صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جعفر باشا مظهر (1865 – 1871م): أحد أهم حكمداري السودان في العهد التركي

Ja'afar Pasha Mazhar. A worthy Governor – General (1865 – 1871
جون أوليفر يودال John O. Udal
مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في مقال لجون يودال نشر في عام 2001م بالعدد السادس والعشرين من مجلة "الدراسات السودانية" والتي تصدر في بريطانيا، عن أحد أهم من حكموا السودان في عهد الاستعمار التركي –المصري، ألا وهو جعفر باشا مظهر، والذي عين حكمدارا عاما على السودان بين عامي 1865 و 1871م.
ولد كاتب المقال في عام 1926م، وتخرج في جامعة أكسفورد، ثم تعين في القسم السياسي لحكومة السودان بين عامي 1950 – 1955م، غير أنه أنتدب لعام واحد (1951م) خلال فترة عمله بالسودان للعمل في مركز الدراسات العربية في لبنان. وعمل طوال المدة التي قضاها بالسودان في الخرطوم وكدوك بمديرية أعالي النيل. ومن أشهر كتب المؤلف عن السودان هو كتاب عن تاريخ السودان منذ السلطنة الزرقاء (1504م) حتى عام الغزو البريطاني – المصري للسودان في 1898م، صدر بعنوان:
The Nile in Darkness: A Flawed Unity
ولعائلة الرجل (يودال) ارتباط وثيق بالسودان، إذ أن ثلاثة أجيال منها قد عملت بالسودان.
المترجم
****** ********* ********** ********* ************
قد لا نكون قد أبعدنا النُّجْعَة إن زعمنا بأن جعفر مظهر كان أكثر حاكم تركي مثقف / متنور يتولى حكم السودان منذ أن احتله الجيش التركي – المصري عام 1820م وحتى سقوطه على يد المهدي في يناير من عام 1885م. فقد سبق للرجل العمل في سلك البحرية العسكرية بين عامي 1830 – 1847م، قبل أن يتقلد عددا من المناصب الإقليمية كان من ضمنها منصب حاكم جزيرة ثاثوس المقابلة لقولة (مسقط رأس محمد علي باشا) في عام 1863م، وحاكما لقنا في صعيد مصر في العام التالي.
وتوفي حكمدار عام السودان موسى باشا حمدي (القباني)، ذلك الحاكم القاسي الطبع، والذي حكم البلاد بين عامي 1862 -1865م، بعد كان قد أتم بنجاح عمليات دفاعية حربية ضد الامبراطور الحبشي ثيودور الثاني في عام 1862م، وأخمد تمردا للجنود السودانيين في حامية كسلا في نوفمبر من عام 1864م، بفضل تدخل من السيد الحسن محمد عثمان الميرغني، والذي نجح في عقد هدنة بين مدير كسلا إبراهيم بيه أدهم المحلاوي والجنود المتمردين. ولكن صدر لاحقا الأمر من مصر بإعدام قادة المتمردين. وفي تلك الأيام من شهر فبراير من عام 1865م كان الحكمدار موسى باشا حمدي (القباني) يرقد على فراش الموت، وتوفي في ذات الشهر، غير أن نبأ وفاته لم يبلغ مصر إلا في مايو. وتتطلب تعيين حكمدار جديد للسودان ستة أشهر أخرى وقيام تمرد جديد بكسلا (توجد بالشبكة العنكبوتية صورة للقبة التي دفن بها موسى حمدي بالخرطوم. المترجم).
وقام الخديوي إسماعيل باشا إبراهيم في 1862م باتخاذ قرار حاسم بتعيين حكمدار جديد للسودان بمقدوره مجابهة تهديدات الامبراطور الحبشي ثيودور بغزو البلاد. غير أنه غير رأيه وقرر تعيين ثلاثة حكمداريين في محل الحكمدار (المتوفي) موسى باشا حمدي وهم: جعفر باشا صادق (البالغ من العمر ستين عاما) ليصبح حاكما عاما على مديرية التاكا (كسلا) وسواكن ومصوع، وسليم باشا الجزارلي حاكما على النيل الأزرق ومناطق النيل الأبيض الشرقية، وجعفر مظهر (54 عاما) حاكما على كردفان ودنقلا وبربر ومناطق النيل الأبيض الغربية. ولم يطق سليم باشا على الحياة في السودان صبرا، فآثر الانسحاب بعد أسبوعين فقط من قدومه للبلاد وآب لمصر، وترك الجعفريين في حالة سيئة من الشقاق والتنافر. وبذا فشل تخطيط الخديوي إسماعيل باشا إبراهيم الأول، والذي لم يجد أمامه حلا غير تعيين جعفر باشا صادق حكمدارا عاما على السودان، وتعيين جعفر مظهر نائبا له في 19 يونيو، قبل أن يغادر هو مصر لشهرين كاملين. ولم يكن الرجل يعلم (ولا حتى حكامه في السودان) بأن تمردا آخر قد اندلع في كسلا، إذ لم يبلغ نبأ ذلك التمرد القاهرة إلا في العشرين من أغسطس، وذلك بعد أيام قليلة من رحيل جعفر مظهر في مهمة هدفها إنهاء عملية ضم سواكن ومصوع لمناطق حكمه. وبعد سماعه لنبأ التمرد في كسلا، جرد جعفر مظهر في العاشر من سبتمبر حملة قادها بنفسه من سواكن لإنهاء تمرد جنود كسلا في معركة دموية طاحنة انتهت في نوفمبر من عام 1865م بمحاكمات عسكرية لمن بقي حيا من المتمردين. وكتب الرجل لقيادته في مصر تقريرا عن خلفية ذلك التمرد، والتمرد الذي حدث قبل ذلك أيضا.
وعوضا عن الانصراف لأداء مهمته الرئيسة، أمر جعفر مظهر بالبقاء في التاكا لكسر شوكة البجا المتمردين على السلطة. وتم استدعائه بعد ذلك للخرطوم ليبلغ أنه قد تم تعيينه حكمدارا عاما على السودان بدلا عن سميه الآخر (جعفر صادق)، وأوكلت إليه مهمة إحداث تغيير شامل في الحكومة وآليات عملها. وكان الخديوي معجبا بما سمع عن طاقة جعفر مظهر وقدراته وكفاءته العالية. ووجد جعفر مظهر نفسه حاكما لبلد جيشه هابط المعنويات، وخزانته فارغة (بل مثقلة بالديون)، وشعبه يرزح تحت ضغوط المجاعة والمرض. وعندما دخل الحكمدار الجديد (جعفر صادق) للقصر الرئاسي، كانت قد مرت سنة كاملة على وفاة الحكمدار السابق موسى باشا حمدي (القباني).
لقد كشفت حركات التمرد في كسلا وبعض المناطق الأخرى في عام 1865م عن حجم التهديدات الداخلية لأمن البلاد. ولذا فقد وافق الخديوي على القيام بإجراءات اقتصادية جذرية، فبدأ بالجيش وقرر تقليل عدد أفراده في السودان من 7000 إلى 4000 فردا، وقرر أيضا أن تأتي مرتبات الجنود النظاميين من القاهرة، على أن تتولى الخرطوم أمر مرتبات الجنود غير النظاميين. وبذا فقد قللت ميزانية الدفاع السنوية في عام 1867م إلى 76000 جنيها مصريا (بينما كانت 367000 جنيها قبل ثلاث سنوات). وقام جعفر مظهر بالالتفات إلى الصرف على المشاريع المدنية وزادها زيادة مقدرة. وفي بند الإيرادات أمر الخديوي بتقليل الضرائب الباهظة التي كان قد فرضها الحكمدار موسى حمد (القباني). ولو ترك الخديوي حرية التصرف في الأمور المالية لجعفر باشا مظهر لقام بتنمية وتطوير كثير المناطق ذات الإمكانات الاقتصادية، خاصة منطقتي التاكا وسنار، ولصار السودان مستعمرة مصرية مكتفية ذاتيا، بل وشديدة الازدهار.
وامتدت إنجازات الحكمدار جعفر باشا مظهر للثقافة والفكر، إذ أنه كان رجلا متعلما ومسلما متدينا وشديد الحرص على إزالة الأمية في السودان. وقام الحكمدار بتعيين شيخ سوداني (هو الأمين محمد الضرير) على رأس علماء السودان، وفتح المدارس الأولية في الخرطوم وبربر ودنقلا، وبنى كذلك عددا من الخلاوى في كل المديريات، وأدخل القانون المدني والمحاكم المدنية على النمط المصري. ولزيادة الخدمات الصحية بالبلاد التي كان على رأسها أطباء مصريون، أمر الحكمدار بتدريب مساعدي أطباء وممرضين وبناء مستشفيات في كل المديريات. وقام الحكمدار بالتخطيط لبناء مباني لرئاسة المديريات والمنازل والمساجد بالحجر في كل عاصمة مديرية لتحل مكان مباني القش والطين القديمة. وبدأ كذلك في تسيير بريد بالجمال من الخرطوم لبربر، ومن سواكن للسويس بالباخرة، وأوصل في 1870م خدمة تلغراف ربطت الخرطوم بالقاهرة (وكانت خدمات التلغراف بالبلاد قد بدأت في 1863م).
وكانت الحكمدار جعفر باشا مظهر قد كسب جانب زعماء القبائل وضمن تعاونهم بحسن معاملته وطيب معشره ولين جانبه، بعكس سلفه موسى حمد، والذي كان قد أبعد هؤلاء الزعماء و"همش" دورهم. وظل في عهده شيخ أحمد بيه عوض الكريم أبو سن مديرا للخرطوم، وعين شيخ حسين خليفة (من زعماء العبابدة) مديرا لبربر في عام 1868م. وأوصى بأن يتم تكريم بعض زعماء القبائل من قبل الخديوي مثل شيخ الهدندوة إبراهيم موسى، وشيخ الشكرية علي عوض الكريم أبو سن، وشيخ البني عامر حامد موسى، وتم تكريمهم بالفعل في 1867م.
وكان الحكمدار جعفر باشا مظهر مشهورا في أوساط السكان بعدم الفساد. وكتب المؤرخ البريطاني ريتشارد هيل عن الرجل من أنه "غادر الخرطوم في 1871م وعليه مبالغ كبيرة لعدد من الدائنين، وعد السودانيين ذلك دليلا على صلاحه ورفضه للرشوة والابتزاز".
وشهدت الفترة الأولى لحكم الحكمدار جعفر باشا مظهر نشاطا كبيرا في المجال السياسي. فقد قام بتدعيم هياكل إدارات المديريات التي ورثها من سلفه، خاصة في مديرية الديناب بالنيل الأبيض (والتي سميت لاحقا فشودة)، وضم سنار لفازوغلي، وعاقب مدير وقائد حامية النيل الأبيض بالسجن مع الأعمال الشاقة بفازوغلي لتقاعسهما عن مواجهة "الغزوات" التي كان يقوم بها تجار سنار ضد الشلك والدينكا لاصطياد الرجال والنساء والأطفال وبيعهم في مزادات علنية بالديناب. وأصاب الحكمدار تجارة الرقيق بنكسة كبيرة بعد أن قام بالأفراج عمن اعتقلهم تجار سنار وأعادهم لمواطنهم الأصلية وعينهم جنودا. غير أن رث الشلك فسر موقف الحكومة خَطَأً بأنه يمثل ضعفا منها، مما أضطر الحكمدار لعزله.
غير أن الحادث الذي ترك أثرا بعيد المدى فهو الهجوم الذي شنه حمر دارفور على كردفان، والتواطؤ (المزعوم) لسلطان دارفور مع الامبراطور الحبشي ثيودور الثاني، والذي كان يخطط دوما لغزو شرق السودان حتى يوم انتحاره في مجدلا (ورد في بعض المصادر التاريخية أن القوات البريطانية شنت هجوماً تأديبياً على حصن مجدلا الإمبراطوري. وعوضا من مواجهة الهزيمة والتي ظن أنها ستجلب العار لأسرته، انتحر ثيودور مستخدماً مسدساً أهدته إياه الملكة فيكتوريا. المترجم). ولما كان جعفر باشا مظهر يعلم بنوايا الخديوي المستقبلية لغزو دارفور فقد سارع بإرسال بعثات استخبارية لتلك السلطنة تحت ستار تقوية علاقة الصداقة مع سلطان الفاشر. وأخيرا قام في يناير من عام 1867م بإصدار الأوامر باحتلال كفيت وهو في الطريق من مصوع إلى كسلا (وكان الانتصار في كفيت من نصيب الأحباش. المترجم).
وفي نهاية عامه الأول حكمدارا على السودان غادر جعفر باشا مظهر للقاهرة في عطلته السنوية، غير أنه لم يكن يعلم أن خططه لإنشاء حكومة أفضل في السودان ستصطدم بخطط الخديوي التوسعية المفرطة الطموح. فقد قطعت عطلته في يوليو من عام 1867م، وأمر بالتوجه إلى مناطق الدناكل والقبائل الصومالية لاستطلاع واستكشاف حدود تلك المناطق الواقعة على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن الممتدة حتى بربرة، والعمل على إجهاض أي محاولة بريطانية لاحتلالها، ولرفع العلم المصري في الأماكن المهمة استراتيجيا فيها. ورغم قيامه بتلك المهمة على نحو جيد، فقد أسند الخديوي إدارة تلك "المستعمرات المصرية" في ساحل الصومال إلى حاكم مصري آخر.
وطلب من جعفر باشا مظهر بعد ذلك أن يبقى في مصر لثمانية شهور متصلة حتى يقوم الخديوي الجديد بإكمال خططه العسكرية والمالية الجديدة (والمكلفة) لمشاريع حالية وأخرى قادمة شملت إكمال وافتتاح بناء قناة السويس، والاستيلاء على أراض تتبع لإمبراطور الحبشة وأخرى على ساحل الصومال، وعلى مناطق بحر الغزال والاستوائية ودارفور. وكان أول فرمان يصدره الخديوي الجديد يخص إعطاء عائلته الصغيرة حق توارث الخديوية ولقب "خديوي" بالتتابع. وألقت كل تلك المشاريع البالغة الطموح بظلالها على أعمال جعفر باشا مظهر في سنواته الباقية في السودان.
وسمح لجعفر باشا مظهر بالأوبة للسودان مجددا في مايو من عام 1868م بعد أن وافق على إيقاف مصر لمعونتها السنوية للسودان والتي كانت تفوق مبلغ 150000 جنيها، بل وأن يدفع السودان لمصر مساهمة سنوية قدرها 200000 جنيها سنويا. وبذا وقع السودان مجددا ضحية اقتصادية لاستعباد غزاته، وأضحى منصة الوثب لمزيد من التوسعات الإقليمية.
وإزاء تلك التغييرات كان لزاما على حكمدار عام السودان رفع الضرائب والنكوص عن سياسته في العام الذي سبق ذلك حين كان قد خفض الضرائب ومنع الوسائل القمعية والوحشية في جمعها. غير أن الحكمدار تلقى – ودون وجه حق – اللوم من الأوربيين والتجار والرحالة لفرضه تلك السياسات القاسية، بل وطالته تهم الفساد. وفي المقابل، مدحت "وقائع تاريخ السودان" الرجل وأشادت بمنجزات حكمه للبلاد.
ولم يقم جعفر باشا مظهر بعد عودته للسودان في عامه الثاني للحكم بمثل الزيارات الميدانية التي كان قد قام بها في عامه الأول بالبلاد. ويبدو أنه كان – ورغم ولائه المطلق للخديوي- محبطا ومكتئبا من فشل خططه لتطوير وتنمية السودان وبقي منعزلا في الخرطوم. وزاد من احباطه تعيين حاكم عام لسواكن ومصوع والمناطق المصرية المستعمرة في ساحل الصومال في غيابه (حينما كان في مصر).
لقد فرضت مهنة جعفر باشا مظهر السابقة في الجيش عليه جعل الأمن الخارجي والداخلي أولوية لا يعلى عليها. غير أن مبادراته في مجال التعمير المدني والاتصالات والتعليم كان لها كبير الأثر في وضع البنية الأساسية للاقتصاد. ولكن يجب القول أيضا بأنه لم يكن هنالك أدنى اهتمام بالزراعة وتطويرها في عهده (مقارنة بما تم في عهد الحكمدار أحمد ممتاز باشا (1871 – 1872م)). فقد كان جعفر باشا مظهر لا يؤيد سياسة زراعة القطن كمحصول نقدي، ويفضل عليه زراعة الذرة والمحاصيل الغذائية الأخرى نسبة للتكاليف العالية المصاحبة لزراعة القطن من مراقبة وترحيل ومكافحة للآفات وحلج وتسويق وغير ذلك.
وكان رفض جعفر باشا مظهر لزراعة القطن، وتحمس ممتاز باشا له سببا في جعل الخديوي إسماعيل باشا يرسل شاهين باشا كنج للتحقق من صحة ما زعمه ممتاز باشا من الربح المضمون للقطن في السودان. وبالفعل جاءت نتيجة التحقيق، وبفضل شاهين باشا وسويسري اسمه فينير منزينقر بيه (كان قد عين حاكما على مصوع)، في صالح ممتاز باشا وزراعة القطن بالبلاد.
وفي عام 1871م تمت ترقية ممتاز باشا لرتبة حكمدار عام السودان، غير أنه سرعان ما أتهم باختلاس المال العام. وعين أيضا في ذات العام السويسري فينير منزينقر بيه حاكما عاما على شرق السودان. غير أنه سرعان ما تبين أن ادعاءات ممتاز باشا وفينير منزينقر بيه عن مناسبة السودان لزراعة القطن كانت ضربا من الخيال.
لقد ألقى فقدان الخديوي للثقة بجعفر باشا مظهر، والعبء المالي الثقيل الذي فرض على السودان، بظلال كثيفة على ما قام به في السنتين الأخيرتين من حكمه. وما أن أتى شهر يونيو عام 1871م حتى كان صبر جعفر باشا مظهر قد نفد بعد أن انتصر الخديوي لممتاز باشا عليه في أمور كثيرة كان منها زراعة القطن بالسودان (على ضفاف نهر أتبرا)، فقرر، بعد أن تم استدعائه للقاهرة، أن يغادر الخرطوم – للمرة الأخيرة- في أغسطس وأن لا يعود مرة أخرى.
ورغم كل ذلك، فالتاريخ المهني لجعفر باشا مظهر لم ينته بعد أوبته للقاهرة. فقد عين فور عودته رئيسا لمجلس الحكم المصري. وعرض على الخديوي وهو في ذلك المنصب قضية محمد الهلالي، والذي قتله الزبير باشا وصادر ممتلكاته (ذكرت قصة الزبير ورابح فضل الله ومحمد الهلالي ضمن مقال لجون يودال كاتب هذا المقال نشر مترجما تحت عنوان: " آدم باشا العريفي: أول لواء وقائد عام سوداني"). غير أن الخديوي لم يلق بالا لتلك القضية. وبعد ذلك بسنوات قليلة عين جعفر باشا مظهر رئيسا للجمعية التشريعية المصرية وبقي في ذلك المنصب حتى وفاته في 1878م.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.