الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عقبات في سبيل تأسيس أحزاب سياسية سودانية جديدة
نشر في الراكوبة يوم 31 - 03 - 2014


(1)
أزمة السياسة السودانية المستحكمة مسالة من الوضوح بحيث لا ينكرها عاقل ولا يتجاوزها بالإنكار إلا متنطع مثل المؤتمر الوطني الذي أورد بلادنا موارد الهلاك ومازال يكذب على نفسه ويصدق أكاذيبه وحده. فالظروف التي خلقتها حقيقة الفشل المدوي لمشروع الإسلام السياسي في السودان المسمى بالمشروع الحضاري زوراً وبهتاناً، جعلت من نجاح أي قوى تطمح لبناء مناخ سياسي معافى أمر شديد الصعوبة. وتتجلى الأزمة السياسية في مظاهر عديدة لا سبيل لإجمالها في هذه المساهمة المتواضعة، ولكننا سنخصص هذه المساحة لرصد أحد مظاهرها وهو زهد القوى الفاعلة في الحراك السياسي في الأحزاب العاملة في الساحة السياسية ورغبتها في تكوين أحزاب جديدة. ونحن نرى أن الرغبة في تكوين الأحزاب الجديدة لا تأتي في سياق واقع طبيعي أنتج حراكاً يطمح لتأطير نفسه بحيث يشكل إضافة إلى ماهو موجود، بل أمر يندرج في سياق اليأس المطلق من جدوى القديم والبحث عن بدائل تنفيه بل وتسعى أن تكون بديلاً لا رديفاً أو منافساً لكل القوى الموجودة بالساحة السياسية. وبالطبع هذه الرغبة المتولدة عن حالة الإنسداد السياسي، تواجه بعقبات لا نهائية تؤدي في كثير من الأحيان إلى فشل يضاف إلى فشل سابقي الحزب الجديد من الأحزاب، الذي لا يعزى فقط إلى أسباب ذاتية تخص الأحزاب الموجودة بالساحة كما يتوهم الراغبون في تكوين الأحزاب الجديدة ، ولكن يتصل إتصال وثيق بالمناخ الموضوعي الخانق الذي خلقته دولة الإنقاذ التي أجهزت بالفعل على الكثير من ممكنات الفعل الإيجابي في المجتمع ، ولم تكتف بتحويل السودان لدولة فاشلة فقط بل تسعى سعياً حثيثاً لتحويل المجتمع نفسه لمجتمع فاشل!
(2)
في هذا السياق، نود أن ندلي بدلونا حول العقبات التي تواجه الراغبين في تأسيس أحزاب جديدة ، ولماذا نرى أن مقومات الفشل أكبر من مقومات النجاح لهذه الأحزاب بغض النظر عما إذا كانت القوى القائمة على تأسيسها صاحبة مبادرة جديدة، أم وليدة إنقسام أحد الأحزاب القائمة بالساحة السياسية. ولعله من المفيد أن نقر إبتداءاً بأن هذه المساهمة لا تعدو حالة كونها محاولة للتفكير مع أبناء شعبنا للخروج من المأزق الذي أدخلنا فيه مشروع الإسلام السياسي، وهي لا تدعي بأي حال من الأحوال الإحاطة أو الصحة، بل تحاول فقط فتح نقاش حول أحد مظاهر فشل تجربة المشروع الحضاري التي أسست لهذا الإنسداد السياسي ومهدت لتمزيق المجتمع السوداني شر ممزق.
(3)
ففي تقديرنا أن أولى العقبات التي تواجه تشكيل حزب جديد، هي طبيعة القوى التي تسعى لتأسيسه وتلك المخاطبة ببرنامجه السياسي الذي يستهدف تجنيدها وضمها للحزب ، ويؤسس لتغيير يصب في مصلحة الشعب السوداني من وجهة نظرها. والغالب الأعم في تأسيس الأحزاب السياسية من وجهة نظر تاريخية ، هو تصدي ناشطين من الطبقة الوسطى لديهم وعي بإحتياج الواقع الموضوعي لأفكار جديدة لا بد من تشيؤها في شكل حزب سياسي يسعى للسلطة السياسية. وهذا يشمل جميع الأحزاب بما فيها تلك التي تدعي أنها أحزاب طبقة عاملة بإعتبار أن هذه الطبقة يأتيها وعيها من خارجها حتى تعي بذاتها ولذاتها، ويشمل كذلك البرجوازية التابعة والضعيفة بدول العالم الثالث التي تعجز حتى عن أن تفكر لنفسها لتكرس إستغلالها، فتلجأ لإستيعاب مبادرات مثقفي الطبقة الوسطى لتبرير نهبها للموارد وقمعها للشعوب. والناظر لجميع المبادرات الرامية لتأسيس أحزاب جديدة بالسودان، يجد أنها من هذه الشريحة، المأزومة نتيجة لأزمة الواقع السياسي، ولفقدانها لهويتها الإجتماعية الممزقة والمتنازعة بين صعود حتم الإنتماء لرأس المال الطفيلي، وانسحاق شامل قرب بين قطاعات واسعة منها وبين بروليتاريا هجين وأخرى رثة لا تصلح أساساً إجتماعياً لتكوين حزب سياسي ناهض جديد. فالإنقاذ أو سلطة المؤتمر الوطني بوصفها سلطة رأس مال طفيلي، أول ماهجمت كرست هجومها على الطبقة الوسطى بإحداث تحول يؤسس لهيمنة رأس المال الطفيلي على السوق، وضربت طلائع الطبقة الوسطى عبر التشريد والإفقار وتحطيم مؤسسات المجتمع المدني، وإلجاء جزء مقدر من هذه الشريحة لمؤسسات المجتمع الأهلي من قبيلة وطائفة بحثاً عن الحماية، وتهجير قطاع كبير منها خارج البلاد. والتحول الحادث للطبقة الوسطى، يعيق حراكها الطبيعي لإنتاج روادها ومبادريها في مناخ مؤات للإنتاج الفكري والعمل التنظيمي من ناحية، ويحتم تقليل خياراتها إن لم يكن حرمانها من القاعدة الواسعة المستهدفة لوضع مداميك الحزب السياسي الجديد وتثبيت أقدامه. فعضو هذه الشريحة المفقر والمدفوع دفعاً إلى قاع السلم الإجتماعي، لا يكاد يجد وقتاً للتفكير أو لإنتاج معرفة أو المشاركة في عمل منظم في إطار لهثه وراء لقمة العيش، وعضوها المستبعد من دائرة الفعل الإقتصادي بإجباره على أن يكون عاطلاً في حال أسوأ من سابقه، أما من تم تهجيره قسراً خارج الوطن فأمره أكثر تعقيداً. ولا نظن أننا في حاجة للحديث عن طبقة عاملة في ظل صناعة تعمل بأقل من عشرة بالمائة من طاقتها، وفي إطار تشريد واسع للعمال وإفقار يستعصي معه التفكير في الحياة نفسها ناهيك عن التفكير في عمل سياسي منظم وفاعل. كذلك لا نظن بأن الحديث عن رأسمالية وطنية فاعلة بمستوى يجعلها قابلة للمشاركة بالفعل في التنظيم أو التمويل لأي حزب سياسي جديد، بعد أن أنهكها رأس المال الطفيلي تطفلاً وحصاراً أفقدها هويتها الإجتماعية وقدرتها على المبادرة والفعل.
(4)
وفي حال تجاوز مؤسسوا الحزب الجديد هذه العقبة الكؤود، سوف تواجههم عقبة أخرى هي البرنامج السياسي الذي يتميز بالجدة والإبتكار، ويتجاوز رصد وتحليل فشل تجربة الإسلام السياسي ، لإجتراح الحلول وتقديم البدائل المقبولة، مع تميزه عن برامج الأحزاب المعارضة الموجودة بالساحة السياسية. فهو من ناحية يجب أن يستفيد من فشل تجربة الإسلام السياسي، على ألا يتوهم أن فشلها هو نهاية حتمية لهذا المشروع الذي سوف يطرح نفسه بأشكال أخرى في أي مرحلة قادمة، ولكنه يحتاج أيضاً لمصارعة وعي زائف ذو أساس ديني منتحل لتغطية لصوصية رأس المال الطفيلي أصبح مناخاً لابد من التعاطي معه بعقلانية بعد الاعتراف بوجوده، ومن ثم الإنتقال لتقديم إجابات على أسئلة صعبة مثل تعريف تصوره للدولة وموقع الدين في المجتمع وعلاقته بالسياسة، وعلاقة الدين بالتشريع ومصادره، والرؤية الإقتصادية لمعالجة أزمة الإفقار المستحكمة وإنتشال البلاد من الوهدة التي تردت فيها بفعل فاعل، وقضية السلام وأسس إيقاف الحروب، وعلاقة المركز بالأطراف التي أصبحت قضية مركزية وآنية لا تحتمل التأجيل، وإعادة توزيع الثروة لا إقتسامها، ورتق ما تم فتقه من نسيج إجتماعي، ومعالجة التخريب في مجالات التعليم والصحة والخدمات، وتحديد موقف من الخصخصة، ووضع تصور للمحاسبة، وتحديد موقف من النضال المسلح، والعديد من القضايا الأخرى والأسئلة التي لا توجد لها إجابات مباشرة وسهلة.
(5)
وإذا افترضنا أن المؤسسين قد تجاوزوا عقبة البرنامج من حيث الإعداد والتجديد في الطرح ومواجهة المشكلات بحلول مقبولة، سوف يواجهون بعقبة جديدة هي النظام الدستوري القائم الذي لا يسمح للأحزاب بممارسة نشاطها وإكتساب المشروعية إلا بعد التسجيل وفقاً لقانون الأحزاب. وقانون الأحزاب يشترط لتسجيل أي حزب أن يبصم على إتفاقية نيفاشا المقدسة ويقبل دستورها الماثل الذي لم تقم السلطة حتى بترقيعه ليوائم واقع ما بعد إنفصال الجنوب. والإمتثال لهذا الشرط يعني قبول الحزب الجديد للدولة الدينية أو دولة المؤتمر الوطني في شمال السودان سابقاً أو السودان حالياً، التي كرستها إتفاقية نيفاشا الموصوفة بأنها وثيقة تحول ديمقراطي وفقاً لأسس تسويقها بواسطة الأحزاب المعارضة الحالية والحركة الشعبية قبل إنقسامها لشمال وجنوب بعد الإنفصال. وهذا يعني ببساطة تنكر الحزب الجديد لبرنامجه المدني الذي يرفض الدولة الدينية من ناحية عملية، وإلتزامه بأن يمارس نشاطه وفقاً للشروط التي قننتها نيفاشا وفرضت عبرها الدولة الدينية الخاصة بالمؤتمر الوطني في السودان الحالي، أو أن ينتصر لبرنامجه في الممارسة بعد التسجيل ويصبح مخالفاً لشروط تسجيله القانونية وللدستور ساري المفعول ويواجه إحتمال حله متى ما شاء المؤتمر الوطني.
(6)
وبتجاوز عقبة التسجيل بسلام وإيجاد حل لمعضلة التناقض الحتمي بين برنامج أي حزب مدني أو علماني مع شروط تسجيله القانونية والدستور، يجد الحزب نفسه أمام معضلة ممارسة نشاطه الجماهيري. فالقوانين المقيدة للحريات تحاصره من كل جانب، بحيث لا يستطيع أن يقيم ندوة جماهيرية إلا بإذن حكومي (أي إذن من المؤتمر الوطني)، ولا يستطيع أن يقوم بفعاليات حتى بداره في بعض الأحيان. ولا يستطيع أن يصدر صحيفة خاصة به، وإن صدرت فهي عرضة للمصادرة من قبل جهاز الأمن ذو اليد الطولى والمتمركز فوق أي قانون بإرتياح وحصانات مؤكدة. كذلك سوف تواجه عضويته المطاردة والإعتقال وربمنا القتل في الشوارع بالرصاص الحي في حال التظاهر للتعبير عن رأي أو الإحتجاج خارج إطار الحدود التي يرسمها المؤتمر الوطني. أيضاً سوف يواجه بالإختراقات الأمنية منذ لحظة التأسيس بغرض إنهاكه وإضعاف نشاطه والتأسيس لإنقسامات قادمة تفت من عضده متى شاء المؤتمر الوطني، خصوصاً وأن الإحساس بالعجز وعدم الفاعلية يؤسس دائماً للرغبة في الإنقسام ويحفز الخروج على المؤسسة، وللمؤتمر الوطني وجهاز أمنه خبرة طويلة في هذا المجال أقعدت بأحزاب راسخة ناهيك عن حزب وافد جديد.
(7)
وإذا إعتبرنا تجاوزاً أن الحزب الجديد قد قفز فوق معضلة القوانين المقيدة للحريات وصمد في مواجهة الإختراق الأمني واعتبر ذلك ضمن ضريبة النضال السياسي، سوف يواجه الحزب بالسؤال الكبير حول التحالفات السياسية وموقفه من الأحزاب المعارضة الموجودة بالفعل، وكذلك بالموقف من الحركات المسلحة الفاعلة في النضال ضد حكومة المؤتمر الوطني والتي أصبحت واقعاً لا يمكن تجاوزه. فبإفتراض أن الحزب الجديد قد بادر الأحزاب المعارضة بعداء واضح وجلي تجاوز مرحلة النقد والإتهام بالعجز عن الفعل إلى دائرة محاولات النفي والتجاوز، فإن هذه الأحزاب لن تقابله بالورود بالحتم ولن تدير له خدها الأيسر. وهي وإن كانت غير قادرة على الفعل الإيجابي للتغيير لظروف ذاتية وموضوعية، فهي قادرة وفاعلة في مجال النشاط السلبي والتدميري لأي كيان معادٍ من مواقع المعارضة. أما الأحزاب التني تنشأ عن إنقسامات من أحزاب معارضة سواء بفعل اليأس من فاعلية تلك الأحزاب أو الزهد في برامجها السياسية، فهي دائماً ما تقع أسيرة وضع سجالي مع تلك الأحزاب يقعد بها ويمنع تطورها ويحد من فاعليتها، وقد ينجح في خنقها حتى الموت في النهاية. والأحزاب التي تنشأ عن إنقسام من المؤتمر الوطني التابع للحكومة لابد أنها ستعاني أكثر من هذه الناحية. وإن إختار الحزب الجديد التحالف مع الأحزاب المعارضة التاريخية أو التنسيق معها بمستوى أقل أو مجرد مهادنتها، فإن ذلك أيضاً سيحد من فاعليته في أي عمل عام جماعي ضد النظام بالأخذ في الإعتبار عراقة هذه القوى وقدم مؤسسات المعارضة الجماعية وتقليدية عملها وتكتيكاتها المكشوفة للمؤتمر الوطني. ولا شك في أن معضلة العداء أو التحالف أو التنسيق مع الحركات المسلحة أو مهادنتها، تعني الدخول في صدام ساخن مع المؤتمر الوطني قد يؤدي إلى ذبح الحزب الجديد في المهد بفعل فاعل.
(8)
بالإضافة للعقبات السابقة، سوف يواجه الحزب الجديد السؤال الصعب حول لائحته ونظامه الداخلي، الذي يفترض أن يكرس ديمقراطية تنظيمية تتيح لجميع عضويته المشاركة بفاعلية في وضع البرنامج السياسي وتطويره ومناقشة التكتيكات السياسية بحرية والإسهام في عمل الحزب دون قيود. ونظراً لطبيعة المجتمع وخارطته الطبقية وفضاء الوعي القائم على ضرورة وجود مشيخة ، ونزق المثقف السوداني وتململه الطبيعي، لن تكون مهمة بناء تنظيم ذو نظام ديمقراطي سهلة لا على مستوى التنظير ولا الممارسة. فالتنظيم السياسي هو وليد مجتمعه وابن واقع سوداني تمزق نسيجه الإجتماعي، يعاني من سيولة طبقية ومن شرائح هجين أنهكها الإفقار، تركن إما إلى النقد وإجترار النقد من واقع التذمر وجلد الذات لا من منطلق الرغبة في التجديد وإجتراح الحلول بعد التحليل والتقييم، وتجنح لمعالجة مشكلاتها على نسق رزق اليوم باليوم ولا تحبذ التفكير الإستراتيجي. وهذا يجعل الخيارات المتاحة تنحصر في فتح التنظيم أمام جدل غير إيجابي أو غلقه وخلق منظمة تفتقر للديمقراطية أو إختيار الصعب للبناء وقبول التحدي والمحاولة بجد لتجاوز هذه العقبة أيضاً.
(9)
والتحدي الأكبر الذي يواجه الحزب الجديد هو التمويل، إذ لا سياسة بدون مال. ففي ظروف السودان الحالية أصبح إعتماد أي حزب على مجرد إشتراكات عضويته والهبات والتبرعات التي يتقدم بها مناصروه، أمراً غير ذي جدوى، ومعوقاً أساسياً لنشاط الحزب. فحالة الإفقار المتعمدة التي عممها رأس المال الطفيلي، تمنع العضوية من سداد الإشتراكات والمناصرين من التبرع والدعم. وبذلك يضطر الحزب الجاد لخوض غمار الإستثمار في ظل سوق مسيطر عليه ومحتكر لمصلحة الرأسمال الطفيلي. فيكون بين أمرين: إما أن يخوض تجربة التطفل ويقبل التحول الذي سيجعله حتماً تابعاً لحزب رأس المال الطفيلي المسيطر، أو أن يتحمل مخاطر الإستثمار غير المسبوقة في القطاعات المنتجة ويقع تحت رحمة تطفل الرأسمال الطفيلي وسلطته في دولة الجباية الراهنة. البديل الثالث بالطبع هو أن يبحث عن سبل للإستثمار خارج البلاد في أسواق مستقرة وبوسائل مختلفة. وفي كل الأحوال عليه رصد التحولات التي تنتج عن مثل هكذا مغامرة، فالإستثمار في القطاعات غير المنتجة من قبل الإتجاه الإسلامي أو الجبهة القومية الإسلامية أو المؤتمر الوطني – سمه ماشئت، حولت طبيعة التنظيم من تنظيم للبرجوازية الصغيرة إلى تنظيم صريح للرأسمال الطفيلي، عزز طفيليته بالسيطرة على جهاز الدولة نفسه وتحويله لأداة للتطفل ومصدراً لتمويل الحزب، حيث كان هذا التحول في أساس تنكر تلاميذ الدكتور/ الترابي له حين رفض أن يصبح منظراً صريحاً مدافعاً عن رأس المال الطفيلي ودولته، وتمسك بأحلام البرجوازي الصغير وتأرجحه ما بين أخيلة دولة عدالة متوهمة ودولة تمكين شاخصة وبادية للعيان.
(10)
فوق ذلك، يواجه الحزب الجديد الدعاية السوداء المعوقة لحزب المؤتمر الوطني المسيطر على فضاء الإعلام، وهو حزب لا يتحلى بشرف الخصومة ولا يتردد في إستخدام أي نوع من الدعاية السالبة المبنية على الأكاذيب وتشويه الخصوم. فهو لا يتورع عن رمي خصومه السياسيين بالخيانة والعمالة وربما الكفر لمجرد الإختلاف معه في وجهة النظر السياسية، كما لا يتورع في دفع الكيانات المصنوعة من قبله لوصم خصومه السياسيين بكل ما هو مرذول والحط من شأنهم وتحقيرهم كوصف قياداتهم بالرويبضة، والحض على الخطاب العنصري تجاه بعضهم، وممارسة كافة أشكال إغتيال الشخصية في مواجهتهم. فإستراتيجية هذا التنظيم الطفيلي الإعلامية لا تقوم على مقارعة الحجة بالحجة، ولا على طرح البرامج البديلة، بل على القمع الإعلامي والتضليل الواسع القائم على أكاذيب فاضحة، معززة بصخب آيدلوجي يخاطب العاطفة الدينية لا العقل. لذلك يدفع بحلفائه وهيئاته الدينية التابعة له والمسماة بإسم شعب هو برئ منها، لتكفير من يختلف معه سياسياً نيابةً عنه ، توطئة لفرض حصار إعلامي عليه يقود لتصفيته سياسياً وربما جسدياً إذا إستدعى الأمر.
(11)
لا شك أن ما تقدم من عقبات ، يجعل مصير أي حزب جديد يؤسس في السودان أقرب إلى الفشل منه إلى النجاح، مالم يدرك طبيعة العقبات التي ستواجهه ويعمل على وضع التكتيكات والقواعد النظرية لتجاوزها. فعلى سبيل المثال قد يختار الحزب بناء قاعدته الصلبة وسط شرائح من الطبقة الوسطى لا زالت خارجة عن التصور العام الذي وضعناه سابقاً – إن وجدت، وألا يسجل نفسه ويعمل خارج إطار الشرعية عملاً سرياً، وأن يضع برنامجاً مبتكراً يقدم معالجات ليست بالضرورة صحيحة ولكن على الأقل قابلة للصحة تجذب إليه عضوية ومناصرين، و أن يجد صيغاً مبتكرة للتعاون مع المعارضة التاريخية والحركات والمسلحة، وأن يقدم أجوبة لمعضلة التنظيم، ويجد حلاً لمشكلة التمويل والإعلام المعادي والمضلل للمؤتمر الوطني، وكذلك للمشكلات الأخرى التي لم ترد بهذه المساهمة لأنها لا تهدف للإحاطة بجميع العقبات والمشكلات التي تعترض سبيل تأسيس أحزاب سودانية جديدة. وربما يجترح قادمون جدد حلولاً مبتكرة لهذه المشكلات ، ويتمكنون من بناء وتأسيس أحزاباً جديدة تقدم حلولاً لمشكلات بلادنا المستعصية، أو ربما تتمكن أحزابنا الراهنة من النهوض والإرتفاع لمستوى المسئولية وقيادة التغيير بفاعلية وتخلق مناخاً مغايراً يسمح بظهور أحزاب جديدة تلبي إحتياجات الواقع الجديد.
(12)
يلاحظ أن العقبات المنوه عنها أعلاه، عقبات أكيدة في مواجهة أي حزب يود أن يبرز بالساحة السياسية، بل هي مشكلات تعاني من بعضها إن لم يكن كلها الأحزاب القائمة أيضاً، ولكنها لا تشكل أي هاجس للتنظيمات التكفيرية المتطرفة. فالمناخ المحتقن والواقع المثخن بجراح الإفقار المنظم والفساد المؤسسي، مؤهل تماماً لإنتاج تنظيمات تكفيرية صخابة الإحتجاج على واقع الظلم، ولكنها تنتج ظلماً أكبر منه بدلاً من معالجته لأنها عدمية لا تمتلك الأدوات ولا البرامج لمعالجة الأزمة المستحكمة. وهي قابلة للنمو في ظل نظام الحكم الحالي الذي يتوهم إمكانية السيطرة عليها واستخدامها ضد خصومه، وفي ظل محيط إقليمي تتوهم إستخباراته أنها قادرة أيضاً على السيطرة على هذا الشيطان وتوظيفه لتحقيق أهدافها أيضاً، رغم التجارب المريرة التي تثبت خطل هذه الأوهام، وتؤكد أن هذا الكائن اللاعقلاني لا بد وأن يخرج يوماً ما عن السيطرة ويرفض التوظيف ويوسع دائرته التكفيرية لتشمل مشغليه أيضاً.
(13)
ختاماً، نتمنى ألا نكون قد رسمنا صورة قاتمة لواقع ترغب مجموعات مختلفة في تأسيس أحزاب جديدة في ظله، في سياق الحراك الذي أفرزته إنتفاضة سبتمبر المجيدة . وألا تكون مساهمتنا هذه مثبطة أو محبطة لهم، فالهدف منها هو المساعدة في فهم الواقع، لا كسر مجاذيف من يود الإبحار في هذا البحر اللجي العميق.
د. أحمد عثمان عمر
a[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.