مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إمرأة فاتها القطار !
نشر في الراكوبة يوم 24 - 05 - 2015

كانت الليلة هى ليلة الحسم والمواجهة، تَوَكّلت على الله وحزمت أمرها على أن تودع عُنوستها وتتخذ القرار الحاسم في حياتها وتقبل عرض صاحبنا في الزواج منها وهي راضية مرضية . فليس في الإمكان أفضل مما كان . !
كانت محطة القطار في تلك الليلة المشهودة ساكنة كتلك المقبرة التى لا تبعد عنها سوى عشرات الأمتار! وكان السكون يغطي الرصيف ويتمدد على المقاعد الخشبية الخالية فتبدو وكأنها مفروشة بقطيفة ناعمة من الصمت، لا حراك ولا ضوضاء، فكل شيء ثابت ومستقر، فراغ داكن يفضي إلى فراغ كسراب أسود يتموج في صحراء ظلماء! لم يكن ذلك المكان كعهدنا به، فقد اعتاد أن يغلى ويفور كالمرجل، إذ يعج دائماً بالقادمين والمسافرين إلى أقدارهم أزواجاً كانوا أم جماعات . هناك أضواء خافتة متفرقة ومنطوية على نفسها كجنود وقعوا في الأسر عشية معركة من غير معترك دارت بين الفجر والليل البهيم، وهكذا هي حال الدنيا , يا آنستى العزيزة, فالعالم في صراع لاينتهى, إذ ان البشر قد اقتفوا منذ سيرتهم الأولى أثر قابيل حين غدر بأخيه هابيل ، وعناصر الطبيعة تتصارع منذ الأزل وقبل بدء الخليقة . حيث البقاء للاقوياء والهلاك للضعفاء، بيد ان صرخة المستضعفين ستبقى , كشعلة متقدة , بعد ان يفنى هذا الوجود ويندثر لترث ارضاً يبابا بلقعاً كغشاء الأكاذيب التى نغلف بها وجوهنا عندما تجمعنا المجامع! ها هو ذا الظلام المطبق يمسك بتلابيب محطة القطار من أركانها الاربعة وينشر حالة من الكآبة الحامضة كعصير الليمون المتعفن! كآبة تستطيع - إن شئت - ان تلمسها وتتحسسها بيدك المجردة . فتلكم يا سادتى هي لحظات السكون والجمود اليابس التى تسبق وقوع حدث عظيم وأمر جلل في حياة انسان عادي, ليس أقل من غمار الناس في شيء ولا يزيد عليهم في شيء .
اهتز السكون فجأة على جنبات المحطة اهتزازاً عنيفاً وتهشم كألواح الزجاج تحت ضربات أقدامها على البلاط وهي تخطو إلى داخل المحطة وقوامها الممشوق يتمايل كغصن شجرة البان حين تدفعه كتلة من الهواء العابر! وفي مشيتها إيقاع له وقع محبب على الأذن كأنغام أُغنية تراثية قديمة! أو هكذا تخّيل صاحبنا الذى كان يجلس في ركن قصي في طرف المحطة وعيناه تلمعان كعيني القط في العتمة! ظل صاحبنا يتابعها بنظراته الثاقبة كالسهم وهي تتجه ناحية المقعد الخشبى الذى إعتادت الجلوس عليه، استدارت قبالة الرصيف وأرخت كفلها المستدير كبطيختين متلاصقتين! ثم جلست وأسندت قامتها على ظهر المقعد ووضعت ساقاً فوق الأخرى ورفعت رأسها الى السماء وراحت تتطلع الى النجوم البعيدة وكأنها تسرح ببصرها في المجهول أو كأنها تنظر في اللاشيء . جاءت انثى العندليب - التى مات عنها ذكرها قبل نحو اسبوع بسبب الامطار الغزيرة - وحطت تحت قدميها . كان ذلك الطائر الصغير يحلم بقليل من فتات الطعام ليسد به جوعه . لكنها لم تكن تملك - تلك الليلة - طعاماً تقدمه اليه لذلك لم تطل النظر حيث يقف، بل عادت ببصرها الى أعلى . يا تُرى مالذى جاء بها مُبكرة في مثل ذلك الوقت إذ يفصل بينها وبين ميعاد وصول القطار وقت ليس بالقصير ؟ ولماذا إختارت بالتحديد قطار آخر الليل ذلك ؟ هل تريد أن تجرب حظها، تلك المرة تحت جنح الظلام ؟ يقول الشعراء إن طائر الغرام لا يغرد إلا مساءً, ففي المساء تهدأ سرائر النفوس وترتخي الأعصاب وتتعطل لغة العقل لتفسح المجال للغة القلوب الشجية! هل صحيح ان القلب يحس بالاشياء غير انه لا يرى كما تَرى العين، لذلك وصف الناس الحب بالأعمى ؟ أم ان الجنون فقأ عيني الحب في لعبة الاستغماية تلك ومنذ ذلك الحين صار الجنون هو دليل الحب ومرشده في دروب العاشقين الوعرة ؟
المهم أنها جاءت الى هنا , كغيرها من نساء البلدة، تبحث عن فارس أحلامها الذى طال إنتظاره، يا للخيبة! ويالخذلان الزمن! فكم من السنوات الطوال مرت سريعا كأنها يوم او يومان، وهي تترقب مقدم فارسها المنتظر، وهو يعدو نحوها فوق صهوة جواده الضامر، يلوح إليها بيده في الأفق البعيد، كمنارة تظهر وتختفي في عرض البحر! فالله وحده يعلم أنها لا تتطلع إلى فارس من صنع الخيال الجامح، ولا من صلب الأماني المستحيلة، فهي لا تطلب اكثر مما تتمناه أية إمرأة في الحياة . كان حظها من التعليم لا بأس به، أمِّا نصيبها من الجمال فلا أستطيع تحديده، فأمر كهذا لا أملك إلا ان اقول إن ( الناس فيما يعشقون مذاهب! ) لذا أخاف أن أصدر تقييماً يراه غيرى مُجحِفاً أو ربما فيه نوع من المبالغة , إلا ان صاحبنا الذى يجلس في ركن قصي في طرف المحطة وعيناه تلمعان كعيني القط في العتمة , ذهب مذهباً بعيداً، وحلّق - في متاهته - فوق قمم عالية، فهو يراها أجمل أنثى في الكون وكأنها خلقت من طينة وغيرها من نساء الارض خلقن من طينة اخرى! فالجنون وحده يقود الحب الاعمى في اتجاه واحد! لا أدرى , لا بل هذه خدعة ليس إلا , تقال لإلباس الحق بالباطل، وإذا سألتنى عن حال صاحبنا هذا أستطيع أن أجزم بالقول إن الحب والجنون ما هما إلا وجهان لعملة واحدة, إذ كيف لشخص عقله مكتمل التكوين في جمجمته وقلبه حي ينبض بالحياة وروحه عذبة نقية كالماء الزلال , كيف له ان يعكف على مراقبة امرأة لا يعرفها و لا تعرفه؟ وهو على تلك الحال منذ أعوام طويلة , فقد أسرت لُبِّه وتعلق بها فؤاده لمجرد أنه لمح في هيئتها رموزاً غامضة تدغدغ روحه القلقة ورأى في طلتها أشواقاً بعيدة وصوراً مبهمة تناديه إلى آفاق مجهولة ؟ ومع ذلك لا يجرؤ صاحبنا , على الاقتراب منها والإفصاح عن مشاعره تجاهها، بل ولا يكلف نفسه حتى ببذل الإيماءات البسيطة السهلة التى تنم عن استلطافه لها، وعندما يعود الى داره و يأوي الى فراشه ليلاً ويمدد رجليه ويضع رأسه فوق الوسادة ويظن انه مقبل على قسط من الراحة تعيد القليل من رحيق الحياة إلى جسده النحيل, فإذا بها فجأة تتبدى أمام ناظريه و تخرج من سقف الغرفة, وجها يلمع كوجه ملاك سعيد لا يكاد السقف يحتويه، كزهرة وليدة تشتٌم بخياشيمها أشعة الشمس الذهبية المرسلة! فيتسمّر صاحبنا فوق مرقده بلا حراك كأنه تمثال من اللحم الهامد . ثم يأخذ التعب منه كل مأخذ و يغلبه النعاس ثم ينام نوما متوترا قلقا فتأتيه في منامه في ثوب من الحرير الابيض مظهرةً جسدا من النور الوهّاج يتلألأ قدام عينيه كبدر اكتمل في ليلة الرابع عشر , ألم أقل لكم إن الجنون , لا الحب , هو الذى يحيل قلوب العاشقين الى أعشاش خاوية ينعق فيها البوم ! . ما هذا الهراء ؟ إنه الجنون وليس الحب سيودي به آجلا أم عاجلا إلى موارد الهلاك.
أعطى الأشرجي الإشارة ولمع الصنفور بالضوء الأخضر وتبعته من البُعد صافرة القطار القادم صاخبة و حادة كالنصل تشق الظلام بينما المحطة خالية من الكائنات الحية , إلا من ثلاثة، نعم كانوا ثلاثة فقط هي وصاحبنا وثالثهم طائر العندليب وكأن الأقدار شاءت أن تضع الطائر تلك الليلة في ذلك الموضع ليكون شاهداً على ما حدث في شيء لا يخبره بل شيء ليس من شؤون مملكته، فمن حسن حظ الطيور انها تُوْلَدُ أزواجا فيرتبط مصيرها مسبقا بمصير صنوها في البيضة الأخرى لذلك لا تعرف مشقة البحث عن الحبيب وألم الفراق وصدود العاشقين وعذاباتهم.
أبطأ القطار من سرعته شيئاً فشيئاً حتى توقف تحت صرير احتكاك عجلاته الحديدية بالقضبان، كان صوتاً يصم الآذان ويغرس القشعريرة في الأعصاب! فالقطار – حينذاك - تمدد على طول المحطة من أولها الى آخرها كناقة أناخها صاحبها بعد رحلة طويلة . كان هناك شيء غريب أثار تعجبي وإنتباهي, إذ اننى لم اشاهد أحداً يترجل عن القطار! يا تُرى من أين أتى ذلك القطار الخالى من الركاب وإلى أين هو ذاهب ؟! ! فكل القطارات تأتى إلى هنا فيخرج منها بشر ويصعد الى داخلها آخرون فهذه سنة الحياة منذ أول قطار في أول التاريخ صعد اليه آدم وحواء ومن ثم نزلا، وصعد إليه أسلافهم من ذكر وأنثى على مر العصور والأزمان.
في ذلك الجو المكفهر الشاحب إنتصبت قامة صاحبنا فجأة بشكل ميكانيكي كأنه انسان آلي! من المؤكد أن شيئاً ما سيحدث، فهيئته تشير إلى أنه مقبل على صفحة جديدة في حياته، ربما يكتب عليها بخط جريء يختلف عما كان عليه حاله في الماضى ، وفي لحظة فارقة بين الإقدام والإحجام طافت برأسه أفكار جريئة تدعوه أن يقفز فوق تردده العتيق المُزمِن فتلك ليلة الحسم والمواجهة، فليس ثمة مبرر لكتمان عشق تحجر في القلب حينٌ من الدهر حتى صار كاللؤلؤ المكنون، رفع صاحبنا رأسه، ثم أخذ نفساً عميقاً وامتلأت رئتاه بهواء كثيف بارد فأحس بأطرافه ترتعش وتنتفض كجناحى عصفور ابتلت برذاذ المطر ثم خطا نحوها بخطوات ثابتة وكأنه جندى شجاع محكوم عليه بالموت يُساق الى ساحة القصاص! فلو أنه فعل ذلك منذ أول عهده بها لوفّر على نفسه جهداً ووقتاً عظيمين . وقف أمامها للحظة فلم تحس بوجوده إلا عندما طار العندليب وحط على طرف المقعد الى جوارها . رفعت رأسها فابتسم في وجهها إبتسامة عريضة وخجولة فلم تبادله الابتسام بل وقفت دفعة واحدة في لحظة أسرع من لمع البرق وعيناها تقدحان شرراً كأنها شيطان رجيم! ثم سألته بنبرة لا تخلو من إحتقار وإزدراء: "ماذا تريد ؟" تلجلج صاحبنا في الكلام وتلعثم وتصبب جسده بالعرق ثم عاد ولملم قواه وكأن يداً خفية أخذت بلسانه وشفتيه فخرجت الكلمات من فمه كما لو نطق بها شخص آخر "إننى في غاية الاسف لإزعاجكم، لقد أردت أن اقول .... والله على ما اقول شهيد، أردت ان أقول .... إننى .... أقول صادقا انني أصطفيتك دون نساء العالمين" وحينذاك عجز لسانه في أن يسترسل في الحديث ومن شدة إرتباكه قال مطمئنا نفسه: "لا شك انها ستكون قد فهمت قصدى" ثم أغمض عينيه وترك أذنيه مشرعتين كالأطباق الفضائية ليستقبلا رداً لا يعلم كنهه وطبيعته! وعندما طال إنتظاره توجس صاحبنا و وسوس وسواس في أُذنه وهجس هاجس في قلبه ففتح عينيه مضطرباً فإذا بالمرأة وهي تكاد أن تخبطه بحقيبة يدها على وجهه فتراجع إلى الوراء مذعوراً وفقد توازنه وترنح ثم طاح و هوى على الرصيف مغشيا عليه! لم يعرف على وجه التحديد كم من الوقت مرّ على غيبوبته تلك، وهو ممدد على الرصيف، ولكنه يذكر لحظة أن فتح عينيه، وتحسس العالم من حوله، لم يجد لها اثراً، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها، وحتى القطار الذى تعشّم أن يصعد إليه تلك الليلة عريساً كان قد غادر، وترك وراءه قضبانا لا مبالية تلمع تحت الأضواء الخافتة . تلفت يمنة ويسرى , لا شيء غير الصمت الرهيب والليل البهيم يطوقان المحطة التى بدت في حالة إذعانها وخنوعها كباخرة مهلهلة راسية على شط مهجور! طافت برأسه أفكار سوداء مشتتة، وتمنى لو أنه لم يصحُ من غيبوبته تلك وحسد من أعماقه سكان المقبرة المتاخمة للمحطة على سكونهم الأبدى في لحودهم الرطبة! لماذا عاملته بهذا الاسلوب الفجُ ؟ لا شك أنه لا يعرف السبب ولا يريد أن يعرف، ومع ذلك ما فتىء صاحبنا ينحت لأجل عينيها المعاذير، ويقنع نفسه بأنه سقط سهوا على الرصيف، وليس لها يد في ذلك . نعم سقط كأشياء ومعاني كثيرة في حياتنا تسقط أحيانا سهوا ولا نُلقي لها بالاً . وفجأة قطع عليه العندليب خيوط أفكاره المتشابكة كبيت العنكبوت عندما تناهت الى أُذنيه تغريدة عذبة بثّت الحياة مجدداً في ما تبقى من حطامه ثم نهض وعاد الى داره لم يكن حزيناً ولا غاضباً ولكنه كان هامدا كالرماد !
بدا الطريق إلى محطة القطار خالياً تماما من المارة لانِّ معظم المغادرين كانوا قد وصلوا زرافات ووحدانا وغص بهم الرصيف. وكل واحد منهم لبس أجمل ما عنده من ملابس وزيّن نفسه ولسانه ما إستطاع الى الزينة سبيلا . كان بعضهم يلبس أقنعة ليخفي أشياءً لا يريد أن يطلع عليها غيره وبعضهم جاء على طبيعته . وبعد هنيهة سيصل القطار وسيصعد تلك الليلة من يحالفهم الحظ وسيعود أدراجهم أصحاب الحظ العاثر من حيث أتوا فتلك - يا سادتى - شيمة الحياة, تعطى بدون شروط وتمسك عن عطائها بغير أسباب ( ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجا ..... هلكن إذن من جهلهن البهائم ) . كانت هناك امراة تركض وتجتهد في أن تلحق بالقطار قبل فوات الأوان . لقد عقدت العزم على أن تودع عُنوستها تلك الليلة بعد أن اتخذت القرار الحاسم في حياتها بأن تقبل عرض صاحبنا في الزواج منها برضا تام، فليس في الإمكان أفضل مما كان! و كانت تملؤها الثقة بالنفس في أنه سيقبل إعتذارها عما بدر منها في تلك الليلة عندما كادت أن تخبطه بحقيبة يدها على وجهه فهوى على الرصيف من تلقاء نفسه كما كانت تظن.
عندما وصلت الى أول المحطة بدا لها الرصيف خالياً وكئيباً كما كان في تلك الليلة . فمعظم المسافرين قد صعدوا إلى داخل القطار إلا مجموعة صغيرة مِن مَن تعثر حظهم . تلفتت هنا وهناك ثم جالت ببصرها ولم تترك رقعة أو زاوية في المحطة إلا وفحصتها بعينين كعيني زرقاء اليمامة، فلم تجد إلا بقايا من ذكريات لصاحبنا مبعثرة كفتات الخبز على مقعد خشبي في ركنٍ قصيٍ، وبعض قصاصات من الاوراق كُتبت عليها أبيات من الشعر، ورسماً كروكياً فيه شبه من ملامح وجهها، وأشياء أخرى مبهمة غير ذات معنى، وشخبطات عشوائية لا تدل على شئ معين. وفجأة أطلق القطار صافرته معلناً المغادرة فهرعت في اتجاه القطار فإذا بصاحبنا يهِم بالصعود ممسكا بيده اليسرى امرأة لا تخفى سعادتها وسرورها برفقته . إلتفت اليها فوقعت عيناه في عينيها وتشابكتا في عناق أثيري حميم واستطاعت أن ترى وجهه من البُعد واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار! كان وجهاً مجرداً ليس فيه تعبير محدد . لم يكن فرحاً ولا حزيناً، ولكنه كان مستسلما كضحايا ( داعش ) وهم في تلك اللحظات الاخيرة المُرعِبة التى تسبق الاعتداء على حياتهم!
أخيرا قالت محدثة نفسها ( قُضي الأمر ورُفِعت الأقلام وجّفّت الصُحف ) ثم أدارت رأسها في الاتجاه المعاكس للقطار فوجدت أُنثى العندليب ترفرف بالقرب منها ، كالفراشة، فبسطت إليها راحة يدها . حط الطائر الصغير على كفها، فحملته وقفلت راجعة إلى دارها، وقبل أن تبتعد عن محيط المحطة كان القطار قد غادر، وترك وراءه قضباناً لا تبالي بشيء، كتلك المقاعد الخشبية المٌثبتة على جنبات الرصيف فهى ايضاً لا تبالى بشيء ولا تكترث بأمر امرأة فاتها القطار ولا تحفل بمصير أنثى العندليب التى مات عنها ذكرها من جراء هطول الامطار الغزيرة!
إنتهت
هولندا2015-ابريل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.