثَّل في ميزة التميُّز وذلك عبر اكتساب خصائص فريدة في المُنتَج المعني عمَّا هو موجود لدى المُنافسين أو ما يُعرف بالتفرُّد. على أنَّ هناك معاييراً مُعيَّنة لتحديد درجة كفاءة أو جودة الميزة التنافسية، لعلَّ أبرزها مصدر الميزة فيما إذا كانت مُنخفضة أو مُرتفعة، بجانب عدد مصادر المَيِّزة (هل هي مَيِّزة واحدة أم مُتعدِّدة؟). ومن معايير جودة الميزة التنافسية أيضاً درجة تحسينها أو تطويرها وتجديدها بشكلٍ دائمٍ ومُتسارع، عبر إيجاد مزايا جديدة تلافياً لتقليد أو مُحاكاة الميزة المعنية من قِبَلْ المُنافسين. وبصفةٍ عامَّة، أصبح مفهوم الميزة التنافسية (النسبية) نقطة الانطلاق لأي تفكير استراتيجي أو اقتصادي بل والمُحرِّك أو الدافع الحقيقي لتلك الانطلاقة، سواء على صعيد الأعمال التجارية (القطاع الخاص) بأحجامها وأُطُرها المُختلفة، أو على صعيد الدولة (مُنفردة كانت أو في إطار ثُنائي أو تكاملي إقليمي ودولي). فالإدارة بمفهومها الحديث أخذت الطابع المُتحرِّك (الديناميكي) باستمرار تبعاً للتغيُّرات والمُستجدَّات في البيئتين الداخلية والخارجية – بالنسبة للأعمال الخاصَّة أو الدول – والجميع يسعى لتحقيق التفوُّق واستمراره، وهو – أي التفوُّق والتميُّز – لا يُعدُّ وقتياً أو آنياً (قصير أو مُتوسِّط المدى)، وإنَّما يدخل في إطار استراتيجي طويل وبعيد المدى، ويحتاج لجهودٍ دائمةٍ ومُستمرَّة لحفظ توازُن جميع أطراف العملية الاقتصادية.
قادني لهذه المُقدِّمة العلمية، والتي اجتهدتُ كثيراً في اختصارها، ما نحياه في السودان من واقعٍ مُزرٍ ومُتراجعٍ بنحوٍ كبير في كافة الأصعدة بخاصَّة على الصعيد الاقتصادي، والذي أصاب – ليس فقط – أهل السودان وإنَّما جميع أهل الأرض بالدهشة! فالواقع الاقتصادي الماثل لا يتماشى أبداً والمُعطيات التي يتمتَّع بها السودان! فقد حبانا المولى جلَّ وعلا بمجموعة من الموارد الطبيعية التي يسيلُ لها لُعاب العالم أجمع، وتجد الاهتمام والتقدير العالي من الجميع إلا من القائمين على أمر هذه البلد! فالسودان يتمتَّع (حتَّى بعد انفصال الجنوب) بمساحات شاسعة من الأراضي النوعية، التي تصلُح لزراعة العديد من المحاصيل (سواء حقلية أو بُستانية)، ودرجة عالية من الجودة والنظافة (بيئياً)، بجانب مصادر مُتعدِّدة للمياه سواء كانت سطحية كالأنهار الدائمة أو الموسمية، أو المياه الجوفية كالحجر النوبي وغيره. فضلاً عن الأمطار الغزيرة في جانبٍ كبيرٍ من أراضينا، ومناخاً مُتنوِّعاً على مدار العام (ما بين خريفٍ وصيف جاف ومُمطر وشتاءٍ كذلك)، وثروة حيوانية وسمكية ضخمة جداً وموقعٍ جُغرافيٍ مُتميِّز (يربط السودان بين الدول العربية والأفريقية مع إطلالته على البحر الأحمر عبر ميناءين). كما حبانا الله عزَّ وجل بموارد بشرية مشهودة بالخبرة والكفاءة – عالمياً وإقليمياً – وساهمت في تنمية وتطوير العديد من البُلدان، وتجد كل احترامٍ وتقدير إلا داخل بلدهم!
مع كل ما ذكرنا أعلاه، يحيا السودان تراجُعاً مُخيفاً ورهيباً على كافة الأصعدة، لا سيما الاقتصادي للدرجة التي جعلتنا تارةً نُهلِّل لل(ديون) ونبتهج بها ونتَّخذها ك(بُشرى وهي مرحلة مُتأخِّرة من التراجُع!)! وتارةً أخرى نسأل الدول (القريب منها والبعيد) ونلومها على عدم إيفائها باستحقاقاتها تجاهنا! ومُؤخَّراً ما عُرف بقانون الاستثمار بما حواه من ألغامٍ وقنابل قابلة للانفجار في أي لحظة بحثاً عن مخرجٍ لتعقيداتنا التي عمَّقناها بأنفسنا وأيادينا، والحديث يطول في هذه الجُزئية التي سنُفرد لها مساحة خاصَّة إذا كان في العمر بقية بعون الله!
للأسف الشديد نحنُ في السودان نحيا في هذا الوضع المُعقَّد جداً، والذي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم لأنَّنا لم نستفد من مزايانا النسبية العديدة التي نتمتَّعُ بها رغم إقرارنا بوجودها وهذا ما يُثيرُ الاستفهام والدهشة!! ولعلَّ أكثر لحظات الدهشة (الأقرب للجنون) حينما نرى الاهتمام الكثيف بالأشياء المجهولة أو التي في رحم الغيب، مع إهمال وتدمير الأشياء ال(مُجرَّبة) وال(مضمونة). ولكي ما يكون حديثنا مُؤسَّسياً ومنطقياً ومُباشراً، سنتحدَّث بلغة الأرقام (وهي لا تكذب) والتي تقول بأنَّ قيمة الفجوة الغذائية في العالم العربي، بلغت نحو 34.4 مليار دولار في عام 2011 (وهي أقلَّ من ديون السودان – أيَّ أنَّ تكلفة غذاء الأمَّة العربية بأكملها من المُحيط إلى الخليج تقل عن ديون السودان بنحو 10 مليار! وهذا موضوعٌ آخر سنُفرد له أيضاً مساحة خاصَّة إذا كان في العمر بقية). وتقول الأرقام، كذلك، باستمرار العجز في بعض المحاصيل الرئيسية، حيث تستورد الدول العربية أكثر من 50% من احتياجاتها من الحبوب، ونحو 63% من الزيوت النباتية، وحوالي 71% من السكر، وشكَّلت هذه السلع نحو 76% من قيمة الفجوة الغذائية أي مجموعة الحبوب والمحاصيل السكرية والزيتية ونوعاً ما اللحوم الحمراء.
هنا يأتي السؤال هل هذه المطلوبات جميعها أو بعضها في السودان؟ ولو شئنا الدقَّة نسأل عن هل بإمكان السودان توفير هذه المطلوبات للأُمَّة العربية؟ ثمَّ نسأل (إذا كانت الإجابة نعم) ماذا فعلنا كدولة في سبيل ذلك؟! الواقع يقول بأنَّ الدولة مشغولة بالبترول الغائب ذو العائد غير المُجزي والمضمون (انطلاقاً من واقعنا المعيشي الحالي والمناطق التي يتركَّز فيها البترول وما تشهده من نزاعاتٍ لم تنته حتَّى الآن مع ضغوط حياتية مُتصاعدة باضطراد تُحتِّم سُرعة المُعالجة ولا تحتمل الانتظار)، بخلاف تكاليف إنتاجه – البترول – العالية (يدخل فيها عامل الحماية!). والدولة مشغولة أيضاً بالجبايات والرسوم التي أضعفت الإنتاج وأخرجت العديد من المُنتجين (في أكثر من قطاع) من دائرته، وهو ما ظلَّ العديدين غيرنا يُحذِّرون منه (البُعد عن الرسوم وعدم الاعتماد عليها كإيراد حكومي أو دخل قومي) حتى وصلنا إلى حالة أقرب للشلل الإنتاجي التام!
ومُؤخَّراً – ونخشى ألا يكون آخراً – انشغلت الدولة بموضة المعادن وعلى رأسها الذهب بأخطاره البيئية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية الكبيرة على المُستويين قصير وطويل المدى! وأهملت تماماً مزايانا النسبية الحقيقية، التي من بينها على سبيل المثال فقط وليس الحصر، محاصيل الزيوت (الفول السوداني والسمسم والقُوار وزهرة الشمس)، وهي محاصيل ومُنتجات مضمونة ال(عائد) وقليلة ال(تكاليف) مُقارنةً بالمعادن التي لا أثر إيجابي لها على حياتنا حتَّى الآن، ولم نر منها غير المشاكل التي ذكرت الصحف عدداً كبيراً منها، بخلاف التكاليف المُترتِّبة على إقامة عدد من الفعاليات التي استصحبت ظهور المعادن ومن ذلك إنشاء مصفى للذهب بتكاليف عالية جداً (لا أدري من أين تمَّ تدبُّرها ومتى وكيف سيتم استرداد تكلفتها وعوائدها؟)، مع ملاحظة أنَّ كميات المُنتَج المعني (الذهب) أساساً دون مُستوى – ليس فقط الطموح – وإنَّما دون مُستوى إنشاء مصفى بهذه التكاليف والضخامة! وهناك المُؤتمرات والندوات والاجتماعات التي عُقدَت حول ال(ذهب الغائب)، وجميعها تكاليف كان يُمكن الاستفادة منها فيما هو مُجدي ومُفيد للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي نحياها في السودان، والتي لا تحتمل التسويف أو التنظير بل الدراسة والتدبُّر في موقع خطانا التي نخطوها!!
ماذا فعلنا لتوسعة مساحات وزيادة إنتاج المحاصيل الزيتية وتحسينها وتطويرها واستدامتها؟ بل ماذا فعلنا للمُحافظة على ما كنا نُنتجه سابقاً (زراعةً وتصنيعاً)؟ وهو الذي كانت عوائده مضمونة ومحسوسة ومُؤثِّرة ورأيناها جميعاً – رأي العين – وتمتَّعنا بها وساهمت في تغطية جانبٍ كبيرٍ من احتياجاتنا ومُتطلباتنا الحياتية، وحينها لم يكن هناك بترول ولا غيره! مَنْ مِنَّا (الناضجين عُمراً) لم يرَ أو يشعُر بعوائد القطن أو ريادة زهرة الشمس وتفوُّق الفول السوداني والسمسم؟ ثمَّ فلنُقارن مُخرجات ما ذكرنا مع مُعطيات الزخم الجاري حالياً حول البترول والمعادن وغيرها! ولعلَّ ما يُدهش حقاً أنَّ الجميع – دولاً ومُؤسَّسات وأفراد – يُحافظون على ما يُميِّزهم إلا نحنُ في السودان، دمَّرنا وانتهينا من نجاحاتنا وأصبحنا نلهثُ خلف الغيبيات، ونسعى للسؤال والاستجداء ونغضب من الآخرين حينما لا يمنحونا سؤالنا، وهو ما سيُعمِّق جراحاتنا وهبوطنا السحيق!
قد يقول قائل إنَّ أغلب هذه المحاصيل، إنْ لم يكُن جميعها، تُزرع بنظام الأمطار أو ما يُعرف بالزراعة المطرية، وبالتالي ارتباطها بمُستوى الهطول المطري وغيرها من الحجج الواهية.. نقول ولماذا لا نعمل بعقلانية وتدبُّر لتأمين زراعة تلك المناطق بطرق ري بديلة أو بمُعالجات أخرى تقلُّ في تكاليفها وأخطارها عن إنشاءات البترول والمعادن العالية (وعديمة العائد)؟ لا سيما وأنَّ عوائد زراعات المحاصيل الزيتية عالية جداً باعتبارها آمنة بيئياً (إنتاجنا الزراعي شبه عُضوي) وهو من المطلوبات العالمية والإقليمية، وبالتالي ارتفاع قيمتها السعرية وسرعة مُساهمتها في إنقاذ البلاد والعباد. كما وأنَّ أسواق توزيعها مضمونة، حيث يُمكن استهلاك كل إنتاج السودان – إذا اهتممنا بهذا الأمر رُبع اهتمامنا بالبترول والمعادن - في المنطقة العربية والأفريقية، بما يُحقِّق مصلحة وأهداف جميع الأطراف. ومن بين طرق المُعالجات التي لم نُفكِّر فيها – على سبيل المثال لا الحصر – ما يُعرف بحصاد المياه Water Harvest الذي طبَّقته العديد من الدول العربية، ولنأخذ سورية مثالاً، مع الفارق بين كمية المياه المتاحة لسورية والسودان (الذي تُطيح مياهه سنوياً بعددٍ مُقدَّرٍ من القُرى والمعالم وما نداءات الدفاع المدني والصياح الإعلامي هنا وهناك ببعيدة!)، وحينها سنستفيد فائدة مُركَّبة، فمن ناحية نحتفظ بمياه لري محاصيلنا الهامَّة عند الحاجة، ومن ناحيةٍ ثانية نتلافى الآثار التدميرية لارتفاع مناسيب المياه السنوية!!
السؤال الأهم لماذا أصلاً الاعتماد على مياه الأمطار ولدينا النيل الأزرق والأبيض بكمِّياتهما الوافرة؟ هل تعتقدون مثلاً أو هل بالإمكان تصديق أنَّ تكلفة إتاحة المياه من هذين النهرين أكبر من تكلفة إنشاءات البترول الضخمة التي قُمنا بها ولم نجد منها غير أرقامٍ جديدة أُضيفت لمُجمل ديون الدولة أو شكَّلت مصدر حربٍ وزعزعة لنا جميعاً؟ هل من السهل تصديق أنَّ تكلفة إنشاء مصفى الذهب واستضافة المؤتمرين والاجتماعات والندوات وغيرها أقلَّ من تكلفة إتاحة المياه لري المساحة ما بين الدمازين وسنجة التي لا تقل عن 10 ملايين فدان بشكلٍ مُستديم لتعمل في شكل ثلاث دورات زراعية في العام! وهو قولٌ ينطبق على بقية مناطق الزراعة المطرية الأُخرى! وسيظل التساؤُل قائماً.. ما الذي فعلناه لتطوير مزايانا النسبية ال(مضمونة) وذات ال(تكاليف الأقل) في الحبوب الزيتية؟ ومتى سُنفكِّر لنحوٍ عمليٍ وعلميٍ وجّدِّي وفاعل لإنقاذ أنفسنا واقتصادنا بواقعية ومنطق وصدق؟
ما ذكرناه بشأن محاصيل الزيوت تحياه بعض القطاعات الأخرى، وعلى سبيل المثال ذكرت التصريحات الرسمية بأنَّ السودان قام بتصدير جلود خام بلغت قيمتها نحو 13 مليون دولار، وسنفترض أنَّ هذا المبلغ صحيح ولن نسأل عن أين ذهب وما هو أثره على وضعنا الاقتصادي ولكننا سنتساءل – بهدوء – لماذا أصلاً السودان يُصدِّر كل هذه الكمية من الجلود كخام ولا يقوم بتصنيعها هنا؟ إلى متى سنعتمد على بيع الخام في كل مُنتجاتنا؟ ومتى سنتعلَّم تطبيق الحديث من العلوم الداعية لتعظيم الفوائد من المُنتَج عبر تصنيعه كلياً أو جُزئياً؟ وهو ما يُعرف في الأدبيات الإدارية بالمنفعة التشكيلية (الشكلية)، وفي مجالاتٍ أخرى الصناعات التحويلية، والتي تقول في أغلبها بضرورة تحجيم الاعتماد على تصدير الخام لكوننا سنستورده (بعد التصنيع) بقيمة أكبر من التي تحصَّلنا عليها مُقابل تصديره خاماً! والشاهد أنَّنا نستورد مُنتجات مُصنَّعة من جلود غير طبيعية وبأسعار أكبر من عوائدنا من تصدير جلودنا الخام! في مصر القريبة، نبتاع أحذية (لا مُؤاخذة) بجودة عالية جداً ومتينة ولا تقل قيمتها لدينا هنا عن مبلغ (500) جنيه وهي من جلود ليست طبيعية 100%، ونجدها مصنوعة في ما يُعرف بال(معامل) وهو عبارة عن مكان لا يتجاوز الشقة الصغيرة (حوالي 80 متر) أي أقلَ من المصنع!! هل فكَّرنا في إقامة مصنع واحد بمُستوى عالي ومُحترم لنصنع فيه كمية الجلود التي قُمنا بتصديرها خام؟ وهل قُمنا بمُقارنة تكلفة إنشائها مع ما نصرفه على السراب (نقداً ووقتاً وجهداً والأهمَّ آمالاً سُرعان ما تموت وتُوأد لنُعاود أحلام اليقظة وخيبة الأمل من جديد؟!).
وبحسب التصريحات الرسمية – السيد وزير المالية مُؤخَّراً – أنَّ السودان قام بتصدير نحو 3.5 مليون رأس من الثورة الحيوانية، بينما كيلو اللحمة في السودان تجاوز ال(50) جنيه! وتعجٌّ بقالاتنا و(مُولاتنا) بالعديد من المُنتجات الحيوانية خاصَّة الألبان التي نستورد كميات مُعتبرة منها (لبن بودرة، أجبان، سمن، زُبد وغيره). لماذا لم تسع الدولة لإقامة مصانع أو فلنقل مصنعاً واحداً مُحترماً لألبان البودرة بمُواصفات عالمية وليكن لتغطية السوق المحلية بالموارد المحلية، حينها سنُوفِّر العملات الحُرَّة التي نستورد بها كل الكميات من الألبان، ولماذا تُصدِّر الدولة كل هذه الأعداد الهائلة من الثروة الحيوانية بالأساس؟ سيقول قائل إنَّنا بحاجة للعملات الحُرَّة نقول له نعم نحن نحتاجها ويمكننا الحصول عليها برُبع هذه الأعداد الهائلة من الثروة الحيوانية التي تمَّ تصديرها استناداً للقاعدة الاقتصادية الخاصة بالعرض والطلب. فثروتنا مرغوبة أيضاً لأنها آمنة صحياً ولها مذاقها الخاص (وهي مَيِّزة نسبية)، نُقلِّل العرض ونرفع السعر وسنرى النتيجة، وهي حقٌ مشروع تُمارسه العديد من الدول ودونكم ما تقوم به دول الأوبك التي تُخفِّض الإنتاج وترفعه بحسب حاجتها، وبذلك تضمن سيطرتها واستدامة إنتاجها، وليس بإفراغ البلد من ثروتها الحيوانية وتعميق فجوتنا الغذائية من اللحوم الحمراء!!
فلننظر إلى ما بدأنا به حديثنا في هذه المقالة أعلاه عن المزايا النسبية وأنواعها ومُتطلباتها، ثم نُراجع أرقام الفجوة الغذائية العربية ومجموعات السلع الرئيسية التي تُشكِّل هذه الفجوة، وتخيَّلوا فقط لو استطاع السودان (وهو قادرٌ على ذلك بعون الله ومن ثمَّ بفضل توفُّر جميع العوامل المُساعدة عدا التدبُّر) تغطية احتياجات العرب فقط من الزيوت والبالغة 63%، ولنتخيَّل انعكاس ذلك على الميزان التجاري والدخل القومي السوداني. ثم – وبهدوءٍ وتدبُّر – ننظر في الاتجاه المُعاكس نحو الذهب تحديداً ونرصُد بالرقم ما أتانا منه؟ وكذلك البترول مع مُقارنة الجهود والتسهيلات الممنوحة لكلٍ منها (الزراعة والبترول والمعادن)!
إنَّنا مُطالبون باستخدام العقول بعيداً عن العواطف، ومُطالبون بالاستناد إلى إلأرقام بعيداً عن التصريحات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا تُساهم في تسديد دين أو ردم (تغطية) فجوة هنا أو هناك (مالية كانت أو غذائية أو اجتماعية وثقافية أو صحية وسياسية وغيرها)! فالتعامل بالرقم لا يكذب أو يتجمَّل، والتصريحات لا تدعم مجانية التعليم والعلاج ولا تُقلِّل سعر الدولار وبقية العملات الحُرة مُقابل العملة الوطنية التي تلاشت وانهارت تماماً، والرسوم والجبايات ليست إيراداً حقيقياً للدولة بل عامل أساسي لخروج العديدين من خط الإنتاج! باختصار نحنُ مُطالبون بالنظر إلى مزايانا النسبية الحقيقية وذكرنا بعضاً (أُشدِّد على بعض هذه) منها في هذه المقالة، ويُمكن البدء بالاهتمام بالقطاع الزراعي السوداني بشقيه النباتي والحيواني ولكن بزوايا ورؤى جديدة وعملية وتوسيع دائرة مُشاركة المختصين من أبناء السودان (بالداخل والخارج) وما أكثرهم، ولتكن البداية بإنشاء سلسلة من المصانع النموذجية للزيوت والألبان ومُنتجاتها وآخر للحوم حتَّى ولو بالدين (فعائدها مضمون وليس كالسراب الذي نحسبه ماءً!)، مع إفراد الأولوية للمنتج أو المستثمر الوطني (مهما هربنا واحتمينا بالأجنبي لن نرى خيراً إلا من بني جلدتنا)، ولا بأس من وجود الأجنبي ولكن بضوابط منطقية وذكية وليس على النحو الذي نراه الآن (في القنبلة المُسماة قانون الاستثمار)، لأننا بحاجة فعلية لإنقاذ اقتصادنا المُتآكل والذي أصبح خواء من فرط التنظير والاندفاع غير المؤسسي والمدروس في تسيير دفته.. والله من وراء القصد.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.