وزير الصحة يؤكد دعم غرب كردفان واستمرار الخدمات الصحية رغم التحديات    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يخدع الجمهور بظهوره مع زوجته في شهر العسل ويفاجئهم ب"كابوكي"    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    ليفربول يحسم أمره ويقرر عرض محمد صلاح للبيع    السلطانة هدى عربي توجه رسالة لخصومها بصور ملفتة: (اصلوا ما تحاولوا تشوهوا صورتنا لي ناس الدنيا ضيقة)    شاهد.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا ثريا عبد القادر تحتفل بنجاح "بازارها" بصورة رومانسية مع زوجها    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يخدع الجمهور بظهوره مع زوجته في شهر العسل ويفاجئهم ب"كابوكي"    تبادل إطلاق نار في الخرطوم    إطلاق سراح 100 من نزلاء السجون الغارمين بكسلا    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    عثمان ميرغني يكتب: "إن جِئْتُم للحق.. أفريقيا على حق".    "Jackpotting".. كيف يستولي قراصنة على الصراف الآلي وأين بدأت هذه الهجمات؟    الإمدادات الطبية: وصول أول دعم دوائي مركزي لجنوب كردفان بعد فك الحصار    3 ميزات متوقعة في آيفون 18 برو بفضل شريحة " C2″ الجديدة    "ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    (سبتكم أخضر ياأسياد)    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    أئمة يدعون إلى النار    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أديس أبابا...زهرة إثيوبيا الجديدة
نشر في الراكوبة يوم 24 - 05 - 2014

تغفو أديس أبابا أوالزهرة الجديدة قلب إثيوبيا النابض،فوق أكمة تشرف على سهول يحيطها المروج والجداول، وتتربع بغنج ودلال وسط الجمال والخضرة الدائمة والاناقة الأصلية لشرق افريقيا والهضبة الحبشية، كطاوؤس فينيقي ينثر جماله الطافحعلي صفح الكون، ويرخي ظلال حسه الشاعري علي الطبيعة النابضة بالحياة.
وتشبه أديس أبابا منطقة ريفية خضراء تفوح عنها القهوة وعبق الزهور ورائحة الياسمين الزكية، لكونها تقع سياجا طبيعيا للمروج والإرتعاش المتواصل للأعشاب والمجارى المائية والمسنتقعات المترامية،والحدائق المفتوحة التي تمتد أميالا نحو الأفق،وتكثر فيها الغابات الصنوبرية والأشجار الباسقة كالسنديان، والجبال الشاهقة والسهول الواسعة، والهضاب المترامية، والروابي التي أصبحت شعار أديس ابابا الجميل.
رائحة التاريخ وعبق الماضي المتكأ على عظمة الحاضر بادى وبقوة على جبين زهرة إثيوبيا الجديدة، حيث الأماكن التاريخية تترنم وتعزف أناشيد تفيض بالمشاعرالإنسانية الصادقة والأحاسيس التاريخية، والمقار الحكومية التي لاتهدأ كخلية النحل، بل غارقة في خدمة الشعب وترسيم الحياة والسياسة المتبعة، وهيبة الحياة والليالي القرمزية الخانقةوألق الربيع والأجواء الرومانسية للمدينة، والحقول المزهرة التي تضج بالحياة، والشعب المهذب وقلة المكدرات سوى النظرات الفضولية لرجل الشارع والمتسولين الذين يظهرون أماكن الضعف والعاهة في أجسادهم أوالأعضاء التي تجلب الشفقة عندهم، تنتزع الإبتسامةوإن كنت في مزاج سئي وتغالب الأحزان وترافق الهموم التي تراكمت على رفوف القلوب.
الطابع الإفريقي المازج بين العفوية الموغلة في التكوين النفساني للشخصية الإفريقية، والطيبة والألحان الحماسية التي تلهب الوجدان، والجمال الأخّاذ ومظاهر الفقر ورنات التوجع واضح في كل الدروب والزوايا للعاصمة، حتىأصبحت العاصمة الحقيقية للقارة الأفريقية بسب موقعها المتميز وتاريخها الحافل بالحضارة الحبشية إضافة إلي السياسة الخارجية الإثيوبية القوية، والسلوك القيادي المؤثر لقادة الثورة عام 1991 الميلادية الذين مزجو بين التفاهم الضروري للعالم والإستقلالية الواضحة وعدم بيع السيادة للقوى الخارجية، مما مهُد لإثيوبيا أن تكون دولة مركزية للقرن الإفريقي، وقطرا محوريا للهئيات العالمية والمنظمات الدولية،وأديس أبابا أن تكون عاصمة إفريقية بنهكة إثيوبية خالصة عن جدارة واستحقاق.
تنتصب المدينة شامخة فوق هضاب جميلة ومنطقة جبلية ذات مظاهر فاتنة تغطيها السحب التي تجلجل الأفق في معظم السنة،وتعتبر القابلة الرسمية للجمال حيث تتحرش بك الأزهار في الطرقات وتغرد الطيور فوق الأغصان كقمرية شرقية تهمس في أذن الزمان،وتسير الخيول والعربات بغنج واضح ودلال كغانية حبشية رائعة تمنح على الحضور عذوبة المشاعر وطراوة الأجساد ونشوة الوصال ولذة التعامل مع الأحاسيس الوجدانية، وتوزع النظرات الموحية للمارة والزبون، وترحبهم بقلب رحب وذراع مفتوح في دنيا المجون.
في أديس أبابا لليل ألف حكاية وحكاية،!حيث تغرقالمدينة بمجرد غروب الشمس موجة عارمة من المرح والحبور،وتهز العاصمة أكتافها بطريقة قوية وجماعية ترقد علي أحضان الثقافة الإثيوبية العريقة، ومعينا فنياتدخل الزائر في بحر من النشوة والإبتسامة الطريفة، و في سكون الليل غالبا ما تسمع صوت الطبيعة الرنان وحفيف الأوراق المحيطة بالبيوت وأغاني عميقة تهز القلوب من مكانها، وفي كل الأزقات تلتقي فئات من البشر يسبحون داخل موجات النشوة الجميلة للقات، وربما جماعة مزهوة بقنينة بيرة مركونة بزاوية بعيدة وهادئة من الملاهي وحتي المطاعم ماعدى المطاعم الخاصة للمسلمين.
وعلي ذكر الإسلام والمسلمين فأديس أبابا مدينة إسلامية تصدح الآذان في مآذنها المتعددة، وتقابلك المدارس الإسلامية والمساجد والمصلياتالفرعية في كل شارع من المدينة، صليت أكبر مسجد في المدينة لأراقب أحوال المسلمين والمسجد عن كثب، فرأيت أمواجا من البشر يتدفقون من الشوارع والطرقات المحيطة على المسجد الذي يقع ميركاتو، أكبر سوق في الشرق الإفريقي أوالقارة الإفريقية قاطبة كما يقول روّاده لأداء صلاة المغرب وبجو روحي عظيم وسكينة نادرة، والمسجد يتكون من عدة مباني متلاصقة مع بعضها البعض وبني علي طريقة معمارية بديعة ذات شرفات واسعة، والجدران مزركش بآيات من الذكر الحكيم، و يسع أكثر من عشرة آلاف شخص في الصلاة الواحدة.
رأيت منظرا إسلاميا يسر الوجدان في مسجد أنور، فالناس غارقون في الذكر ومنهمكون في العبادة، فهذا يصلي وهذا يناجي ربه وقد علت تجاعيد وجهه وقور الإسلام وطمانينية الإيمان،وكانت الحلقات عقد الرمان والمظهر الأكثر نبضا وحيوية حيث الزوايا ملئية بطلبة العلم الشرعي وكل حلقة يتصدر فيها شيخ وقور بهيّ الطلعة، كما كان التكاتف والتعاون سمة بارزة في باحة المسجد حيث كان شاب وسيم يقسم علي الفقراء وجبات جاهزة يوفر للمسلمين لقمة العيش ويصون كرامتهم من التسول أو السطو،ولقد دمعت عيني وتأثرت بهذه المظاهر الإسلامية الرفيعة في قلب أديس ابابا.
التسامح الديني يظهر بوضوح في أديس أبابا التي تعيش فيها الأديان جنبا إلي جنب وبوئام تام، حيث تقع كنيسة ضخمة يصلصل جرس الصليب فوق هامتها قرب المسجد الكبير وعلى بعد أمتار قليلة منه، وقد يعزى لهذه الظاهرة النادرة في العالم الطبيعة الهادئة والإحترام الجم للشخصية الإثيوبية وإنشغال الناس بأساسيات الحياة،والفقر والمعاناة والحرمان الذي يوحد المجتمع لأنه يملك مذاقا واحد، حيث جذوره متصلة وأعراقه متحدة أينما حل وحيثما سكن، سواء في إثيوبياأوكوستريكا أوغينابيساو أوسلوفاكيا وهيتي، وكذالك أمنيات الفقراء وأحلامهم تهدم الحواجز النفسيةوالمستحيلات،رغم نسبية هذه الأشياء، إضافة إليهمومهم المتشابهة الي حدكبير.
الحياة في أديس أبابا متواصلة بطريقة سلسة، رغم المصاعب المعيشية والفقر الذي كبّل قدرات قارة أفريقيا الجميلة بما فيها إثيوبيا، والركض وراء لقمة العيش يشكّل سيمفونية من الصراع المتواصلوخفقان دائم وكفاح مستمر لا ينتهي، والأحلام الوردية للشعب الذي يشبه فسيفساء جميلا كلوحة زيتية تلتحف باليقظة المشوبة بالأمل ومستقبل واعد ملئي بالبشائر والتحديات أيضا، والبحث عن الأفضل والهجرات الجماعية من الريف إلي المدينة جعل العاصمة مزدحمة ومكتظة بالسكان وتسير جنبا على كتف فوق تربتها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة من ثمانين قومية غير متجانسة،متباينة اللغات واللهجات ومتعددة الأديان والمشارب والاهواء، ومختلفة التاريخ والأعراق والإنتماءت الإنثية، تجمعهم اثيوبيا ويوحدهم العلم والاتجاه الايديولوجي للدولة.
هنا وفوق رابية مطلة على الشارع الرئيس للمدينة أوقلبها النابض إن شئت وصهوةفلّلة غارقة في الجنان والربيع الذي يفيض جمالا وقرب لافتة وجدانية تهزها صوت الموسيقي الصاخبة التي تصدح في المباني المجاورة والاوتار التي تخترق الضباب من الجهة الشرقية للمدينة الوادعه على ضفاف المسرح الوطني الرابض قرب ميسكل إسكوير باريحية تامة حلمت بأن الأوتار الخماسية التي يقذفها الصوت الطري للعندليب إلي الوجود تغنّي لي وتعزف لي وحدي في وسط السكون، وأشعر أني مستمتع بكل مافي الربيع من الألق ومترع بانواع الجمال رفقة أخي المهندس أحمد فارح عمر صاحب الذوق الرفيع والمثقف النابه والحكيم الفيلسوف أو قل (السهل الممتنع) الذي لا يسأم في حضرته جليس ولا يمل عند قربه أنيس.
شئي ما يربط المدن الافريقية مع بعضها البعض، الرقصات العنيفة والأرصفة الباردة للمشردين والطبيعة الخلابة وخيوط دقيقة من الجمال الساحر والبؤس القاتل، والصراعات العبثية والحروب التي تبدأ بأتفه الأسباب، والضحكات المجلجلة والدموع الموجعة، والصراع مع أخطار الحياة والمرح الإفريقي الذي يحتوى الأحزان ويغتال الألم بمزيد من الجرعات الصاخبة للرقصات الفلكورية،تجعل العواصم الإفريقية من جوهانسبيرع إلي القاهرة ومن أبوجا إلي مقديشو نسخة متكررة ومطابقة للأصل.
في الضاحيةالشرقيةلعاصمة القهوة والسمراوات الطوال، بريق العيون والأحلام التي هرمت وشاخت وبساطة الإنسان والبؤس الواضح في العشوائيات تذكرك الضواحي المهمشة للمدن الافريفية ذات النسبة السكانية العالية، وتذكرتُ وأنا متجول في الحارة الضيقة والطرق الترابية المبللة بالمطر ورائحة البالوعات التي تزكم الأنوف البيوت الصفائحية والعشوائيات المنتشرة في حي مايو في الخرطوم وضاحية كابيرا في نيروبي لندن شرق أفريقيا كما يحلو لعشاقها.
والاحياء الراقية للمدينة تشبه الاحياء الاوروبية في العواصم الافريقية رغم الفوارق المتعددة والبون الشاسع في الخلفيات التاريخية ومرارة الماضي ومعاناة الحاضر وضبابية المستقبل، وفي الاجزاء الانيقة لعاصمة القهوة الاصيلة والاغاني الكلاسيكية ذات اللمسات الافريقية، يبدو كل شئ وكأنه يتحدى مع الواقع ويحاول النهوض رغم الجراح والهروب من معمة الفقر والمعاناة كالمارد،ويحاول أن يقهر قسوة الحياة وتقلبات السنين، ويخاطب تراجيديا الحياة وأسراب المتسكعين والغلابة الذين أذابهم عرق الجبين ويخطفون لقمة العيش عن أنياب الموت وعرين السؤال المخجلة في الطرقات السريعة، وقرب الاشارات المرورية التي تساعد البسطاء للوصول إلي فريستهم بطريقة قد تكون مبتذلة أوملتوية،أوالازقات التي تنام فيها الاحلام بين دروبها كدب روسي كسول تجمد في الجليد السيبيري البارد، بمزيد من الجمال المترعبالإبداع وإستكشاف مائة طريقة وطريقة للتغلب علي مظاهر البؤس والأسى والّلدغات الموجعة لعقرب الفقر.
قلة اليد والموارد الشحيحة للدولة لم تغتال الأمل، بل أضفت المشهد الإثيوبي مزيدا من النضال والكفاح، والتوجه معا نحو إزالة العقبات والعوائق، وخلق واقع جديد يشحذ الهمم ويذكي العبقريةويلجم نزوات الروح وطيش القادة وطمع القلوب، ويقلم أظافر الفساد وأنياب المجرمبن ويشذب شوكة تبييض الأموال واستخدامه بأغراض خاصة، وهذا ما جعل أديس ابابا تحفة معمارية تفتخر بها الاجبال.
واليوم تسير في إثيوبيا عامة وخاصة أديس أبابا ثورة عارمة من النهضة، والعمارات الشاهقة التي تناطح السحاب والطرق السريعة ذات الهندسة المعمارية المستوحاة من الغرب، والكباري المتعددة والشوارع النظيفة التي تتوسط في المباني التاريخية والقلاع الأثرية والقصص الرائعة لمغالبة الفقر، والحركات الحيقية والمساعي الحثيثة والرؤية الموغلة نحو التغيير الإيجابي، يجعل المرأ مشدوها بالإمكانيات البسيطة التي أستخدمت في العمران والتطور وإستثمار الاراضيوإصلاحها، وتزيد الدهشة إذا علمت أن الميزانية المخصصة للمشاريع تذهب بطريقة كلية نحو الهدف بعيدا عن جيوب الفاسدين والمرتزقة والانتهازين.
لم يعكر صفو الأيام المتألقات في أديس أبابا سوى الأيادي الغبية التي تحارب الجمال وتغتال الامل في رحم الغيب، والظلام الدامس وبحور الحنادس الذي كنا نسبح فيه، والإنقطاع الكهربائي ليليا وبعد منتصف الليل بساعة ونصف وحين يشتد وطيس السهر علي وقع أفلامMBC المثيرة والغامضة وخربشاتها الفكرية وأكشنها وإثارة الدراما الحزينة في شاشتها، ومشاعر الحب المنسابة من ZEE AFLAMوفي صحبة الرقصات المهرجانية للجموع الهندية،والقصص الغرامية المبكية والحكايات التراجيدية والأساطير الميلودرامية الحزينة، وشؤم الطبقات بين المحبين والصرامة العجيبة التي تشرئب إليها أعناق بونابرت وشارون ونيرون والقذافي وتتقاصر عنها عدوانية النازيين والفاشية العصرية وغطرسة الإمبريالية العالمية.
ويبدو أنعدوى صنعاء وصل الي زهرة إثيوبيا الجديدة،وأحتاج الي قلم مذهل وسخرية الصديق جمال جبران لأعبر ما يجيش في صدري المخنوق منأجل بحور الظلامالذي فوتني فلما وثائقيا سهرت من أجله، إضافة إلي فلم المصفوفة المشوق الذي كنت أنتظره منذ إسبوع كحبيبة تشبه شفق المغيب رجعت بعد الهجر في أمسية إفريقية سريالية.
وبما أن الخيال الجامح ليس له حدود والحب لا يعترف القيود ولا الحدود ولا الظلام الدامس،عوضت غياب التيار الكهربايئ عن عمارتنا بإشعال نار الذكريات والسفر عبر الزمان وبقلب يهيم في رحلة حب ربيعية مظلمة وحس مرهف وشفاف ، وكان سكون الليل وظلام المدينة ورومانسية الأجواء بعد منتصف الليل تثير في نفسي جمرة الحنين ومرسال الشوق وعطش الروح، والذكريات الهاربة كزرائب الطيور تأخذني في البعيد المجهول وحيث تعيش هي وينام الحزن والمعاناة في وسطه،لأن حبها يعني لي حصاد ركض السنين،وعلي إمتداد سنوات عمري التي بدأت قرابة منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم لم أعشق غيرها بل كنت أرى الحياة في بريق عيونها الجميلتين.
حبيبتي جميلة كفراشة السواقي وجذابة كزهرة الربيع، ومن ريقها العذب الزلال أروي عطش الروح في هدأت السحر، ومن جسمها الناعم وقامتها الهيفاء أوأسّس عالمي الخاص ومملكتي العشقية الصغيرة التي تحارب الركود وتتخطي كل المحن والمآسي من أجل أيقونة الحب وحبيبة مازال حبها نبض يردده شراييني،عشت صحراء الحب العتمور أهيم علي وجهي، أستحضر الذكريات وآماسي الحب وأمسياته، والمرح حينما كنا نفضفض فوق الجداول وتحت الترع والتلال المحيطة في حقولنا الوادعة علي حضن نهر جوبا الكبير، وخرير المياه تترنم كآلة موسيقية تفتح نافذة القلوب أو كسينما متجولة تتسمر العيون علي جمالها.
أحارب سأم الزمان بهطول غيوم الذكريات الدافئة علي قلبي وسهادي الذي يجرجر حنيني والمشاهد التي تغذي حدائق قلبي والصورالتي تأتي من عمق السنين، وخاصّة في صباح يوم غائم كان ساقها الأيمن مكشوفا ومغمورا في المياه الضحلة للضفة الجنوبية لنهرجوبا، لم أنسحركة قطرات الماء فوق سطحها المصقول بإنسابية عجيبة لم أر لها مثيلا.
في ذالك اليوم المترع بأحاسيس الحب والجمال إجتاحتني عاصفة خرساء أرسلتني إليها، وطوى الحب جميع الفراسخ المساحية والأميال القياسية والأمتار الوجدانية التي كانت تبعد عني روحها الشفافة وجمالها الباهر.
كنت مشاغبا وجرئا عندما أتكلم عن الحب، لذا جلست بطريقة ذكية إلي جانبهاقرب حقول السنابل لأسرتها التي تمتد من ضفاف النهر إلي وسط الغابات وتخوم الصحراء، نظرت إلي الجهات الأربعة أتفقد حساد الحب ولحظات العمر القصيرة دائما، وأتهرب من عيون الكاشحين والنظرات الفضولية للأعراب والقهقهة الساذجة لأتراب الحي، والقرويين وقوانينهم الصارمة، فتأملت رقصة الخصلات علي جبينها النحاسي والرائحة الزكية التي تفوح عن شعرها المتدلي على ظهرها المغطي بخمارها الأسود.
نظرتْ إليّ بغنج الحب ودلال العشيقة، فأبحرت بحور الحب في وسط عينها النجلاوتين، وفي هذه اللحظة الحاسمة لم أستطع أن أقاوم سهامها القاتلة وبريقها الساطع، فقبلت بطريقة موجعة علي جبينها،ولدت مقارنة سريعة ومقصودة بين وجهها ولون الأصيل الخلّاب والأزهار الفواحة للحدائق البهيجة، فكان جمالها أوفرا وأناقتها أكثر وعبقها أزكى من الورود.
تمر الأيام ولا أنسى كيف كانت تضع خمارها الأسود فوق وجهها المستدير فيبدو وكأنه بدر في كبد السماء، وكلما أغمضت عيني واتجهت للكرى هربا من السواد في وسط الليل الافريقي المبلل بدموع المآقي وبكاء السماء التي تجود المطر بحاتمية نادرة علي الأطلال والمدن والقرى،وشبح الحب الذي لايفارق أمام ناظري،سفينة الحنين تتجه نحو الغربة والمنافي التي تعيشها ويرسو زورق الحب فوق بساط قلبها القاني.
حب الإستطلاع وقوة الذاكرة التي لاتنسى، وجمالية المدينة والحبيبة التي تعيش في المنافي حشرتني إلي الروابي الرمادية، فقمت بزيارة لطيفة تعني الوداع لعاصمة القهوة ومفارش القات ومصارعة الأحلام إلي الأماكن السياحية والأبنية التاريخية والقلاع الأثرية والساحات الشهيرة للمدينة، ولم أنس المظاهر الحضارية والأحياء الشعبية والأسواق المتطورالتي تعج علي الزبائن وفي مختلف الأعراق والألوان.
وفي أول الوهلة للزيارة الوداعية يد الجمال أخذتني بعيدا وتجولت داخل الأسواق والمولات التجارية وأوجه الحسناوات، وكدتُ أن أكتب القصائد علي وقع تأثير الجمالوالإيقاعات الشجية للموسيقى الطويلة والسمراوات الأنيقات اللآئي يأسرن القلوب ببشرتهن النحاسية والقامة الهيفاء والنظرات التي لا تخطئ.
دخلت في صمت رهيب وخلجات متباينة مع الضحكة والصخب الذي يلد النكة عندما دخلت مدينة الملاهي واللعب، وركبت آلة إلكترونية للإستجمام ترتفع تارة وتهبط تارة أخرى،وأعتقد أنها خصّصت للمرح والضحك العفوي وربما لمنح جرعات من الحبور ضد التوحد والنفسيات التي ينتج عن أنماط حياتنا المتسارعة في المدن الكبيرة.
وأخيرا ودعت المدينة في ليل بهيم وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وفي هذا الليل لم تكتحل أجفاني بالنعاس، بل كنت أراقب صفو السماء المرصعة بالنجوم، والمدينة الهادئة وضوءها القرمزي ونغمات الوداع التي تصك في أذني ،وكنت متأثرا مظاهر البؤس والشقاء للبسطاء الكادحين، كما كنتمتدثرا برداء الحنين الذي يتراكض كالسواقي، وكنت أعاني موجات طولية وغامضة من التعلق والتشبيب، والإنسياب الخفيف لذكرى الأماكن الذي يتهادى بين فروج الزمن وصدى الأوتار كشرائح رقيقة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.