ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تثير الجدل: (لو في ولد عجبني بمشي بقول ليهو أديني رقمك) والجمهور يسخر: (خفيفة زي شاي البكاء)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    زيارة تفقدية لوالي سنار إلى محلية سنجة    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جدل الحداثة وما بعد الحداثة: الخصائص والحوار والصراع والاستراتيجيات
نشر في الراكوبة يوم 22 - 11 - 2014


مدخل
الحداثة وما بعد الحداثة, مصطلحان ظلا يثيران الكثير من الجدل والالتباس, خاصة في المنطقة العربية, التي بقدر حاجتها للأفكار واللغة والاصطلاحات الجديدة, تعاني من سوء النقل وسوء الفهم للكثير من هذه الأفكار والاصطلاحات. ما هي خصائص كل من الحداثة وما بعد الحداثة؟ وكيف نفرق بينهما؟ وأين يلتقيان وأين يفترقان؟. وكيف يمكن أن نتعامل مع المفهومين في منطقتنا وفي بلادنا ؟. الحوار التالي يحاول مناقشة هذه الأسئلة, ومن خلالها يضيء بعض الإشكالات المتصلة بالمفهومين الجدليين الحداثة وما بعد الحداثة. وهو حوارٌ أجراه معنا الكاتب الروائي والأستاذ الصحفي عيسى الحلو(الرأي العام). نورده هاهنا, مع تحريرٍ وتعديلٍ طفيف, وإضافات هنا وهناك, ضمن هذا الباب الذي يعرض للجدل المتصل بالحداثة وما بعدها في تجلياتهما الثقافية والاجتماعية والأدبية والجمالية المختلفة.
قصيدة النثر هي أبرز تجلي لما بعد الحداثة
الناقد الأدبي الدكتور عبد الماجد عبد الرحمن ناقد متخصص في اللسانيات وتحليل النص والخطاب، وهو يشتغل على أساس أفق النقد الحديث، إذ يقف كثيراً عند المصطلح لتحديده قبل استخداماته كأداة من أدوات تفكيك النص أو تحليله. وبما أن هذه الإجراءات في الدراسات النقدية العربية ذات جدة.. رأينا أن نحاور الناقد الدكتور عبد الماجد حول كل هذه الأمور علنا نقف أمام عتبات هذا النقد متأملين الأدوات والمصطلحات.
(الأستاذ عيسى الحلو)
أرجو تحديد مصطلح الحداثة وما بعد الحداثة؟!
المصطلحان معقدان وبينهما تداخل وتقاطع, ولا وجود لتعريف «جامع مانع» لهما وسط الدارسين. بل إن ما بعد الحداثة ( Postmodernism/Postmodernity) لا تعترف أصلاً بإمكانية وجود مثل هذا التعريف, بسبب أن التعريف مهما كان دقيقاً يميل إلى التقيد والتأطير, وهي رافضة لفكرة "التأطير". وذلك يأتي ضمن رفضها للنظريات الكبيرة والأفكار الشاملة التي تدعى القدرة على تفسير الإنسان والكون والتاريخ.. وهذا ما يطلق عليه ليتوارد Jean-Francois Lyotard مصطلح "القصص الكبيرة" ( Grand Narratives)، كما سيأتي لاحقاً.
بما أن المصطلحين متداخلان ومتقاطعان، سيكون عرضنا لهما هنا متداخلاً ومتقاطعاً، أيضاً.
يمكن تحديد المصطلحين من خلال ثلاثة محاور:
1- المحور الاجتماعي والاقتصادي.
2- المحور الفلسفي.
3- المحور الجمالي والفني.
في المحور الأول يحاول جيمسون Jameson)) الربط بين الحداثة وما بعد الحداثة بمراحل تطور الرأسمالية العالمية. وضمن هذا الرصد الاقتصادي تأتي الحداثة ملتصقة بالرأسمالية الاحتكارية، بينما ترتبط ما بعد الحداثة بالرأسمالية الاستهلاكية أو رأسمالية المستهلك Consumer capitalism)).. ويمكن إضافة أن ما بعد الحداثة متجلية اقتصادياً في الرأسمالية المعولمة وهي, عند بعض المنظّرين, آخر مراحل النمو الرأسمالي الآن. فكما لا وجود لحدود جمركية لانتقال البضائع، لا تعترف ما بعد الحداثة في تجليها الجمالي بحدود للنصوص والأجناس الأدبية، حيث ينتقل النثر بسهولة إلى الشعر والشعر إلى الرواية والقصة وهكذا دواليك. فالربط هنا جدلي ديالكتيكي وليس ميكانيكياً.
والمحور الفلسفي يعنى أساساً بمنظومة الأفكار والنظريات والمفهومات التي توجهت إلى الإنسان باعتباره فاعلاً مهماً وجاداً ومسئولاً. وهي منظومة الأفكار التي أدت لاحقاً إلى الثورة الفرنسية «صرخة ديكارت» «أنا أفكر، إنا إذاً موجود», وهذا يعرف بالفكر الإنساني أو (الإنسانوي), إن شئت لإزالة بعض الالتباس, للتفريق بين هذا المعنى والمعنى الذي يرد عند الكلام عن المنظمات والجمعيات الخيرية ( Humanitarian/Charity) , وهنا تبرز معايير الموضوعية والعقلانية العلمية المرتبطة بالحداثة.. وهناك من الدارسين من يحبذ المصطلح الإنجليزي(Modernity) لاختصاص مصطلح ( Modernism) بالبعد الجمالي. في المقابل، ما بعد الحداثة شككت في مسلمات الفكر الإنساني ورفضت شمولية المعايير العلمية الموضوعية والفلسفة العقلانية وهذا ما يجعل التجسيد الجمالي للفكر ما بعد الحداثوي بارزاً في مفاهيم اللانظام ( Disorganisation) والتشظي ( Fragmentation) والبتر Discontinuity)) وغيرها (وهذا يتجلى الآن بشكل خاص في قصيدة النثر وبعض السرود الجديدة وفي "كتابة الفلاش" أو "الومض"). وهذه الخصائص والاستراتيجيات الجديدة يمكن قرائتها في إطار توسعة المنظومة الحداثوية- العقلانية نفسها, كما يرى بعض المفكرين مثل هابرماس, صاحب مدرسة فرانكفورت الشهيرة. وتشترك هنا الحداثة وما بعد الحداثة في ظاهرة التشظي وعدم الاكتمال، ولكن بينما تقدم الحداثة ذلك بطريقة رومانسية مأساوية حزينة، ما بعد الحداثة تحتفي بهذه الخصائص احتفاءً كبيراً باعتبار أن اللا نظام - الذي لا يعني بالضرورة الفوضى السلبية - هو قيمة جمالية ومعرفية في حد ذاته. في مقالة في عام (2007م) قالت ميري كلافس إن الحداثة كان مفهومها أن «الفن يصنع ما عجزت عنه مؤسسات المجتمع الأخرى». وهي تعني بذلك المعنى والتماسك المفتقدين في العالم المادي. ولكن الفن ما بعد الحداثوي لا يدعي لنفسه ذلك، بل يصنع واقعه الافتراضي ويروح يرقص حوله محتفياً به لذاته. وفي نظري تعتبر قصيدة النثر، هي الشكل الأدبي الذي تتجلى فيه ما بعد الحداثة بالطريقة الأبرز. يجدر بنا أن نشير إلى أن كلمة بعد، لا تعني (بعد) الزمنية "الكرونولوجية" المرتبطة بالتسلسل الزمني, بقدر ما تعني «بعد» الفكرية الجدلية المرتبطة برفض أفكار ورؤى محددة والعمل على تجاوزها إلى الأفضل.
فلسفة "الهويات" أيضاً تختلف في ما بعد الحداثة, عنها في الحداثة. فالهويات ( Identities), سواء الفردية أو الجماعية, تميل في الحداثة إلى الشمول والسكون والثبات والتحديد القطعي. بيد أن ما بعد الحداثة هزت مفهوم "الهوية" هزاً. فهويات ما بعد الحداثة متعددة ومتحركة ومتنوعة ودينامكية ومتعددة الزوايا والطبقات ومتغيرة على الدوام, وهي هويات ذات حساسية عالية تجاه السياق الاجتماعي اليومي. لا توجد هوية واحدة حتى على المستوى الفرد الواحد , دعك عن الجماعة, فالفرد الواحد, في منظور ما بعد الحداثة, هو كشكول هويات متحركة. والهويات نفسها يمكن أن تتم صناعتها وتركيبها وتسويقها اجتماعياً أو فردياً, وهذا ما يسمى بظاهرة التركيب الاجتماعي للهوية ( Socially-constructed identity).
في المحور الجمالي، ترتبط الحداثة بطاقم النظريات والأساليب والتيارات والأفكار التي نشأت في أوروبا وأمريكا بين نهايات القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب الثانية في نحو أواسط القرن العشرين. وهناك الفترة بين (1945) بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف الثمانينات وهي الفترة التمهيدية لنشوء ما بعد الحداثة التي نشطت بعد ذلك التاريخ وحتى زماننا هذا. وهناك صعوبة كبيرة وعدم اتفاق بين الباحثين والمهتمين حول رصد الحداثة وما بعدها زمنياً ومسح تطورها التاريخي.
اختصارا, سنعرض هنا للخصائص والمفاهيم والاستراتيجيات الجمالية التي تميز الحداثة وما بعد الحداثة - حيث التداخل والتقاطع في طائفة من هذه الملامح والخصائص:
1- تعمية الفواصل وتعويم الحدود بين الأجناس الأدبية.
2- التركيز على «النص» إذ لا وجود لشئ خارجه، حسب دريدا. فالخارج موجود ومتحرك هناك داخل مكونات النص, بطريقة أو بأخرى.
ولكن هذا لا يتعارض - كما يبدو - مع مقولات النقد الثقافي. فالإنسان في فكر ما بعد الحداثة هو كائنٌ ثقافي، أيضاً.
3- الاشتغال الجمالي على اللا نظام والبتر والتناقض وعدم التماسك وعدم الانسجام بوصفها ملامح جمالية في حد ذاتها.
4- استخدام التعدد الصوتي في السرد واختفاء آحادية ضمير الغائب.. فالسرد ما بعد الحداثوي هو سرد منفتح ومتغيّر وتعددي - ولا وجود لرؤية واحدة مهيمنة نرى من خلالها الأحداث والشخصيات والمواقف وكل شيء.
5- فيما يوجد ارتباط شبه عضوي بين الحداثة والبنيوية, تتصل ما بعد الحداثة بما بعد البنيوية بشكل كبير وعضوي- ومرة أخرى نذكر بالمعنى الفكري- الجدلي لكلمة «بعد» وليس المعنى الزمني-التسلسلي الكرونولوجي.
6- النقد ليس مساعداً فحسب لاستيعاب النصوص الأدبية وفهمها(كما هي الرؤية التقليدية)، ولكنه قيمة معرفية وفكرية وجمالية في حد ذاته، وهذا ما يجعل النقاد الجدد يركزون أحياناً على النظرية أكثر من النص الأدبي (راجع كتاب ديفيد لودج المسمى "النقد الحديث والنظرية Modern Criticism and Theory", وراجع كذلك مقالة "حركة النص: نحو نقد جديد متجدد", في موضعها في هذا الكتاب).
7- عكس الحداثة، المنشغلة بالقصص الكبيرة، حسب ليتوارد, أي إدعاء معرفة الكون والإنسان وتفسيرهما تفسيراً جامعاً مانعاً، فإن ما بعد الحداثة تنشغل أكثر من الحداثة بالنظريات المحدودة والقصص الصغيرة، ومن هنا، ينشأ تجسيد الهامشي واليومي والمحلي والتافه والصغير في الأدب ما بعد الحداثوي, عموماً (لكن ثمة تداخل هنا أيضاً بين المنظومتين).
8- تعلو في الحداثة مفاهيم (الإستقلالية) و(الأصالة) (Originality)، بينما في ما بعد الحداثة تعلو مفاهيم التناص ودائرية النصوص وتشابكاتها (راجع باب حوار النص والتناص).
9. على المستوى المعماري ( Architecture), مباني الحداثة تحاول الانسجام مع الطبيعة (من وجهة نظر قائمة على أن الطبيعة واحدة ومنظّمة وكاملة ومنطقية ومتسقة ومثالية), في حين تقوم الجمالية المعمارية في ما بعد الحداثة, على هندسة مخالفة للمعتاد من نظام الطبيعة ( يمكن أن يكون المبنى –كما نرى هذه الأيام كثيراً- على شكل هرم مقلوب رأسه إلى أسفل وقاعدته تحتضن السماء, أو مبنى يتموج ويتلوى من أعلى وينبعج من جوانبه),وهذا يأتي من فلسفة أن الطبيعة ليست بهذا الاتساق والانسجام وهذه المنطقية كما تتصورها الحداثة. كما أن الجمالية المعمارية في ما بعد الحداثة تنهض على الاحتفاء بالاختلاف والتنوع والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة. وقد كانت لكتابات وأعمال المهندس المعماري والمصمم البارع الأمريكي-الاسكتلندي تشارلس جينكز (Charles Jencks), دوراً رائداً في هذه الفلسفة المعمارية الجديدة منذ السبعينات وله مؤلفات عديدة ومتنوعة في عمارة ما بعد الحداثة.
10. موسيقى ما بعد الحداثة تنشأ فلسفتها على التنوع واللامركزية النغمية ( Atonality), وتستخدم تكانيك مثل التهجين والجمع بين أساليب موسيقية من ثقافات متباينة ( Blending) و فيها التشظي (تنوع المواد أو الآلات المستخدمة يسمى أيضا بال Bricolage), ولا تعتمد كثيراً على الوحدة التركيبية النغمية والانسجام, وتميل إلى جعل المقطوعة متعددة المعاني والإشارات والإيحاءات, لأنها تعطى أهمية أكبر "للمستمع" ( Listener subject), باعتباره طرفاً رئيساً في صناعة "المعنى" الموسيقي. كما أن موسيقى ما بعد الحداثة قد تستخدم الارتجال الحر Improvisation)). كما أن هناك تكثيف أكثر للتكنولوجيا في موسيقى في ما بعد الحداثة عنه في الحداثة.
الأدب السوداني هل يمكن تبويبه عبر هذين المصطلحين؟
من الصعب الإجابة على هذا السؤال ويحتاج لمستخلصات أبحاث ودراسات كثيرة عن الأدب السوداني لم تتوفر بعد. ولكن ما يمكنني قوله الآن هو أن قصيدة النثر هي أبرز تجلي جمالي لمفاهيم ما بعد الحداثة. وذلك لأنني ألحظ فيها بشكل خاص رؤية ما بعد الحداثة المتعلقة بالتعدد و«باللا نظام» بوصفه مادة خصبة للإبداع. وطبعاً هذا سيغضب البعض ممن لا يفهمون ولا استعداد لهم لاستيعاب فكرة (اللا نظام), الذي لا يعني بالضرورة الفوضى السلبية في فلسفة ما بعد الحداثة. والتجلي الآخر يتوفر في بعض السرود الجديدة التي قد يكتبها كتاب من أجيال مختلفة وليس بالضرورة الجيل الجديد فحسب, وخاصة تلك التي تنزع نحو تعددية الأصوات والتشظي مما أشرنا له سابقاً, وبشكل خاص يتجلي في الكتابات النادرة التي لا تحاول فقط تمثيل الواقع ( representation) ولكن خلق واقع افتراضي جديد متحدي وأكثر غناءً وتنوعاً. وتتجلى ما بعد الحداثة في بعض تمظهرات النقد السوداني الجديد الذي بدأ يطل منذ بدايات الألفية الجديدة.
الأدب السوداني وتأثيرات الأدب العالمي الحديث؟
الأدب السوداني لم يكن معزولاً عن العالم ولا ينبغي له - خاصة في هذا العصر المتغيّر والمعولم. ولكن هناك نقصاً في الدراسات الأكاديمية الجادة للأدب السوداني وفي أوعية النقد الرصين, وأوعية الثقافة , بشكل أعم. ومع إفراد الجامعات السودانية الآن المساحة لحقل الدراسات السودانية, وإجراء دراسات نوعية حول الأدب السوداني من المتوقع أن يشهد هذا الحقل انتعاشاً مهماً. وبعض الأكاديميين ممن لم يكن يعير الأدب السوداني اهتماماً كبيراً عاد فابدي قدراً من الاهتمام. ولكن, بشكل عام , توجد فجوة بين الأكاديميا والمؤسسة الثقافية في تجليها العام , ينبغي ردمها وتجسيرها, لتتكامل المؤسستان في خدمة الثقافة والأدب.
ربما كان الأثر النقدي أكبر من الأثر على مستوى الكتابة الإبداعية (دخول مفاهيم البنيوية وما بعدها وبعض معالم النقد الجديد منذ الثمانينات). ولكن في رأيي أن المغاربيين الآن أفضل دارسي العرب والمنطقة إفادة من الرؤى النقدية الجديدة (مثلاً - الباحث الجزائري أحمد يوسف)، وطبعاً توجد مجموعة من الإشكالات ضمن الكيفية التي يمكن لنا أن نتأثر بها (أو نتناص) إيجابياً مع تيارات الفكر العالمي, مما لا مجال للاستطراد فيه الآن.
كيف يمكن تأسيس أدب سوداني له بعده الكوني؟
شعار ما بعد الحداثة هو (فكر كونياً، وأعمل محلياً). بتطبيق هذا الشعار يمكن لأدبنا أن يكون ذاته وجزءاً من العالم في الآن معاً.. وطبعاً هنالك إشكالية نظرية فيما يتعلق بالكونية، إذ أن الفكر الحداثوي يعتقد أن الكوني فقط هو الأفكار الكبيرة والنظريات والأيدولوجيات الضخمة، أو القصص الكبيرة أو السرديات العظمى بتعبير ليوتارد - ويعني بها, كما أشرنا, كل منظومة الأفكار والأيديولوجيات الكبرى التي تحاول تفسير الكون والإنسان والتاريخ عبر قوانين وقواعد وأطر محددة لا تحيد عنها قيد أنملة. في المقابل، تيارات الفكر ما بعد الحداثوي تركز على "القصص الصغيرة" والأفكار الصغيرة وتتميز بالحساسية العالية للسياق الاجتماعي, وتنطلق من هنا إلى العالمي والكوني وليس العكس.
تأثيرات الأدب الأجنبي على قصيدة النثر سودانياً؟
التأثير موجود على مستوى الرؤى الشعرية والتكنيكات التي تستخدمها قصيدة النثر عربياً وعالمياً. وتحتاج لترجمات لقصائد نثر أوروبية وغير أوروبية (من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) حتى يكون التفاعل أخصب وأشمل. قصيدة النثر أصلا هي أكثر الأشكال التي تتجلى فيها التفاعلات مع رياح التغييرات العالمية المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم في تجليها الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ أقصد أنها الوعاء الذي في مكنته استيعاب هذه الثورات الجديدة المتلاحقة, أكثر من غيرها من الأشكال الإبداعية.
الأدوات الإبداعية الجديدة المستمدة من مدارس جمالية غربية كيف لها أن تستخدم داخل نصوص سودانية؟
إنك تسأل أسئلة علمية إشكالية وشديدة التعقيد. بمعنى أن الإجابة عليها تحتاج النظر في دراسات وأبحاث لم تتوافر بعد. قصيدة النثر وبعض السرود الجديدة نجحت بامتياز في استخدام بعض هذه الآليات (خاصة تلك المتعلقة بالصورة من كولجة ومَنتًجة وتشكيل الوقائع والحيويات الافتراضية), إضافة إلى اللعب على اللا نظام واللا وحدة والبتر - كما ورد سابقاً.
إجابتي المختصرة هي مرة أخرى «فكر كونياً وأعمل محلياً».
الآراء والنظريات اللغوية الجديدة التي لها تأثير حيوي في مجال النقد الأدبي؟
أصلاً، جل إن لم نقل كل التطور الذي طرأ على النقد الأدبي منذ مدرسة براغ والشكلانيين الروس والبنيوية، كان متولداً في الأساس عن التطور الكبير الذي شهدته وتشهده النظرية اللغوية واللسانيات (من دون تضخيم لدور هذا الحقل الإنساني المهم, ولا تهميش للحقول الإنسانية الأخرى). وما البنيوية وما بعد البنيوية والتفكيكية ونقد الخطاب وتحليل الخطاب النقدي والتناص إلا, في الواقع, نظريات لغوية في الأساس ذات تداعيات وتطبيقات عملية على النقد الأدبي والنقد الاجتماعي. وفكرة الفصل بين الدال والمدلول وتحرير الدوال من مداليها الجامدة - التي تشتغل عليها قصيدة النثر والسرود الجديدة الآن، هي في الأساس من كشوف النظرية اللغوية منذ دوسيوسيور الذي كشف عن اعتباطية العلاقة بين الكلمات ومعانيها، وفيلسوف اللغة فيقنشتاين الذي يرى إن المعنى أصلاً هو «لعبة لغوية» (وإن كان ثمة نظريات مستحدثة ترى أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست بتلك اللامنطقية التي تصورها دوسوسيور).
ومن النظريات اللغوية التي سيكون لها تأثير كبير على النقد الأدبي وتحليل النص بشكل عام، نظرية السيميوسز(Semiosis) أو نظرية الدلالات المفتوحة ويشتغل عليها عالمياً البريطاني فيركلف وعربياً الجزائري أحمد يوسف. وهناك أيضاً (اللاسيمائية Desemiotics ), وهي عكس السيمائية التقليدية ( Semiotics). هذا, مع العلم أن الاتجاه الآن هو تفعيل رؤية الدرس البيني المتداخل ( Interdisciplinary), الذي يشتغل دائما بين الحقول المعرفية المختلفة وعبرها , ويحاول التقريب المعرفي والمنهجي بينها, قصد إنتاج منظومة معرفية جديدة أكثر ثراءً وإحاطةً بالظواهر الأدبية والفنية.
*سوف يأتي هذا الحوار ضمن كتاب يصدر قريباً عن دار مدارات بالخرطوم (النص والخطاب: جدل القراءة والمعنى).
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.