الجيش السوداني يحرق 4 تريليونات جنيه من ميزانية مليشيا الدعم السريع في نيالا    شاهد.. وسط سخرية واسعة من الجمهور.. حكومة "حميدتي" تنتج فيديو كليب لمجموعة كورال تأسيس الغنائي بمناسبة العام الجديد    شاهد بالصورة والفيديو.. من ميناء بورستودان.. مصرية تغني للجيش السوداني والقوات المشتركة ووتغزل في البرهان: (قائد عظيم وحالف يخلي العدو نادم)    بالصورة.. في مفاجأة غير متوقعة.. والد الفنانة إيمان الشريف يعلن إنفصال إبنته من زوجها العازف "إيهاب" ويؤكد: (رغم انفصالهما إلا أن العلاقة بينهما حميمة مبنية على المودة والاحترام)    بوركينا فاسو تفرض على السودان مواجهة صعبة مع السنغال    جابر يشدد على الحسم في ضبط الوجود الأجنبي بولاية الخرطوم    تفاصيل مثيرة عن عملية عسكرية للجيش السوداني    قرار للحكومة السودانية بشأن معبر أدري    السفارة السودانية بالقاهرة تشن تحركًا أمنيًا صارمًا ضد الجريمة داخل الجالية    "صمود" يرفض ترحيب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة كامل إدريس    5 حقائق عن الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن    حصاد مبادرات المسؤولية المجتمعية لشركة MTN السودان خلال عام 2025    مواجهات المنتخبات العربية في دور ال16 لكأس إفريقيا 2025    تحرك صيني ومصري لمواجهة إسرائيل بالصومال    قرارات لجنة الاستئنافات برئاسة عبد الرحمن صالح في طلب فحص القوز ابو حمد وإستئناف الصفاء الابيض    هلال كريمة يفتتح تجاربه بالفوز على أمل الدويم    رئيس القوز ابوحمد : نرفض الظلم المقنّن ولن نتراجع عن حقنا    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (اللغم يتكتك)    إنشاء مسالخ ومجازر حديثة لإنتاج وتصنيع اللحوم بين مصر والسودان وزيادة التبادل التجاري بين البلدين    مجلس الوزراء يجيز بالإجماع الموازنة الطارئة للدولة للعام المالي 2026    محافظ بنك السودان المركزي : انتقال الجهاز المصرفي من مرحلة الصمود الي التعافي والاستقرار    الخارجية الإماراتية: نرفض الزج باسم الإمارات في التوتر الحاصل بين الأطراف اليمنية    لماذا تجد صعوبة في ترك السرير عند الاستيقاظ؟    بعد تأهل صقور الجديان للدور الستة عشر في البطولة الافريقية إبياه: تحررنا من كل الضغوط    عبده فايد يكتب: تطور تاريخي..السعودية تقصف شحنات أسلحة إماراتية علنًا..    التحالف: نفذنا ضربة جوية استهدفت دعما عسكريا خارجيا بميناء المكلا    الفنّانُ الحق هو القادر على التعبيرِ عن ذاتِه بما لا يخرج عن حدود خالقه    الخرطوم .. افتتاح مكتب ترخيص الركشات    السودان..مسيرات في الشمالية والسلطات تكشف تفاصيل المداهمة    رئيس الوزراء يهنئ المنتخب الوطني بفوزه على غينيا الاستوائية في بطولة الأمم الإفريقية    5 أطعمة تخفف أعراض البرد في الشتاء    الحقيقة.. كرة القدم تجرّنا جرّاً    رئيس الاتحاد السوداني ينعي الناظر طه فكي شيخ    الجامعة العربية: اعتراف إسرائيل ب"إقليم أرض الصومال" غير قانوني    الجزيرة .. ضبط 2460 رأس بنقو بقيمة 120 مليون جنيهاً    الوطن بين احداثيات عركي (بخاف) و(اضحكي)    السودان يعرب عن قلقه البالغ إزاء التطورات والإجراءات الاحادية التي قام بها المجلس الإنتقالي الجنوبي في محافظتي المهرة وحضرموت في اليمن    لميس الحديدي في منشورها الأول بعد الطلاق من عمرو أديب    شرطة ولاية القضارف تضع حدًا للنشاط الإجرامي لعصابة نهب بالمشروعات الزراعية    مشروبات تخفف الإمساك وتسهل حركة الأمعاء    منى أبو زيد يكتب: جرائم الظل في السودان والسلاح الحاسم في المعركة    شرطة محلية بحري تنجح في فك طلاسم إختطاف طالب جامعي وتوقف (4) متهمين متورطين في البلاغ خلال 72ساعة    «صقر» يقود رجلين إلى المحكمة    كيف واجه القطاع المصرفي في السودان تحديات الحرب خلال 2025    إبراهيم شقلاوي يكتب: وحدة السدود تعيد الدولة إلى سؤال التنمية المؤجَّل    شرطة ولاية نهر النيل تضبط كمية من المخدرات في عمليتين نوعيتين    استقالة مدير بنك شهير في السودان بعد أيام من تعيينه    كيف تكيف مستهلكو القهوة بالعالم مع موجة الغلاء؟    قبور مرعبة وخطيرة!    عزمي عبد الرازق يكتب: عودة لنظام (ACD).. محاولة اختراق السودان مستمرة!    مسيّرتان انتحاريتان للميليشيا في الخرطوم والقبض على المتّهمين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    الصحة الاتحادية تُشدد الرقابة بمطار بورتسودان لمواجهة خطر ماربورغ القادم من إثيوبيا    الشتاء واكتئاب حواء الموسمي    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    ما الحكم الشرعى فى زوجة قالت لزوجها: "من اليوم أنا حرام عليك"؟    حسين خوجلي: (إن أردت أن تنظر لرجل من أهل النار فأنظر لعبد الرحيم دقلو)    حسين خوجلي يكتب: عبد الرجيم دقلو.. إن أردت أن تنظر لرجل من أهل النار!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جعفر باشا مظهر (1865 – 1871م): أحد أهم حكمداري السودان في العهد التركي

Ja'afar Pasha Mazhar. A worthy Governor – General (1865 – 1871
جون أوليفر يودال John O. Udal
مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في مقال لجون يودال نشر في عام 2001م بالعدد السادس والعشرين من مجلة "الدراسات السودانية" والتي تصدر في بريطانيا، عن أحد أهم من حكموا السودان في عهد الاستعمار التركي –المصري، ألا وهو جعفر باشا مظهر، والذي عين حكمدارا عاما على السودان بين عامي 1865 و 1871م.
ولد كاتب المقال في عام 1926م، وتخرج في جامعة أكسفورد، ثم تعين في القسم السياسي لحكومة السودان بين عامي 1950 – 1955م، غير أنه أنتدب لعام واحد (1951م) خلال فترة عمله بالسودان للعمل في مركز الدراسات العربية في لبنان. وعمل طوال المدة التي قضاها بالسودان في الخرطوم وكدوك بمديرية أعالي النيل. ومن أشهر كتب المؤلف عن السودان هو كتاب عن تاريخ السودان منذ السلطنة الزرقاء (1504م) حتى عام الغزو البريطاني – المصري للسودان في 1898م، صدر بعنوان:
The Nile in Darkness: A Flawed Unity
ولعائلة الرجل (يودال) ارتباط وثيق بالسودان، إذ أن ثلاثة أجيال منها قد عملت بالسودان.
المترجم
****** ********* ********** ********* ************
قد لا نكون قد أبعدنا النُّجْعَة إن زعمنا بأن جعفر مظهر كان أكثر حاكم تركي مثقف / متنور يتولى حكم السودان منذ أن احتله الجيش التركي – المصري عام 1820م وحتى سقوطه على يد المهدي في يناير من عام 1885م. فقد سبق للرجل العمل في سلك البحرية العسكرية بين عامي 1830 – 1847م، قبل أن يتقلد عددا من المناصب الإقليمية كان من ضمنها منصب حاكم جزيرة ثاثوس المقابلة لقولة (مسقط رأس محمد علي باشا) في عام 1863م، وحاكما لقنا في صعيد مصر في العام التالي.
وتوفي حكمدار عام السودان موسى باشا حمدي (القباني)، ذلك الحاكم القاسي الطبع، والذي حكم البلاد بين عامي 1862 -1865م، بعد كان قد أتم بنجاح عمليات دفاعية حربية ضد الامبراطور الحبشي ثيودور الثاني في عام 1862م، وأخمد تمردا للجنود السودانيين في حامية كسلا في نوفمبر من عام 1864م، بفضل تدخل من السيد الحسن محمد عثمان الميرغني، والذي نجح في عقد هدنة بين مدير كسلا إبراهيم بيه أدهم المحلاوي والجنود المتمردين. ولكن صدر لاحقا الأمر من مصر بإعدام قادة المتمردين. وفي تلك الأيام من شهر فبراير من عام 1865م كان الحكمدار موسى باشا حمدي (القباني) يرقد على فراش الموت، وتوفي في ذات الشهر، غير أن نبأ وفاته لم يبلغ مصر إلا في مايو. وتتطلب تعيين حكمدار جديد للسودان ستة أشهر أخرى وقيام تمرد جديد بكسلا (توجد بالشبكة العنكبوتية صورة للقبة التي دفن بها موسى حمدي بالخرطوم. المترجم).
وقام الخديوي إسماعيل باشا إبراهيم في 1862م باتخاذ قرار حاسم بتعيين حكمدار جديد للسودان بمقدوره مجابهة تهديدات الامبراطور الحبشي ثيودور بغزو البلاد. غير أنه غير رأيه وقرر تعيين ثلاثة حكمداريين في محل الحكمدار (المتوفي) موسى باشا حمدي وهم: جعفر باشا صادق (البالغ من العمر ستين عاما) ليصبح حاكما عاما على مديرية التاكا (كسلا) وسواكن ومصوع، وسليم باشا الجزارلي حاكما على النيل الأزرق ومناطق النيل الأبيض الشرقية، وجعفر مظهر (54 عاما) حاكما على كردفان ودنقلا وبربر ومناطق النيل الأبيض الغربية. ولم يطق سليم باشا على الحياة في السودان صبرا، فآثر الانسحاب بعد أسبوعين فقط من قدومه للبلاد وآب لمصر، وترك الجعفريين في حالة سيئة من الشقاق والتنافر. وبذا فشل تخطيط الخديوي إسماعيل باشا إبراهيم الأول، والذي لم يجد أمامه حلا غير تعيين جعفر باشا صادق حكمدارا عاما على السودان، وتعيين جعفر مظهر نائبا له في 19 يونيو، قبل أن يغادر هو مصر لشهرين كاملين. ولم يكن الرجل يعلم (ولا حتى حكامه في السودان) بأن تمردا آخر قد اندلع في كسلا، إذ لم يبلغ نبأ ذلك التمرد القاهرة إلا في العشرين من أغسطس، وذلك بعد أيام قليلة من رحيل جعفر مظهر في مهمة هدفها إنهاء عملية ضم سواكن ومصوع لمناطق حكمه. وبعد سماعه لنبأ التمرد في كسلا، جرد جعفر مظهر في العاشر من سبتمبر حملة قادها بنفسه من سواكن لإنهاء تمرد جنود كسلا في معركة دموية طاحنة انتهت في نوفمبر من عام 1865م بمحاكمات عسكرية لمن بقي حيا من المتمردين. وكتب الرجل لقيادته في مصر تقريرا عن خلفية ذلك التمرد، والتمرد الذي حدث قبل ذلك أيضا.
وعوضا عن الانصراف لأداء مهمته الرئيسة، أمر جعفر مظهر بالبقاء في التاكا لكسر شوكة البجا المتمردين على السلطة. وتم استدعائه بعد ذلك للخرطوم ليبلغ أنه قد تم تعيينه حكمدارا عاما على السودان بدلا عن سميه الآخر (جعفر صادق)، وأوكلت إليه مهمة إحداث تغيير شامل في الحكومة وآليات عملها. وكان الخديوي معجبا بما سمع عن طاقة جعفر مظهر وقدراته وكفاءته العالية. ووجد جعفر مظهر نفسه حاكما لبلد جيشه هابط المعنويات، وخزانته فارغة (بل مثقلة بالديون)، وشعبه يرزح تحت ضغوط المجاعة والمرض. وعندما دخل الحكمدار الجديد (جعفر صادق) للقصر الرئاسي، كانت قد مرت سنة كاملة على وفاة الحكمدار السابق موسى باشا حمدي (القباني).
لقد كشفت حركات التمرد في كسلا وبعض المناطق الأخرى في عام 1865م عن حجم التهديدات الداخلية لأمن البلاد. ولذا فقد وافق الخديوي على القيام بإجراءات اقتصادية جذرية، فبدأ بالجيش وقرر تقليل عدد أفراده في السودان من 7000 إلى 4000 فردا، وقرر أيضا أن تأتي مرتبات الجنود النظاميين من القاهرة، على أن تتولى الخرطوم أمر مرتبات الجنود غير النظاميين. وبذا فقد قللت ميزانية الدفاع السنوية في عام 1867م إلى 76000 جنيها مصريا (بينما كانت 367000 جنيها قبل ثلاث سنوات). وقام جعفر مظهر بالالتفات إلى الصرف على المشاريع المدنية وزادها زيادة مقدرة. وفي بند الإيرادات أمر الخديوي بتقليل الضرائب الباهظة التي كان قد فرضها الحكمدار موسى حمد (القباني). ولو ترك الخديوي حرية التصرف في الأمور المالية لجعفر باشا مظهر لقام بتنمية وتطوير كثير المناطق ذات الإمكانات الاقتصادية، خاصة منطقتي التاكا وسنار، ولصار السودان مستعمرة مصرية مكتفية ذاتيا، بل وشديدة الازدهار.
وامتدت إنجازات الحكمدار جعفر باشا مظهر للثقافة والفكر، إذ أنه كان رجلا متعلما ومسلما متدينا وشديد الحرص على إزالة الأمية في السودان. وقام الحكمدار بتعيين شيخ سوداني (هو الأمين محمد الضرير) على رأس علماء السودان، وفتح المدارس الأولية في الخرطوم وبربر ودنقلا، وبنى كذلك عددا من الخلاوى في كل المديريات، وأدخل القانون المدني والمحاكم المدنية على النمط المصري. ولزيادة الخدمات الصحية بالبلاد التي كان على رأسها أطباء مصريون، أمر الحكمدار بتدريب مساعدي أطباء وممرضين وبناء مستشفيات في كل المديريات. وقام الحكمدار بالتخطيط لبناء مباني لرئاسة المديريات والمنازل والمساجد بالحجر في كل عاصمة مديرية لتحل مكان مباني القش والطين القديمة. وبدأ كذلك في تسيير بريد بالجمال من الخرطوم لبربر، ومن سواكن للسويس بالباخرة، وأوصل في 1870م خدمة تلغراف ربطت الخرطوم بالقاهرة (وكانت خدمات التلغراف بالبلاد قد بدأت في 1863م).
وكانت الحكمدار جعفر باشا مظهر قد كسب جانب زعماء القبائل وضمن تعاونهم بحسن معاملته وطيب معشره ولين جانبه، بعكس سلفه موسى حمد، والذي كان قد أبعد هؤلاء الزعماء و"همش" دورهم. وظل في عهده شيخ أحمد بيه عوض الكريم أبو سن مديرا للخرطوم، وعين شيخ حسين خليفة (من زعماء العبابدة) مديرا لبربر في عام 1868م. وأوصى بأن يتم تكريم بعض زعماء القبائل من قبل الخديوي مثل شيخ الهدندوة إبراهيم موسى، وشيخ الشكرية علي عوض الكريم أبو سن، وشيخ البني عامر حامد موسى، وتم تكريمهم بالفعل في 1867م.
وكان الحكمدار جعفر باشا مظهر مشهورا في أوساط السكان بعدم الفساد. وكتب المؤرخ البريطاني ريتشارد هيل عن الرجل من أنه "غادر الخرطوم في 1871م وعليه مبالغ كبيرة لعدد من الدائنين، وعد السودانيين ذلك دليلا على صلاحه ورفضه للرشوة والابتزاز".
وشهدت الفترة الأولى لحكم الحكمدار جعفر باشا مظهر نشاطا كبيرا في المجال السياسي. فقد قام بتدعيم هياكل إدارات المديريات التي ورثها من سلفه، خاصة في مديرية الديناب بالنيل الأبيض (والتي سميت لاحقا فشودة)، وضم سنار لفازوغلي، وعاقب مدير وقائد حامية النيل الأبيض بالسجن مع الأعمال الشاقة بفازوغلي لتقاعسهما عن مواجهة "الغزوات" التي كان يقوم بها تجار سنار ضد الشلك والدينكا لاصطياد الرجال والنساء والأطفال وبيعهم في مزادات علنية بالديناب. وأصاب الحكمدار تجارة الرقيق بنكسة كبيرة بعد أن قام بالأفراج عمن اعتقلهم تجار سنار وأعادهم لمواطنهم الأصلية وعينهم جنودا. غير أن رث الشلك فسر موقف الحكومة خَطَأً بأنه يمثل ضعفا منها، مما أضطر الحكمدار لعزله.
غير أن الحادث الذي ترك أثرا بعيد المدى فهو الهجوم الذي شنه حمر دارفور على كردفان، والتواطؤ (المزعوم) لسلطان دارفور مع الامبراطور الحبشي ثيودور الثاني، والذي كان يخطط دوما لغزو شرق السودان حتى يوم انتحاره في مجدلا (ورد في بعض المصادر التاريخية أن القوات البريطانية شنت هجوماً تأديبياً على حصن مجدلا الإمبراطوري. وعوضا من مواجهة الهزيمة والتي ظن أنها ستجلب العار لأسرته، انتحر ثيودور مستخدماً مسدساً أهدته إياه الملكة فيكتوريا. المترجم). ولما كان جعفر باشا مظهر يعلم بنوايا الخديوي المستقبلية لغزو دارفور فقد سارع بإرسال بعثات استخبارية لتلك السلطنة تحت ستار تقوية علاقة الصداقة مع سلطان الفاشر. وأخيرا قام في يناير من عام 1867م بإصدار الأوامر باحتلال كفيت وهو في الطريق من مصوع إلى كسلا (وكان الانتصار في كفيت من نصيب الأحباش. المترجم).
وفي نهاية عامه الأول حكمدارا على السودان غادر جعفر باشا مظهر للقاهرة في عطلته السنوية، غير أنه لم يكن يعلم أن خططه لإنشاء حكومة أفضل في السودان ستصطدم بخطط الخديوي التوسعية المفرطة الطموح. فقد قطعت عطلته في يوليو من عام 1867م، وأمر بالتوجه إلى مناطق الدناكل والقبائل الصومالية لاستطلاع واستكشاف حدود تلك المناطق الواقعة على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن الممتدة حتى بربرة، والعمل على إجهاض أي محاولة بريطانية لاحتلالها، ولرفع العلم المصري في الأماكن المهمة استراتيجيا فيها. ورغم قيامه بتلك المهمة على نحو جيد، فقد أسند الخديوي إدارة تلك "المستعمرات المصرية" في ساحل الصومال إلى حاكم مصري آخر.
وطلب من جعفر باشا مظهر بعد ذلك أن يبقى في مصر لثمانية شهور متصلة حتى يقوم الخديوي الجديد بإكمال خططه العسكرية والمالية الجديدة (والمكلفة) لمشاريع حالية وأخرى قادمة شملت إكمال وافتتاح بناء قناة السويس، والاستيلاء على أراض تتبع لإمبراطور الحبشة وأخرى على ساحل الصومال، وعلى مناطق بحر الغزال والاستوائية ودارفور. وكان أول فرمان يصدره الخديوي الجديد يخص إعطاء عائلته الصغيرة حق توارث الخديوية ولقب "خديوي" بالتتابع. وألقت كل تلك المشاريع البالغة الطموح بظلالها على أعمال جعفر باشا مظهر في سنواته الباقية في السودان.
وسمح لجعفر باشا مظهر بالأوبة للسودان مجددا في مايو من عام 1868م بعد أن وافق على إيقاف مصر لمعونتها السنوية للسودان والتي كانت تفوق مبلغ 150000 جنيها، بل وأن يدفع السودان لمصر مساهمة سنوية قدرها 200000 جنيها سنويا. وبذا وقع السودان مجددا ضحية اقتصادية لاستعباد غزاته، وأضحى منصة الوثب لمزيد من التوسعات الإقليمية.
وإزاء تلك التغييرات كان لزاما على حكمدار عام السودان رفع الضرائب والنكوص عن سياسته في العام الذي سبق ذلك حين كان قد خفض الضرائب ومنع الوسائل القمعية والوحشية في جمعها. غير أن الحكمدار تلقى – ودون وجه حق – اللوم من الأوربيين والتجار والرحالة لفرضه تلك السياسات القاسية، بل وطالته تهم الفساد. وفي المقابل، مدحت "وقائع تاريخ السودان" الرجل وأشادت بمنجزات حكمه للبلاد.
ولم يقم جعفر باشا مظهر بعد عودته للسودان في عامه الثاني للحكم بمثل الزيارات الميدانية التي كان قد قام بها في عامه الأول بالبلاد. ويبدو أنه كان – ورغم ولائه المطلق للخديوي- محبطا ومكتئبا من فشل خططه لتطوير وتنمية السودان وبقي منعزلا في الخرطوم. وزاد من احباطه تعيين حاكم عام لسواكن ومصوع والمناطق المصرية المستعمرة في ساحل الصومال في غيابه (حينما كان في مصر).
لقد فرضت مهنة جعفر باشا مظهر السابقة في الجيش عليه جعل الأمن الخارجي والداخلي أولوية لا يعلى عليها. غير أن مبادراته في مجال التعمير المدني والاتصالات والتعليم كان لها كبير الأثر في وضع البنية الأساسية للاقتصاد. ولكن يجب القول أيضا بأنه لم يكن هنالك أدنى اهتمام بالزراعة وتطويرها في عهده (مقارنة بما تم في عهد الحكمدار أحمد ممتاز باشا (1871 – 1872م)). فقد كان جعفر باشا مظهر لا يؤيد سياسة زراعة القطن كمحصول نقدي، ويفضل عليه زراعة الذرة والمحاصيل الغذائية الأخرى نسبة للتكاليف العالية المصاحبة لزراعة القطن من مراقبة وترحيل ومكافحة للآفات وحلج وتسويق وغير ذلك.
وكان رفض جعفر باشا مظهر لزراعة القطن، وتحمس ممتاز باشا له سببا في جعل الخديوي إسماعيل باشا يرسل شاهين باشا كنج للتحقق من صحة ما زعمه ممتاز باشا من الربح المضمون للقطن في السودان. وبالفعل جاءت نتيجة التحقيق، وبفضل شاهين باشا وسويسري اسمه فينير منزينقر بيه (كان قد عين حاكما على مصوع)، في صالح ممتاز باشا وزراعة القطن بالبلاد.
وفي عام 1871م تمت ترقية ممتاز باشا لرتبة حكمدار عام السودان، غير أنه سرعان ما أتهم باختلاس المال العام. وعين أيضا في ذات العام السويسري فينير منزينقر بيه حاكما عاما على شرق السودان. غير أنه سرعان ما تبين أن ادعاءات ممتاز باشا وفينير منزينقر بيه عن مناسبة السودان لزراعة القطن كانت ضربا من الخيال.
لقد ألقى فقدان الخديوي للثقة بجعفر باشا مظهر، والعبء المالي الثقيل الذي فرض على السودان، بظلال كثيفة على ما قام به في السنتين الأخيرتين من حكمه. وما أن أتى شهر يونيو عام 1871م حتى كان صبر جعفر باشا مظهر قد نفد بعد أن انتصر الخديوي لممتاز باشا عليه في أمور كثيرة كان منها زراعة القطن بالسودان (على ضفاف نهر أتبرا)، فقرر، بعد أن تم استدعائه للقاهرة، أن يغادر الخرطوم – للمرة الأخيرة- في أغسطس وأن لا يعود مرة أخرى.
ورغم كل ذلك، فالتاريخ المهني لجعفر باشا مظهر لم ينته بعد أوبته للقاهرة. فقد عين فور عودته رئيسا لمجلس الحكم المصري. وعرض على الخديوي وهو في ذلك المنصب قضية محمد الهلالي، والذي قتله الزبير باشا وصادر ممتلكاته (ذكرت قصة الزبير ورابح فضل الله ومحمد الهلالي ضمن مقال لجون يودال كاتب هذا المقال نشر مترجما تحت عنوان: " آدم باشا العريفي: أول لواء وقائد عام سوداني"). غير أن الخديوي لم يلق بالا لتلك القضية. وبعد ذلك بسنوات قليلة عين جعفر باشا مظهر رئيسا للجمعية التشريعية المصرية وبقي في ذلك المنصب حتى وفاته في 1878م.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.