(ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رجل الدولة : بين النصب والتنصيب!
نشر في الراكوبة يوم 16 - 06 - 2015

لا أود أن اتحدث عن النصب بمعنى الاحتيال، فهذا معلوم من الفقه بالضرورة (كما يقول أصحاب الشروح)، لكنني أود ان اصرف الفعل لصالح الافتعال، وهو ان يفتعل رجل الدولةموقفاً يتوهم فيه التحكم، بيد ان كل الدلائل تشير إلى أنه متحكم فيه (سلوكيا، بنيويا، ومؤسسيا). اذا امتلك الارادة، وسعه الادراك، وشملته الرغبة لإنفاذ برنامج وطني (وهذا أمور كلها غائبة)، فإنني موقن بأنه سيتم اغتياله من قبل الحكومة غير المرئية أو العصابة العنصرية متمثلة في بعض الخلايا بجهاز الأمن الوطني وجيوب التنظيم الإسلامي التي تخطط للحرب العنصرية في الريف، مستنزفة الغرابة حد الابادة ومستغلة طاقتهم حد الرهق؛ طالما البرقداييأسر المعلاي والرزيقي يقتل الداجاي والنوباوي يُجَوِد البرتاي، فإن رجل الدولة يبقي في وضع مريح للغاية. هل تظن ان من بين ابناء عمومة الزبير باشا من قاتل معه ام انه استغل حماسة العبيد؟ هل تظن ان عامل الشونة ذاك كان يمكن ان ينال لقب الباشوية لولا سذاجة وجهل الجنود/المرتزقة؟ اين وجه الاختلاف اذن بين منواشي وقوز دنقو؟
من الاخطر على أي مجتمع ان يسوده رجل خائف من ان يقوده رجل مغرور، فالأول يفتدى نفسه بالشعب والاخر لا يفكر في مألات الأمور. لا يهم الرئيس في هذه اللحظة كم من الضباط الشماليين (فرقاء، لواءات، عمداء ... إلخ) هلكوا في مواجهات مع الجبهة الثورية، لا يهمه كم من الاعراب (البقارة) ماتوا في مواجهتهم "للتمرد"، لا يهمه كم من المدنيين سحقوا في مواجهات غير عادلة مع الجيش الذي من المفترض ان يحميهم هم وذراريهم، كل الذي يهمه ان ينجو من الكابوس وقد سمع ارواحا تطارده في اليقظة والمنام (يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض ثم ينجيه. كلا انها لظي نزاعة للشوي تدعو من ادبر وتولي وجمع فاوعي)!
اعجب من ترقب النخب لنتائج الانتخابات، انتظارها للتعيين الوزاري، استقبالها للوفد الفلاني اوالوفد العلاني وقد علمت ان ليس لهؤلاء مشروع سياسي يستنقذوه، إنما رقاب يستخرجونها من الحبال. لقد مر رجل الدولة بمرحلتين، دونهما تحولات تنظيمية ومؤسسية هائلة ومرعبة معا، انتقل من كونه حاكما بأمر الترابي إلى حاكما بأمر الله؛ انتقل من الاستلاب إلى الاغتراب (عن واقع الموطنين ومعانتهم).
خصائص المرحلة الأولى :
بعت الاسلام في السودان، علي حد تعبير الشيخ.
طموح في قيادة التنظيم العالمي ولو بالتدرج.
إعادة صياغة المجتمع السوداني.
خصائص المرحلة الثانية :
ادخال السودانيين الجنة، على حد تعبير رجل الدولة.
طموح في قيادة الأمة السودانية الدولة إلى الابد، أي الخلود.
توظيف الرموز الاجتماعية لصالح المشروع الحضاري/الاستيطاني.
لا أود أخوض في محاولة لدحض او تفنيد هذه السخافات، لكنني أود ان اقول ان التنقل بين محطتي الوهم هاتين قد حرم السودان فرصة الاستفادة من موقعه الجيوستراتيجي وتوظيف كل ذلك لصالح التنمية. في الوقت الذي كان خبراء التنمية العالمية يخططون لتشييد خط سكة حديد يكون رابطاً بين طوال القارة وعرضها، ربما يكون السودان موقعا لمحطة الالتقاء (بالتحديد مدينة واو أو مدينة الجنينة)، كان قادة التنظيم يفكرون في كيفية قلب أنظمة الحكم في الدول المجاورة واستبدالها بأنظمة حليفة للنظام "الإسلامي" في الخرطوم.
إن خطاً للسكة حديد يمد من بورتسودان إلى أبشي/تشاد، كفيل بتغيير الدينامية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة بأكملها، خاصة ان هناك دولاً كثيرة ليس لها منفذ بحري، بل ويدر دخلا يغني البلد وقادتها عن الشحادة. بيد ان النظام لم يكن يفكر في التموضع الاستراتيجي إلا بالقدر الذي يؤهله لتوظيف هذا الموضع لصالح التهريب. وهم بعد ذلك لم يكونوا مطلقا من الاذكياء، فكلما كذبوا كذبة (وهذا ديدنهم)، رصدتها الاقمار الصناعية، وعرضتها عليهم الموساد أو المخابرات الامريكية في قاعة من القاعات الفخيمة لإحدى طول التطبيع.
في حجته قبل الاخيرة، اقحم رأس الدولة نفسه في بروتكول رئاسي لم يكن معداً له. اكتفى المضيف بسؤاله سؤالا واحداً : هل تدعم الحوثيين ؟قال : لا، قال له : أنت كاذب. الحقيقة إنها كانت إحدى الحالات النادرة التي كان فيها صادقا. فقد سمح نائبه الاول آنذاك بتمرير السلاح للحوثيين دون إخطاره مقابل عمولة مهولة، ربما يؤدها للتنظيم الذي قد يسهم بها في رفعه "دين الله"!
بهكذا طريقة كانت وما زالت البلاد تدار لمدة ربع قرن من الزمان، فمدن دارفور التي كان يمكن ان تهيئ لنقل الاغذية الي الخليج العربي، هي اليوم توظف لاغراض اقل ما يقال عنها انها غير سامية. متى يوظف السودان موقعه ويسخر امكانياته لصالح الشراكات التنموية بعيداً عن هذه الاوهام العروبية؟ لا أفهم كيف انتقل السودان من خانة الدعم للحوثيين إلى قتالهم، ومن خانة الدعم للإرهاب إلى محاربته، من محاربة الطائفية إلى احتضانها، ومن العداء للإمبريالية إلى السماح لها بالتجسس على وسط وشرق افريقيا، ومن التبجح بالإسلام إلى وأد تعاليمه المتمثلة في الحكمة والرحمة، بل ما هي مصلحة السودان بالدخول في محور سنة/شيعة، ام هو تضارب مصالح الشركاء المتشاكسين داخل منظومة الحكم (إذ ان رجال الاعمال يفضلون السعودية والعسكر يرون مصلحتهم الامنية والعسكرية مع ايران
أما آن لنا ان نتحسس موضع ارجلنا، نحن أفارقه نقطن القارة السوداء، بل نحن سود تاقت نفوسنا إلى البيداء. ما لنا وهذا الهراء؟ هذه حروب تديرها الامبريالية العالمية لإستنزاف موارد الأمة العربية وإلهائها عن المقصد. إن نظاما متهافتا يقوده رجل خائف لن يستطيع توظيف هذه الكروت لصالح الأمة والشعب، أو حتى التنظيم. إن جل ما يصبو إليه هو الحصول على استقبال بروتكولي لائق يعوض به عن فقدان الشرعية في الداخل.
لقد مكث "رجل الدولة" الحقبة الثانية من حكمه في محاولة لتلافي اضرار الحقبة الأولى. فها هو الطبيب مصطفى عثمان اسماعيل يهرع إلى مجلس السلم والأمن الافريقي ليرافع عن النظام في الوقت الذي تجتمع فيه الدول لتدشين واحدة من أهم الوثائق الدولية (تقرير برونتلاند، المعنون ''مستقبلنا المشترك'‘،1987، اكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد) في القمة العالمية للتنمية المستدامة عام 2002 والتي حضرها كل الرؤساء باستثناء بوش ومبارك وسيادته، اكتفى السودان بإيفاد التجاني آدم الطاهر (لهذه الدرجة لم يكن الأمر مهما لديهم)، والذي حضر لفترة وجيزة لم يقو فيها للاستماع الي جل المبادرات فطفق راجعا الي الخرطوم.
إن العقود الاخيرة سجلت غياباً تاما للسودان عن الساحة الدولية فيما يتعلق بقضايا التنمية، بمعنى أخر، إن رجل الدولة اكتفى بالمشروعية الثورية، وأهمل تلكم التنموية، النتيجة ان السودانيين اليوم تحاصرهم الفاقة، الجهل، المرض، وإذا نجوا فالغربة والاحباط.إن البيت السوداني بات يصرف كآفة مدخراته في علاج أم من فشل الكلوي أو أخ من السرطان. يكفيك حزنا ان تجد شابا في عمر الزهور متبرعا بكلية يأخذ السماسرة المصريين 70 % من قيمتها ويعطونه الباقي كي يسدد به دينا أو يرفع به سقفا يقيبه أمه الاهويةوالهجير. ليس من متوهمي عظمة في الشعب السوداني، لكنني موقن بأنه لا يستحق هذه المهانة وان لديه من الموارد البشرية والمادية ما يغنيه عن المسغبة والمسكنة.
لا يحتاج السودانيون إلى شعارات أو دعاوي آخروية، كل ما يحتاجونه هو رؤية اخلاقية، خطة استراتيجية وتنمية مؤسسية. فالبلاد خيراتها وافرة لكن الفرص تضيع يوم بعد يوما، والخوف إذا استمر الامر على حالة ان تتشرذم البلاد وتتفرق ايدي سبأ.شهد رجل بريطاني مسلم صلاة في غير اوان الصلاة المكتوبة بمسجد الشهيد بالمقرن فسئل عن ذلك، قيل له هذه صلاة الاستسقاء، قال ولما تحتاجون ذلك، فالماء تحت ارجلكم والأرض ما وسعتها اعينكم.
إن تقليب السياسي الإيديولوجي على التنموي العملي هو آفة الأنظمة الشمولية قاطبة، لكنه ذو سمة خاصة لهذا النظام الذي استخدم الإعلام آلية لسحق الهوية القومية، كما استخدم التعليم وسيلة للأدلجة، النتيجة جيل يعاني كآفة أنواع المسخ والتخبط.
ثانياً، أرهق السودان بديون لمشاريع بلغت بنهايتها ضعف التكلفة ونصف الإنتاجية، لا ننسى الغبن الذي أثارته محاولة الطبقة الطفيلية الاستحواذ علي الأراضي الخصبة في جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق. لا اعلم حتى الأن إن كان شعب الانغسنا سيستفيد من تعلية خزان الرصيرص، فهم مازالوا ينعمون بالظلام فيما يستفيد الاخرون من خيراتهم.
ثالثاً، تم تسريح القوات المسلحة كما شردت كفاءته الوطنية لا لشيء إلا لأنها رفضت تجيير إرادة المؤسسة لصالح فئة، النتيجة استباحة للوطن من كآفة حدوده؛ الادهى، ضياع هيبة القوات المسلحة. إن المواطنين الذين كانوا يهللون للقطار الذاهب إلى جوبا اليوم يجلدون عميداً في السوق ويحلقون له صلعة.
رابعاً، تم تدمير الاقتصاد الوطني وارتهنت مؤسساته لصالح المطارزية. يكفيك ان تعلم ان خمسين شخصية فقط تستحوذ بكامل المديونية الداخلية لبنك السودان، هؤلاء جلهم ممن يستثمرون أموال القادة المتنفذين. النتيجة عجز الدولة عن الصرف علي كافة المرافق الحيوية مثل البيئة، الصحة، التعليم والبنية التحتية.
خامساً، عوض عن التضامن مع المجتمع الدولي لتطوير صيغ التخطيط لإنسان الألفية، عكف النظام على ترداد خرافات دينية واباطيل قروسطية؛ النتيجة تراجع مريع في مؤشر التنمية العالمية. يكفيك ان تعلم ان 887 امرأة حبلى من اصل 100.000 كردفانية تموت في الولادة وهذه ثاني أعلى نسبة في العالم.
سادساً، شردت الكفاءات العلمية والمهنية، ومن بقى عنهم حرم من فرص التحديث والتطوير فكان ان اصبحت الوزارات عبارة عن اقطاعيات (قبلية أو عرقية) عاجزة عن أداء مهام تخطيطية ومكتفية فقط بالمهام التشريفية، ليس حتى التسيرية.
سابعاً، سعت الدولة لعسكرة الحياة المدنية فأصبح هم المواطنين متمثلا في كيفية تجنب الدولة وتفادي عملائها / زبانيتها واعتمدت الفهلوة، واللف والدوران "طريقة سودانية" للتعايش مع نظام "لا يرحم ولا يخلي رحمة ربنا تنزل." النتيجة، انقطاع آخر الحبال الواهية وانفصال الدولة عن المجتمع، بل إنها، أي الدولة، امست على شاكلة ممثلة محبطة في مسرح بلا جمهور!
لك إذن ان تسأل: من الذي تولى أمر التنصيب؟ من له مصلحة في التمديد لرئيس هذا هو سجله والتمديد له كرجل دولة علماً بأن كل يوم يحكمه من شأنه ان يزيد الأمر تعقيداً؟ كيف يمكن لرجل هذه مؤهلاته أن تعتمد مقترحاته كتوصيات وان ترفع توصياته إلى قرارات؟ اين هي المكاتب السياسية واللجان المركزية والفرق المهنية (لأول مرة يشهد السودان عسكرا يقودون احزابا دون رؤى فكرية أو فلسفية بل عنجهية محضة)؟ هل يدري الترابي اليوم حجم الكارثة التي ارتكبها في حق الشعب السوداني؟ ام هل أصاب النخب قرح من جراء التعامل معها تعامل الحائض مع منشفتها (فقد تم الاستغناء عن من بقى من الإسلاميين كآفة بعد ان استنفد كل من الأخر آخر اغراضه)؟ هل ادركت النخب السياسية الاخرى، المركزية منها خاصة، ان الحياد موقفا غير اخلاقي في مثل هذه الظروف؟
لا بد من مخاطبة اللجنة المنوط بها البت داخل البرلمان البريطاني في أمر التمديد لبعثة اليوناميد بتاريخ 22/6/2015 ومطالبتها بتدخل الدول الغربية لحماية المدنيين. إن الواجب الديني والوطني يتطلب منا الوقوف مع اهل الدار (السكان الاصليين وضحايا الحرب المدنيين) حتى يرفع عنهم الضيم وفي ذلك انتصار للعروبة والإسلام والسودان. إن شكم المجموعات المتفلته التي اختطفت زمام الأمر مؤخرا وكادت ان تتنكر لمجهودات القادة التاريخيين الذين جعلوا من الكيان العربي لحمة حقيقية لأهل دارفور عبر الأزمان، لا يتم إلا بطيران حربي.السؤال: هل الحكومة البريطانية قادرة على توظيف طيرانها العسكري على إنفاذ إرادة المجتمع الدولي، ومن ثم استنقاذ الحزام السودانوي بأكمله من الضياع، أم أنها ستظل تتمارى حتى يختطف الالمان أو الفرنسيين المبادرة؟
إن غياب اليونميد يعني حدوث كارثة تتمثل في استباحة المعسكرات وإبادة اهل الدار–الامر الذي تبيت له الحكومة منذ امد بعيد، فالسؤال ليس عن جدوى التمديد، إنما عن ماهيته، كيف يمكن ان توظف موارد اليونميد بحيث تكون أكثر فاعلية وأكثر صدقية؟ كيف يمكن ان توضع لها الضوابط التي تلزمها التعامل مع المواطنين بالسوية (فهي ااكن تجعل التعيينات حكرا علي مجموعة اثنية دون اخري، كأنما في ذلك تجريم لفصيل بعينه)؟أخيراً، لا بد من تفعيل العملية السياسية استناداً على منبر الدوحة (او غيره) واعتمادا لألية يحددها المجتمع الدولي، إذ لا يمكن لأي جهة عسكرية ان تعمل في غياب مظلة سياسية ودبلوماسية.
إن الدول الغربية هي الأنسب لقيادة هذه العملية بحكم موروثها السياسي والإداري، بيد أنها يجب ان تتفادى الخطأ الرئيسي الفادح الذي أدى إلى فشل إتفاقية السلام الشامل، ابوجا، إلى أخره، والذي تمثل في الاعتماد على النخب العسكرية على حساب النخب الفكرية، الثقافية، المهنية، السياسية والمدنية، إلى .... إلخ.
ختاماً، يخطئ السودانيون إن ظنوا أن معاناتهم ستنتهي بنهاية نظام الانقاذ. الاحرى أنها ستبدئ، فما الانقاذ متمثلة في رأسها، إلا الحمى التي أظهرت تقرحات هذا الجسد المعلول والعقلية المختلة والنفسية غير المتوازنة. بيد أننا خطونا خطوة مهمة بالتخلص من الخطاب الانقاذي وحمولاته الدينية الشائهة، بقى لنا ان نفكر في دعم المؤسسات التربوية والتعليمية التي ترعى التوسط وتهيئ لإعداد مواطنين مستنيرين يشترفون آفاق عالميةبرؤية إنسانوية.
إن النخبة المنوط بها تحقيق هذا التحول هي نخب مجهدة، يكفيك ان تنظر إلى حال اغلبية المشتغلين بالشأن العام في الداخل والخارج كي تدرك ان المواطنة هم حٌمِل على ظهر سفينة تتلاطمها رياح هوجاء، قطبانها لا يعرف الوجهة وأعضاء بعثته لا يحسنون تدبير الشراع. أفضل ما يقال عنهم أنهم مفلسين ليس لديهم أدنى فكرة عن كيفية بناء دولة حديثة وصياغة مجمع متحضر، وأسوا ما يقال عنهم أنهم مغرضين، يسعون دوما وأبداً لاستثمار محنة الإنسان السوداني ولن يتورعوا عن المتاجرة بحقوقه في المحافل الدولية.
إن خطابهم اقتصر مؤخراً على الشكوى والتشهير وقد كان يلزمهم ان يبينوا لنا عن رؤاهم إن كانت مختلفة، وكيفية تحقيقها بالسبل الاحترافية والمهنية. إن الواقع لا يتغير بمجرد شجبه، ولكن يتبدل بالمدافعة (من الكل) التي تنشد الاستنارة متمثلة في الخطاب النوعي (الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الي النور، والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) (البقرة).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.