والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحوار
نشر في الراكوبة يوم 06 - 04 - 2014

على مر التاريخ ظلّت القضايا السياسية داخل الأمم والأوطان مسرحاً للخلاف، خلاف في الأهداف، وبعضها في المبادئ والوسائل، وأخرى في الآليات. وقد تطورت الخلافات في بعض الأمم إلى حروب طاحنة بين قطاعات الشعب، أدت تلك الحروب إلى تمزّق الأوطان أحياناً، وتشتت الشعوب في أحيان أخرى. وليس أدل على ذلك من أمثلة كما هو الحال في يوغسلافيا السابقة التي تحولت إلى خمس دويلات، هي صربيا وكورواتيا والجبل الأسود وكوسوفا والبوسنة والهرسك. ولدينا أيضاً الصومال التي ما زالت تتأرجح بين دولة ولا دولة. ورواندا التي شهدت حرباً أهلية طاحنة راح ضحيتها قرابة مليون نفس بشرية خلاف التشرّد وإفرازات الحرب. ولعل أندونيسيا التي انشقت عنها تيمور الشرقية مثال آخر، وإثيوبيا التي انفصلت عنها إريتريا وغير ذلك كثير. كل هذه الأمثّلة تحكى عن نماذج ودلالات عملية لمحاولات بعض قطاعات المجتمع بمسميات متباينة، في الإصرار على احتكار السلطة والثروة، وحِرمان قطاعات أخرى من ممارسة حقّها في تكافؤ التفاعل السياسي بما يحقق عدالة الحقوق والواجبات. هذه الأمثلة هي عِبر للشعوب والأمم السعيدة التي تستوعبها فتتفادى نموذجها. ولِما نذهب بعيداً في البحث عن عِبر السعداء بعد أن تجاوزناها ولم نأخذ بها في حينها، نحن في السودان لدينا تجربتنا كأشقيا، حيث جاءت العِبرة في أنفسنا تصديقاً للمثل الشائع (السعيد من اتّعظ بغيره، والشقي من اتعظّ في نفسه). وكانت النتيجة أن انفصل الجنوب وخوفنا على ما تبقّى.
لا يختلف إثنان في أن الحِوار هو أفضل الوسائل للوصول إلى حلول أكثر قبولاً لخلافات أي مجتمع، لا سيما إذا كانت القضايا التي يتم حولها النقاش هي قضايا سياسية. أقول أكثر قبولاً لأن هنالك وسائل أخرى لمعالجة القضايا الخلافية ومنها الوسائل الأمنية العسكرية التي تنتهي بانتصار طرف وإملاء شروطه على الآخر، أو بتراضي الأطراف على حلول أملتها أطراف خارجية أقوى، أو ضَعف الأطراف المتحاربة أملاً في إستراحة ثم مواصلة الحرب، ووسائل حِرمان طرف للطرف الآخر من كل المقومات التي تمكّنه من التحرّك لاستعادة حقوقه، أو حتى قدرته على طرحها. ولكن تبقى نتائج حلول هذه الوسائل أقل قبولاً لدى المجتمع حتى وإن ترآءت بأن أي منها قد أفضى إلى شبح حل. والقناعة بالحوار مرحلة متقدمة من الإعتراف بتكافؤ فرص تبادل الرأي للوصول إلى معالجات يقبلها غالب الشعب.
دعونا إذاً نتناول دعوة الحوار التي أطلقها الرئيس البشير في السابع والعشرين من يناير 2014م، وبصفته رئيس حزب المؤتمر الوطني الذي تأسس في كنف سلطة الحكومة التي أسمت نفسها (الإنقاذ)، وتمتّع الحزب بمزايا الرعاية والتمكين بتسخير امكانيات الدولة، حاله في ذلك حال الإتحاد الإشتراكي أو تحالف قوى الشعب العاملة في عهد حكومة مايو بقيادة الرئيس الأسبق جعفر النميري، ومعلوم أن حكومة الإنقاذ إستولت على السلطة بعد إنقلاب عسكري أطاح بحكومة منتخبة ديموقراطياً، وذلك في الثلاثين من يونيو 1989م. الجدير بالعلم أن حزب المؤتمر الوطني وقبله الإتحاد الإشتراكي، تأسسا خلافاً للعُرف السائد في إنشاء الأحزاب السياسية. عرفياً يؤسس الحزب السياسي ثم يتنافس وفق رؤيته وبرنامجه مع أحزاب أخرى لكسب سباق التفويض من الشعب ليتولى السلطة فيطبّق برنامجه، في حين أن الحزبين تأسسا كأحزاب لحكومة تولّت السلطة بالقوة عبر إنقلاب، وفرضا رؤيتيهما وبرنامجيهما على الشعب على توالي فترات حكميهما وحاولا إجبار الشعب على تفويضهما بعد ذلك بإقامة مسرحيات إنتخابية. كانت تجربة الحزبين منافية للفطرة النقيّة للحراك السياسي، لذلك جاءت المآلات كارثية على الشعب والوطن.
كشف حساب حكومة الرئيس البشير بالنظر إلى البيان الأول الذي أعلنه عشية الإنقلاب ليس فيه بُقع ضوء يمكن لحزب المؤتمر الوطني أن يستنير بها. ولست في حاجة إلى تبيان ذلك بشكل مفصّل، فقد كفاه معايشة الشعب السوداني كله في معاناته الحياتية وسردوا ذلك، وتناوله الكاتبون توثيقاً وحصراً وتحليلاً، بل أعلنه الكثيرون مِن أركان النظام وعلى رأسهم الرئيس البشير نفسه في أكثر من منبر. وفوق كل ذلك حال السودان المتردّي اليوم يجسّد تجربة 25 عاماً من الحكم الأحادي. لكن لتنشيط الذاكرة أُعيد بعض كبائر النظام لعلها تفيد كثيراً فيما أذهب إليه من حديث حول دعوة الحوار.
إليكم ومعكم نعدّد الكبائر، فقد بدأ البشير ومشايعيه عهدهم بالإطاحة عبر إنقلاب عسكري بحكومة منتخبة ديموقراطياً وداسوا على رأي الشعب الذي انتخبها، وأعلنوا أنهم استولوا على السلطة بالقوة وعلى من يريدها عليه بالقوة. كمموا الأفواه والحريات وفتحوا بيوت الأشباح فعذّبوا وقتلوا ما لا نجزم بأعدادهم وهم كُثر. أعلنوا الجهاد على شعبهم فأشعلوا حرباً واسعة في الجنوب وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، وبسبب تلك الحرب فقد السودان ما يزيد على مليون نفس بشرية بخلاف التبعات الأخرى. فتحوا السودان لإيواء مجموعات وأفراد بينها وبين حكومات بلادها نزاعات، وآخرين متهمين بأنهم ارتكبوا جرائم إرهابية، وتسبب بذلك في عُزلة السودان وحِصاره، وإساءة علاقاته الإقليمية والدولية. سيّسوا الخدمة المدنية فشرّدوا عشرات الآلاف واستبدلوهم بالموالين فانهارت الخدمة المدنية المميّزة سابقاً، وبسبب ذلك تدهورت الخدمات، وخاصة في التعليم والصحّة، وتعشعش الفساد الإداري والمالي. طبّقوا نظام التمكين في الثروة، فجعلوها في أيدي مواليهم كما هي السلطة واحتكروا الإستثمار لهم، وأهملوا البنيات التحتية وفككوا المشاريع الإقتصادية الكبيرة التي كانت قائمة وتمثّل ركائز راسخة للتنمية والإقتصاد. أشعلوا الحرب في دارفور في العام 1998م، ولم تكن حينها الحركات المسلّحة قد تأسست بعد، ورفضوا الحلول السلمية الحكيمة التي توصّل إليها والي شمال دارفور الأسبق الفريق إبراهيم سليمان فيما بعد حتى لا تتطور الأمور إلى الأسوأ وعزلوه جزاءً على توجّهه السلمي (راجع كتابي: دارفور وأزمة الدولة في السودان)، فتطور النزاع وتعقّد وما زال، وفقد السودان مئات الآلاف من الأنفس البشرية بخلاف التبعات. لم يُحسنوا إدارة الفترة الإنتقالية بعد إتفاقية السلام الشامل 2005 – 2011م لجعل الوحدة هي الخيار فانفصل الجنوب. أفقروا الشعب، واعترفوا بأن 97% منه فقراء أو تحت خط الفقر، وأجبروا بذلك ملايين السودانيين للهجرة خارج بلادهم لعدم قدرتهم على العيش في وطنهم رغم ثراؤوه بكل الموارد. أدركوا بأن إقتصاد البلاد في إنهيار متواصل، وأنه قد بلغ القاع ويكاد الإنهيار أن يتمدد راقداً في قاع الهاوية. وتوّجوا العهد بأن طمسوا القيم والتقاليد والأعراف التي ظل الشعب السوداني يعيش في حياضها متسامحاً فأصبحت الأجيال الناشئة تنشأ كالنبت (البروس)، وليس لهم في ذلك ذنب. إذاً هذه 10 كبائر تعلمونها بتفصيل، لكنني ذكّرتكم بها لعل الذكرى تنفع حيث نُفكّر جميعاً في الخروج بالوطن من منزلقه. لا ننسى أن نذكر بأن إنتاج البترول وتصديره حدث في عهد حكومة الإنقاذ، وأن بعض الطرق الأسفلتية والجسور والمباني الجميلة قد تم بناؤها في العاصمة الخرطوم وفي أماكن قليلة أخرى، وأن طريق شريان الشمال وطريق التحدي وسد مروي وتعلية خزان الروصيرص هي في عهدهم، لكنها قطرة من بحر كان يمكن أن يكون مثله أضعاف بوجود أي نظام يرتضيه الشعب، ومع ذلك استخدموا القطرة لإرواء الكبائر العشر. السودان هو الوطن الوحيد الذي يتراجع من بين دول العالم قياساً بسابق حاله. ثم جاء الرئيس البشير في السابع والعشرين من يناير 2014م وأعلن دعوته للحوار لإنقاذ البلاد من جديد!! وهو إعتراف بأن مسيرة 25 عاماً تحت حكم أحادي كان طبيعياً أن يبلغ هذا المآل. بالتأكيد يجب أن يعلم قادة المؤتمر الوطني بأن ما حدث هو نتاج حكمهم للبلاد أحادياً وببرنامجهم، وبالتالي يجب أن يُدركوا بأن أحداً لن يرغب في أن يشاركهم حَمل الوِزر، فكما جعلوا كل شيئ حصرياً لهم، عليهم أن يتحمّلوا الوزر حصرياً أيضاً.
دعونا نستعيد بعض التجارب المعاصرة للحوارات التي جرت عند بعض الشعوب لمعالجة أزماتها السياسية. نأخذ جنوب أفريقيا مثالاً، فلما دَعَى نظام الفصل العنصري بقيادة رئيسه فردريك ديكليرك في جنوب أفريقيا حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة الزعيم الراحل نلسون مانديلا للحوار، كان الأخير في السجن، فرفض دعوة الحوار قائلاً فيما معناه كيف لمن لا يملك حريته أن يتحاور، ومانديلا بذلك لا يعني فقط إخراجه شخصياً من السجن، وإنما أراد أن يُثبِّت استحقاقاً إلزامياً لجميع الشعب الأفريقي المستلبة حريته، وجسّد ذلك في إطلاق سراحه وسراح الآلاف من المعتقلين، ورفع قيود الحريات. كما قدم النظام العُنصري اعترافاً صريحاً وموثّقاً بأنه ارتكب خطيئة تاريخية بتبني ذلك النظام وندِمَ، وأعلن أنه يقبل تفكيكه ولن يعود إليه. هذه استحقاقات إلزامية سبقت الحوار، لذلك نجح الحوار ونجحت جنوب أفريقيا في تجاوز مأساتها. في تونس ظلَت الخدمة العامة والإتحاد العام للشُغل (إتحاد النقابات) مستقلاً ولم تتغول عليهم حكومة حزب النهضة، وافق حزب النهضة بأن يدير الإتحاد العام للشغل الحوار، ووافق أيضاً على أن يَحُلَ حكومته ويقبل بتشكيل حكومة إنتقالية يرأسها رئيس محايد تُعد مشروع الدستور، رغم أن النهضة جاءت إلى السلطة عبر إنتخابات نزيهة وليس عبر إنقلاب كما هو حال نظام البشير. وكانت تلك هي الإستحقاقات التي مهّدت لنجاح الحوار والخروج بتونس إلى عهد جديد. في اليمن توسط مجلس التعاون الخليجي، وكان نتاج ذلك هو أن قدّم حزب المؤتمر الشعبي العام برئاسة الرئيس علي عبد الله صالح الإستحقاقات الإلزامية لإنجاح الحوار، وفي مقدمة تلك الإستحقاقات تنحّيه عن السلطة وتشكيل حكومة إنتقالية محايدة تدير الإنتقال وتمهّد للإنتخابات، وتمكّنت اليمن من تخطّي عقبة رئيسية من عقبات الإنتقال إلى مرحلة حوار حقيقي لا بد أن تُفضي نتائجه بنهايات إيجابية ونظام ديموقراطي. أنظمة كل الدول ذكرتها لم ترتكب الكبائر العشرة التي أرتكبتها حكومة المؤتمر الوطني في السودان، ولم يبلغ حجم قتل الشعب عند أشنعها، واحد مِن ألف مما حدث في السودان.
حسناً نريد أن ننتشل البلاد من مأساتها، ولكن ليس بالأماني وحدها يتحقق ذلك، للحوار مقتضيات إلزامية، استحقاقات أساسية تسبق لتهيئة مناخ معافى للحوار، إذا لم تتوفر يصبح الحِوار أجوفاً يردد الصدى الذي يُطرب المؤتمر الوطني. هذه الإستحقاقات بالتأكيد ليست شروطاً كما يسمّيها المؤتمر الوطني أو من يشاركونه الرأي. والإستحقاقات في الحالة السودانية أكثر ضرورة، عطفاً على إرث التعامل مع المؤتمر الوطني المتمثل في حزمة من الإتفاقيات ووالوعود الجوفاء. إذاً تجسيد الإستحقاقات على الأرض حتمي ليتوفّر المناخ الضروري لإنجاح الحوار، ومِن ثَم يجب أن تسبق إنطلاق الحوار لأنها كما قلنا إستحقاقات أساسية وليست شروطاً لأطراف.
لنرى إذاً ما هي هذه الإستحقاقات الإلزامية، هي الإعتراف الصريح المُعلن من المؤتمر الوطني ونظامه الحاكم للشعب السوداني، وبأنه ارتكب الكبائر العشرة وفي مقدمتها خطيئته السياسية بالإطاحة بحكومة مُنتخبة ديموقراطياً، وأنه يندم على فعلته التي فعل ويعيد الحق إلى أصحابه وهو الشعب، ولن يعود إلى مثل تلك الخطيئة مستقبلاً. إرتكاب إي حكومة جزئية واحدة من الكبائر العشرة في أي بلد آخر تحت حكم نظام ديموقراطي كفيل بالإطاحة بالحكومة وحزبها. إعادة هذا الحق تقتضي أن يترجّل الرئيس البشير وكامل حكومته الإتحادية وحكوماته على مستوى الولايات، لتتفق كل القوى السياسية السلمية والثورية المسلّحة على تشكيل حكومة وطنية إنتقالية تقودها شخصية محايدة يتم الإتفاق حولها لإدارة مرحلة الحوار، مروراً بوضع مشروع دستور دائم وصولاً إلى الإنتخابات المتعددة النزيهة لاسترداد الديموقراطية، وأيضاً حكومات ولائية إنتقالية. بالطبع ضمن إعادة الحقوق ينبغي إلغاء القوانين المقيدة للحريات وتمكين الشعب من التعبير الحر والممارسة السياسية بلا مضايقات، وإطلاق سراح جميع المعتقلين بتهم سياسية أو بسبب تبنّيهم النضال المسلّح ضمن قضايا الوطن المعروفة بدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق. إعلان وقف شامل للعمليات العسكرية في كل الجبهات يتبعه إعلان مماثل من قوى المعارضة المسلّحة ليتمكّنوا من المشاركة في إرساء الإستحقاقات الإلزامية التي كما قلنا هي سابقة لأي حوار. كل القضايا الأخرى تبقى هي على طاولة الحوار بعد ذلك.
إذا لم يحدث هذا وبقي الرئيس البشير وحزبه ممسكين بالسلطة ورغم ذلك وافقت بعض القوى السياسية على المشاركة في الحوار كما يرشح الآن، فإن تفسير ذلك لا يخرج عن ثلاثة احتمالات في قراءة إستعادة مشابهة لما حدث بين نظام الرئيس نميري وبعض قوى الجبهة الوطنية في العام 1977م . الإحتمال الأول هو أن هذه القوى السياسية الموافقة قد سئمت الإنتظار، ودخلت في ثمة تقاسم للسلطة تم الإتفاق عليه يتم توزيعه في الإنتخابات القادمة، ولكن يحتاج إخراجه بواجهة الحوار، ويتم تضمينه في الدستور المرتقب حتى تكون مخرجات الإنتخابات مقبولة لدى الرأي العام المحلي، ومهضومة مِن الجوار الإقليمي، ومرضي عنها من المجتمع الدولي. من جهة أخرى تستخدم حكومة المؤتمر الوطني ومشاركيها النتائج أرضية للإنطلاق في محاولات فك الحظر على سفريات البشير إلى منتديات ليس ممكناً حضوره لها في الوقت الحالي، وذلك عبر تجميد وتأجيل دوري لقرار المحكمة الجنائية من مجلس الأمن، بالإضافة إلى معالجة ديون السودان ورفع العقوبات الإقتصادية. الإحتمال الثاني هو الإعداد لمواجهة فرضية إنتقال السيناريو المصري إلى السودان، خاصة مع بروز تحالف قوي بين مصر والسعودية والإمارات، ولما لمثل هذا التحالف من تأثير على الساحتين الإقليمية والدولية في المحورين السياسي والإقتصادي، والخوف من دعم هذا التحالف لتوجّهات التنامي والوعي الجماهيري العازم على تغيير حقيقي في السودان يجسّد مبدأ المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وبالتالي لامست خطورة الموقف المشروع الحضاري وبرنامج الصحوة وبرنامج الجمهورية الإسلامية، فدفعتهم مخاوفهم إلى تحالف عاجل.
الإحتمال الثالث هو لُعبة التذاكي المتبادلة، وهي محاولة قُوَى المعارضة التي وافقت على الحوار دون توفر استحقاقاته الإلزامية، وتعتقد بأنها يمكن أن تقود المؤتمر الوطني وتحشره في زاوية تأمل أن يودّي ذلك إلى خلخلته وشرذمة قياداته في بؤر ومراكز قُوَى تتصارع وإضعافه، حتى عندما يبدأ في أكتوبر المقبل لاختيار مرشحه لرئاسة الجمهورية، تكون الخلافات داخله قد بلغت أوجها فينهار ومعه ينهار النظام. والمؤتمر الوطني بدوره يعتقد بأنه الآن يعيش حالة غليان داخلي وتجاذب أقطاب عينها على أكتوبر القادم حيث إختيار مرشّح الحزب لرئاسة الجمهورية، وبالتالي فهو في حاجة إلى ضخ جرعة تنبيهية بخطورة فقدان أحاديته وبقائه في السلطة، فيستخدم الحوار بعد أن يوفّر مناخ متراخي بعض الشئ للحريات حتى تنتفض القوى الأخرى بأنشطة وحراك سياسي وجماهيري عريض، تأمل أن يؤدّي ذلك في إدخال الرعب في قلوب قيادات المؤتمر الوطني المتصارعة، ويتحسسون أن اختلافاتهم ستقود إلى ضياع حزبهم وضياع السلطة برمّتها، فينزلون إلى التمسّك بالبشير مرشّحاً بحجّة وحدة المؤتمر الوطني واستمرارية الإنقاذ، واستخدام المناخ الذي وفّره الحوار لتعزيز وتمرير نتائج إنتخابات 2015م التي بلا شك يعمل على إخراجها كما يحلو له من الآن.
قلت أن لا أحد يرفض الحوار وسيلة لمعالجة قضايا الوطن، وأن للحوار أن ينجح ينبغي توفّر الإستحقاقات الإلزامية التي أشرت إليها في صدر هذا المقال، وعلى رأسها الإعتراف والإعتذار والندم، وتنحّي الرئيس البشير وحكومته الإتحادية وحكوماته الولائية، وتشكيل حكومة وطنية إنتقالية ترعى الحوار وتعمل على إعداد مشروع دستور دائم، وتُحضّر لإنتخابات حرة ونزيهة تؤدّي لاستعادة الديموقراطية، وتبدأ بمعالجة الكبائر العشر. بخلاف ذلك يكون المؤتمر الوطني بدعوته للحوار إنما يريد للآخرين أن يشاركوه أوزار الكبائر العشر ويقودهم إلى المشاركة في الإنتخابات القادمة مستنداً إلى أموال التمكين التي احتكرها، ويجعل من الآخرين حَوَاريين له يرددوا صداه مصدّقين كذبة أبريل.
عبد الجبار دوسه
6 أبريل 2016م
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.