شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسن بلصة - قصة
نشر في الراكوبة يوم 03 - 02 - 2014


حسن بلصة
1
رحِمَ الله صاحبنا حسن بلصة, الذي غيبَهُ الموت قبلَ أنْ يكون حاضراً في هذا الزمن الرديء, وإلاّ لكان له شأنٌ وأي شأن. فهو بطريقتهِ الميكافيلّية الفِطْرية, وركضه خلف المال, وطَرْقِهِ لكل السبل المشروعة وغير المشروعة لامتلاكه, يصلحُ لهذا الزمان الذي أصبح فيه أخذ الحقوق بالباطل, والاحتيال والغدر والخيانة، شطارة, يتباهى بها فاعلوها0
اسمه بشهادة ميلاده (حسن أدهم شبيب), إلا أن أفعالَه دعت إلى إلحاق صفة (بلصة) به, فلازمته ولازمها حتى مماته0
على أيامنا, كانت تلك الصفة,(بلصة)، سُبّة, لا يرضاها عامة الناس, من يمارسها ويقبل بها, يُصبح طريد العدالة والمجتمع, ويحاول حينها إخفاءَ فعلته عن الأعين بكل الطرق. لاحقا, وببقيةٍ من حياء, أخضعوها لعمليات تجميل, حتى تحظى بشيء من القبول, وزفّوها للناس بأسماء تدليلٍ شتى، إكرامية, دهن, تسليك, تسهيلات، عمولات. حتى إذا ما بلغ الأمر مبلغه من الانفلات، وخراب الذمم, صاروا يقولون، رشوة, هكذا, صريحة واضحة0
صاحبنا حسن ما كان يكترث بإخفاء فعلته, يأخذ بلصته جهاراً نهاراً. أصوله الغجرية التي ينحدر منها، لا ترى في التسول والنصب والاحتيال والخداع والسلب، ما يدعو للخجلِ أو التخفي. لذا فهو لم يذهب بعيداً, حتى أنه يبالغ أحيانا فيعرّف نفسه بها:
- محسوبك حسن بلصة
هيأ له عمله بالبوليس في فترةٍ ما, فرصةَ للبطشِ بكل مخالف للقانون والنظام, خاصةً أصحاب الدرّاجات, الذين يسهون عن وضع إضاءة عاكسة خلفية أو أمامية, وما أكثرهم حينها, خاصة أهلنا البسطاء من غرب النهر، الذين بطبعهم يخشون أهل السلطة، فأولئك هم صيد حسن بلصة الثمين. بالرغم من ذلك, لم يحدث يوماً أن أوصل أحدهم إلى المركز, فهو يكتفي بالإرهاب، والتلويح بالإدخال إلى الحراسة, ثم يفرِض بلصته فرضاً، وما على من تسوقه أقداره السيئة للوقوع بين يديه, سوى الدفع , وهو لا يغالي فيما يُدفع له من بلصة, شلن، أو على الأكثر ريال، وهو رسم مقبول من الطرفين.
حذره رؤساؤه حين فاحت رائحة أفعاله تلك, إلا أنه ضرب عرضَ الحائط بكل تلك التحذيرات, فلا دليل مادي يثبتها و لا شكوى رسمية, إن هي إلا أقوال تناقلتها الألسن:
-ناس حاسدين, ما عندهم أي دليل
يقولها (بلصة)،وهو يضرب بقدمه على بدالة دراجته الأنيقة،التي أغتصبها من أحد العجلاتية،عنوة واقتدارا،حين ضبطه وهو يدخن سيجارة بنقو بجِسرٍ قصيٍ من جسور النهر.
2-
صاحبناه زماناً, أو بالأحرى فرض هو صداقته علينا. فهو مهووس بمصادقة المتعلمين، وكبار الموظفين، ومن على شاكلتهم. يدّعي علماً وثقافة واطلاعاً، بالرغم من أننا نعلم تمام العلم، أنه بالكاد أكمل تعليمه الأولي. كثيراً ما تذمر منه صاحب المكتبة الوحيدة بالمدينة, حين يقوم حسن، بمطالعة كافة الصحف والمجلات وعناوين الكتب المعروضة، ثم ينسحب دون أن يشتري أياً منها 0
أضحكنا مرةً حين ذكر أنه وجد بالمكتبة رواية جديدة ليوسف السباعي، عنوانها (السَقَامات) لفظها هكذا ككلمة واحدة.
رحم الله مؤلفها, فهو بالتأكيد لم يخطر بباله هذا الاسم, فالعنوان الذي صاغه لروايته، يتكون من كلمتين:
( السّقّا....مات),
وهذه غير تلك يا حسن.
حاول جاهداً أن يتعلم اللغة الانجليزية, دفعه إلى ذلك، غيظه منّا ونحن نتخاطب بها أحياناً. للأسف نفض يده عن تعلمها وتركها لسببين, أولهما، أن مواعيد الدرس، تمنعه من اصطياد البلصات. ثانيهما والأهم, ضيقه من دفع رسوم الدراسة, فالقاعدة عنده أن يأخذ فقط.
صديقنا ( عمر ), كان يستهدفه دائما بسخريته، ويُدْخِله في اختباراتٍ عسيرة، بقصد إضحاكنا. عرض عليه ذات مرة صورة ( الموناليزا)، وسأله بخبث ظاهر:
- ياحسن، باللهِ عبّر لينا عن إحساسك بالصورة دي ؟
لم يفطن حسن للكمين الذي نُصب له، تطلّع في الرسم, اتكأ بخده على كفه المضمومة، متخذاً هيئة المفكرين والأدباء الذين يراهم في الصحف والمجلات, قطب جبينه، وكأنه يستدعي أفكاراً استعصت عليه, ثم نطق بعد هنيهة:
- يا خي شفت صورة ( ريّا )، في مطعم عمّك يوسف ؟, السمينة المشلخة، شُفتها ؟ والله أجمل من دي.
ثم ضحك ضحكته المميزة، التي تشبه نبيب التيس0
وهو بقوله هذا، يُشير إلى تلك اللوحات، التي كان يُزين بها أصحاب المطاعم والمقاهي جدران محلاتهم. لوحات بالحجم الطبيعي لنساءٍ بدينات, سمراوات, مشلخات, ناعمات, لامعات, عاريات كاسيات, على سُررٍ متكئات, يلبسن أنواعاً من الحُلي التي كانت سائدة حينها,كالزمام، والقشّة، والرشمة، والفِدو، والحجول، وتيلة الشّف، والفرج الله، والجدلة، و غيرها. تلك اللوحات التي برع في رسمها آنذاك، الفنان السوداني ( احمد سالم)0
الله عليك يا حسن بلصة, لقد جعلت الخواجة ( دافنشي)، يتململ غيظاً في تابوته0
3-
حقيقةً, مظهر صاحبنا يوحي لمن لا يعرفه, أن الرجل من ذوي الحيثية والمكانة, بطول قامته، وجسمه الممتلئ قليلاً, وشعره الناعم، الذي يجيد تصفيفه, وصوته الجهوري, وبياض بشرته المائل للاحمرار كعامة أهله0
وهو إلى ذلك يهتم بهندامه، يعتني به غاية الاعتناء, ومع رشّة من العطر، تكتمل الصورة البهية لحسن بلصة. وهذا مما يجعل (عمر) يستفزه قائلا:
- كلّو من البلصة
إلا أن (حسن بلصة)، لا يستجيب لاستفزاز عمر, بل يقابله بابتسامةٍ متسامحةٍ، الشيء الذي يغيظ (عمر)، فيُمعن في مشاكسته:
- بالله ياحسن قروش البلصة دي ما حرام ؟
إلا أن صاحبنا يرد عليه ببرود أعصاب، يزيد من حنق عمر:
- يا أستاذ
هكذا يناديه دائماً:
- يا أستاذ، الزول البَشيل منو البلصة ده، لو وصل المركز يتبهدل في الحراسة، ويتغرّم في الآخر، جنيهين تلاتة, أنا بعمل فيهو معروف, باخد منو بالكتير ريال, بطّال معاهو ؟
- بطّال
يجيبه عمر متحدياً:
- انت حكومة ؟ انت مهمتك توديهو المركز وبس، مش تعمل فيها فاعل خير
يضحك (حسن) وهو يضرب كفاً بكف:
- انت عارف يا أستاذ, أنا غلطتي الفكيتك من ناس المباحث لما قبضوك توزع منشورات, تذّكّر ؟
وهو بذلك يشير إلى انتماء عمر، لحزبٍ محظور قانوناً, والى حادثة القبض عليه، وهو يحمل أوراقاً تحضُ على مناهضة الحكومة. حينها يبلغ الغيظ بعمر مداه, فيخرج من الغرفة ساخطاً على اليوم الذي جعل حسن يخلصه من قبضة المباحث, حين يبلغ الباب، يلتفت نحو حسن ملوحاً بيده، ويخاطبه محتداً:
- يا خي إنا قلت ليك فكني منهم ؟ ما كان تخليني اتْقبِض، ولاّ حتى اتشَنق, انت مالك؟
ولا يتركه صاحبنا يخرج، قبل أن يزيد إشعال غضبه:
- كضاب, أول ما يدخلوك الحراسة, الجرسة تقوم
بكل غيظه وحنقه، يركل (عمر) الباب وهو خارج, ركلة تجعلنا نخشى أن ينهار سقف الحجرة فوق رؤوسنا.
إلا أننا لا نندهش لهذا التشاحن بينهما, فهو مسلسل متجدد الحوارات, نشهده يوميا, ونحن نعلم تماماً أن (عمر) سيعود بعد قليل، و قد تبدد غيظه, كتبدد دخان سيجارته التي يدخنها، وهو يعبر ساحة الدار جيئة وذهابا. وأنه و(حسن بلصة )، سرعان ما يقومان بترتيب أمر العشاء، والاستعداد للسهرة0
4-
لا ندري أخيرٌ أُريد به، أم أرادوا به شراً حين نقلوه للعمل بقسم رخص السير, إلا أنه، بحسب مجريات الأمور لاحقاً، تأكد لنا أن صاحبنا قد عثر على كنز لا ينضب من البلصات، التي تتجاوز قيمتها تلك التي يستلبها بشق الأنفس من أصحاب الدراجات، وغيرهم من عابري الطريق. والمؤكد أيضاً أن ذلك أودى به إلى نهايته، وفصله من عمله جراء مبالغته في قبض البلصة:
- عيني عينك
كما قال أحد معارفه, لدرجة أنه كان يحمل دفاتر رخص السير في جيبه، جاهزة مختومة، فقط يكتب الاسم ويضع الصورة.
كثيراً ما عكّر زبائنه مزاجنا, ونحن نستعد لبدء سهرتنا. بمرور الأيام، تكاثروا، وأصبح بعضهم يأتي من مدنٍ بعيدة وصلت إليها شهرة ( حسن بلصة) وتسهيلاته الخدمية. من الأبيض، ومدني، وكوستي، وشندي، وغيرها من مدن البلاد المختلفة.
حذرناه من مغبة ما يفعل، إلا أنه لم يكترث:
- حيحصل إيه ؟ يرفدوني ؟ أنا ذاتي دايرهم يرفدوني
ثم علمنا أنه وبمهارة وذكاء، استطاع استقطاب بعض أقرانه بالقسم، وبعض أصحاب الرتب الوسيطة, يتقاسم معهم ( الغلَّة)، كما كان يُسمي عائد البلصات. بالطبع فهو لن يعطيهم الأرقام الحقيقية لغلّته تلك. في النهاية، فصلوه، حين انكشف الأمر وكثرت الشكاوى, وخرج كالشعرة من العجين, دون محاسبة تذكر, وبحوزته كمية معتبرة من المال,شيّد منها منزلا, واكترى بصاً، وانطلق داخل السوق، يتاجر في أي شيء وكل شيء.
وظهرت مواهبه الحقيقية، حين قفز إلى مركب السياسة. حسن بلصة يجيد فطرياً قراءة المستقبل لكل أمر يخوض فيه. انضم لزمرة مؤيدي حكومة عبود, فنال نصيبه من مقاولات قرى حلفا الجديدة. في الوقت المناسب تماماً، كان أول من ركب موجة اسقاطها هاتفاً:
- نحو القصر، حتى النصر.
انضم لليساريين في بدايات أكتوبر، فتسيّد المسيرات و الليالي السياسية، بجُرْأته و صوته الجهوري، الذي لا يحتاج معه لمكبر صوت. ثم تركهم، مبرراً انسلاخه عنهم بقوله:
- تصور كان تحت تحت، يسموني (ميم نون)، يعني مغفل نافع, شوف بالله الناس ديل
نحن نعرف يا حسن بلصة أن الأمر غير ذلك.
ثم أصبح اتحادياً ديمقراطياً، وحين تغيّر اتجاه الريح، انضم لحزب الأمة. عاث بيعاً في رخص الاستيراد والتصدير، التي كافأه بها هؤلاء وأولئك وتدفق عليه المال. عرف في تنقلاته، من والى الخرطوم، ركوب السيارات الفاخرة، والطائرات، وحَجْز مقصورة خاصة بالقطار عند الضرورة. ازدادت حمرة وجهه احمراراً, وظهرت له كرش صغيرة يربت عليها ويسأل جلسائه:
- رأيكم شنو في الحنانة دي؟
الغريب في الأمر، أنه مازال متمسكاً بلقبه:
- ياجماعة اللقب ده بخيت معاي
ثم يضحك ضحكته تلك التي تشبه نبيب التيس0
5-
بتنا في أدنى قائمة صداقات واهتمامات حسن بلصة, جذب المال نحوه أنماطاً من البشر حطوا عليه كما يحط الذباب على قطعة سكر, أصبح لديه أصدقاء من علية القوم, أطباء ومهندسون,ومدراء, وكبار موظفين، وهذا ما كان يسعده كثيراً. ينصتون إليه بكلياتهم حين يتحدث, يضحكون في وجهه حين ينثر عليهم نكاته ودُعاباته السمجة, ويبدون إعجابهم بأفكاره الفجة, وهم أثناء ذلك، يتلذذون بأطايب الطعام والشراب على مائدته, التي يقدمها حسن وهو يعرف أن قيمتها ستُدفع لاحقاً من هؤلاء، كلٍ حسب موقعه. وبات مقصداً لكل من يريد تسهيل أمره مع أي جهة حكومية, وحسن بلصة جاهز لا يستعصى عليه شيء. أحيانا تصدر الموافقات من على طاولة العشاء عن طيب خاطر, وأحيانا أخرى يتعهد الأمر، مغلف منتفخ، مغلق، يوضع بخفة داخل درج المكتب المفتوح.
وحذراً من عدم الإيفاء بالالتزامات، يطلب حسن أتعابه مقدماً:
- الناس ما عندها أمان, بعدين حقي يروح شمار في مرقة, اشتكي لمين؟
هكذا يعلل طلبه0
تحاشيناه, كما تحاشاه عامة الناس, حاول جاهداً أن يضمنا لمجلسه, إلا أننا تجاهلنا محاولاته. ولقد أصاب عمر حين لخّص تلك المحاولات بقوله:
- صاحبك داير يقشر بينا قدام المنتفعين من هبالتو
ثم جاءت مايو, وبمجيئها تملّك الرعب حسن بلصة, فواجهة النظام الجديد, حمراء. ومواقفه السابقة مع أصحاب الرايات الحمر لا تسر, فلقد مسح بهم الأرض حين تركهم بعد مذبحة البرلمان الشهيرة، وإسقاط عضوية نواب اليسار منه. بجانب أنه لم يطل منهم لا أبيض ولا أحمر, أو كما قال:
- الجماعة ديل مقشطين, ما منهم فايده, فالحين في الكلام وبس.
اختفى حسن بلصة عن الأعين لفترةٍ حتى ينجلي الأمر, وكانت حينها هوجة الاعتقالات والمحاكمات لرموز الأحزاب ومن انتفع منها, على أشدّها, منهم من استطاع الهرب خارج البلاد, فطال التأميم والمصادرة ممتلكاته, و منهم من لم يستطع, فقبضوه وحاكموه وشهرّوا به. وكان صاحبنا في الموعد, قبضوا عليه, إثر وشاية ممن كانوا يتزلفون إليه أيام العز. صادروا كل ممتلكاته وأمواله. إلا أن صديقنا (عمر)، الذي أصبح نافذاً في ذلك العهد, أنقذه من دخول السجن, فعاد حسن بلصة, محبطاً, منكسراً, مقهوراً, فاقد الحيلة, إلى نقطة الصفر من جديد, لا يملك قوت يومه, أوصلته الحاجة والفاقة والعوز حد التسول.
6-
بعد حين من الزمان, مرت فيه مياها كثيرة أسفل الجِسر, تبدّلت مواقع الأشخاص, وتغيّرت مواقف سياسية من اليسار إلى اليمين, وتمت تصفية لحسابات مؤجلة بين الرفاق, وانشغل الناس بمتابعة ما يجري على الساحة من صراعٍ بين العسْكر والساسة, ومايدور من خلافات عقائدية بين الأطراف داخل منظومة السلطة0
وسط كل هذا الحراك والزخم, بات حسن بلصة مجرد ذكرى باهتة. توقع البعض أن حسن بلصة ربما هرب ليلتحق بالمعارضة. إلا أننا استبعدنا ذلك، لعلمنا بطبيعته الانتهازية, وأنه لا يجازف إلا إذا وثق من العائد المادي لمجازفته تلك. والمعارضة لن توفر له ما يتمناه, قال بعضٌ آخر أنه ترك المدينة لمدينة أخرى، لا يعرفه فيها أحد. حتى أكد لنا أحد معارفه، أنه موجود مع جماعته وأبناء جلدته, في ذلك الحي الغامض, المثير للريبة, لا يخرج منه إلا نادراً متدثراً بالظلام0
وشيئاً فشيئاً. نسيناه.
ثم حدثت حركة يوليو, تلك الحركة التي كانت قمة الصراع العقائدي بين رفاق الأمس. وما يهمنا من أمرها هنا, أنها كانت سبباً في ظهور حسن بلصة من جديد. فهو بجهالةٍ وقصر نظر وعدم إدراك، ، مدفوعاً بحقده الدفين على نميري وأقرانه، الذين يعتقد جازماً أنهم من تسبب في انهياره وإذلاله وإلحاق الأذى به. بكل تلك المرارات، برز من مكمنه ليرتكب غلطة عمره, إذ انحاز لمؤيدي الحركة, دون أن يتبصَر هوية القادمين الجدد. يبدو أن الحقد أفقده موهبته في قراءة المستقبل كما كان سابقاً.
خرج في مقدمة المواكب، مؤيداً ومناصراً, زاعقاً هاتفاً, ثلاثة أيام وهو يركض هنا وهناك, يحث الناس على مناصرة الوضع الجديد, أرسل برقيات التأييد, وطالب بضرب شرذمة مايو, حسب تعبيره, بيدٍ من حديد, فارتدت الضربة إليه بشكلٍ مأساوي، حين قُضيَ الأمر, وفشلت الحركة. اعتقلوه, أذاقوه ألواناً من التنكيل والتعذيب, ثم ألقوا به في غيهب السجن الحالك. فلم يحتمل سجن بدنه، وسجن ذله، وخيبته، وانكساره. فقضى نحبه، ذات ليلةٍ عاصفةٍ، مبرقةٍ، مرعدة ممطرة, تذمرَ فيها السجناء من دفنهِ في مثل تلك الليلة, إلا أنهم انصياعاً للأوامر, حملوه, وهم يصبون عليه أقذع ما في جعبتهم من شتائم, ثم قبروه كيفما اتفق0
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.