كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الكَنَابِى" فى مشروع الجزيرة، العنصرية والأنانية هما أسُ الدَاءْ (7)
نشر في الراكوبة يوم 24 - 09 - 2015


بقلم/ عبد العزيز سام- 24 سبتمبر 2015م
يقع مشروع الجزيرة الزراعي في وسط السودان بين النيلين الأزرق والأبيض، في السهل الطيني الممتد من منطقة سنار إلى جنوب الخرطوم عاصمة السودان. أنشئ مشروع الجزيرة في عام 1925م لمدِّ المصانع البريطانية بحاجتِها من خامِ القطن الذي شكَّلَ العمود الفقرى لاقتصاد السودان بعد الاستقلال. ويُعتبَر مشروع الجزيرة أكبر مشروع مرْوِي في أفريقيا، وأكبر مزرعة ذات إدارة وآحِدة في العالم.
بدأ مشروع الجزيرة في عام 1911م، كمزرعة تجريبية لزراعة القطن في مساحة قدرها (250 فدان) بمنطقة "طيبة وكركوج" شمال مدينة ود مدني، تُروَى بالطلمبات(مضخات المياه). بعد نجاح التجربة بدأت المساحة في الإزدياد عاماً بعد آخر حتى بلغت 22 ألف فدان في عام 1924م. وفي العام الذي تلاه 1925م تم افتتاح خزان سِنَّار، وإزدادت المساحة المروية حتى بلغت حوالي المليون فدان في عام 1943م. وفى الفترة من 1958م وحتى 1962م تمت إضافة أرض زراعية بمساحة مليون فدان أخرى عرِفَت ب "إمتداد المناقل"، لتصبح المساحة الكلية لمشروع الجزيرة اليوم (2.2 ) مليون فَدَّان.
وبدأت المشاكل الحقيقية التي هدَّدتِ المشروع في سبعينيات القرن الماضى، وتفاقمت مع مرور الزمن حتى صارت تشكل تهديداً خطيراً لاستمراره بشكله السابق. ومن أهم المشاكل نقص الموارد والاعتمادات المالية اللازمة لأعمال الصيانة، فتمَّ خصخصة المشروع وبيع ممتلكاته واستبدال الآلات والبنيات القديمة خاصة نظام الاتصالات داخل وحدات المشروع الذي يُعتبَر ضرورياً في إدارة عمليات الريّ. وتعذَّر إزالة الطَمِى والحشائش، وصيانة شبكات المجارى والقنوات، وأنظمة النقل والتخزين. (من ويكيبيديا الموسوعة الحُرَّة)
نشأة "كنابِى" مشروع الجزيرة:
نشأت الكنابى مع تأسيس مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل، وأصلها من الكلمة الإنجليزية "Camp" التى تعنى "مخيم/ معسكر"، وهى فى حالة مشروع الجزيرة تعنى مخيمات/ معسكرات العمال الذين عملوا فى تأسيس البنية التحتية للمشروع كعُمَّال زراعة ومبانى وحفِر وسكة حديد.. إلخ.
لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد "كنابى" مشروع الجزيرة، ولكن العدد التقريبى حوالى ستة ألف "كمبو" موزَّعة فى محليات ولاية الجزيرة السبعة، وأكثرها فى محلية "المناقِل" بسبب مساحتها الكبيرة. ويشكِّل سُكَّان "الكنابى" نسبة تعادل نصف سكان ولاية الجزيرة.*
هناك ثلاثة أنواع من الكنابى، الأول كنابى نشأت حول مكاتب مشروع الجزيرة وأقسام وزارة الرى، والثانى كنابى قامت بجوار قرَى المزارعين أصحاب الحيازات، والنوع الثالث قامت بعيدة عن الإثنين، فى أراضى تتبع للدولة.*
دور سُكَّان الكنابى فى العمليات الزراعية بمشروع الجزيرة:
سكان الكنابِى هم العمود الفقرى لكلِ العمليات الزراعية بمشروع الجزيرة، وهم العمال الذين يخدمون جميع المؤسسات والشركات المرتبطة بالعمل فى مشروع الجزيرة، مثل "مَحَالِج" الحصاحيصا، والسكة حديد، .. إلخ.
معظم أهل الكنابى من أبناء قبائل دارفور، وقليلٌ من أبناء كردفان. وإزدَاد عددهم إبَّان موجات النزوح إلى وسطِ السودان نتيجة الجفاف والتصحر الذى ضرب الإقليم الغربى فى النصفِ الأول من العِقدِ الثامنِ من القرنِ العشرين. والآن هناك أعداد كبيرة من أبناء الكنابى قد تخرَّجوا فى الجامعات والكليات المختلفة، وسافر أعداد كبيرة منهم إلى الخارج مغتربين ومهاجِرين إلى القارات المختلفة.
كما إنضَمَّ أبناء الكنابى، باعدادٍ كبيرة، كمقاتلين فى صفوف حركات الكفاح المسلح السودانية، وترقَّى عدد منهم الى مواقع قيادية عُليا، سواء فى حركه تحرير السودان، أو حركة العدل والمساواة السودانية التى أوجدَت لهم موقِعَاً تنفيذياً فى هيكلها التنظيمى بإسم "أمانة الإقليم الأوسط".
ومن إبرزِ أبناء كنابى الجزيرة الذين إلتحقوا بالحركات المسلحة نذكر على سبيل المثال لا الحصر الرفاق: محمد زكريا يحيى، سيف الدين صالح هارون، عبده هاشم على، الطيب خميس الذين إلتحقوا إبتداءاً، بحركة تحرير السودان. ورفاق كُثر إلتحقوا بحركة العدل والمساواة السودانية التى إشتمل ملفها التفاوضى بمنبر أبوجا على قضية الكنابى وحقوق أهلها، ولكن تم إستبعاد ذلك الجزء من عملية التفاوض لأن الاتحاد الإفريقى الذى أدارَ منبر التفاوض فى أبوجا إنحصَرَ تفويضه فى قضيه دارفور"الجغرافى" مع إستبعاد دارفور"الإجتماعى" المُمْتَد بطولِ السودان وعرضِه، ويُمارَس ضِدَّهُم أسوأ صنوف التمييز العنصرى، ومحرُومُونَ من حقِ المواطنة المتساوية، والحقوق الأخرى المترتبة عليه. وتُهْدَر كرامتهم الإنسانية بشكلٍ مُمَنْهَج إينما حلّوُا.
وبعد سلام دارفور (أبوجا) 2006م بذلت حركة تحرير السودان جهداً مُقدَّرَاً لإظهار قضية الكنابِى، ورُغم أنَّ الحركة قد قاطعت إنتخابات 2010م لكنها ساندت ترشيح قياداتها من أبناءِ الكنابِى فى الحركة، وشجَّعت وراقبت مرحِلة الاحصاء السكانى، ودعَمَت ترشيحهم فى تلك الدوائر الجغرافية، وقد أبلوا فيها بلاءاً حسناً ولكن التزوير و"خَجّ" الانتخابات وَقَفَ عائقاً فى طريق فوزِهم بمقاعِد دوائرهم التى سطَعَ نجمَهم فيها، وأظهرتِ الكنابِى كقوة "ديموغرافية" ضارِبة فى ولاية الجزيرة.
وكان لترشح أبناء الكنابى المنتمين لحركة تحرير السودان فى دوائرهم الجغرافية صدىً كبيراً، ومثلت نقلة تاريخية جادَّة، وظاهِرة مُلفِتة لأهلهم الذين إفتخروا بهم لكونهم أظهروا مطالبهم ومارسوا حقهم فى أن يترشحوا ليمثلوا أهلهم ويُظهِرُوا قضايا ومظالم الكنابى. قد أحدثوا تحولاً كبيراً فى تاريخ الممارسة السياسية بولاية الجزيرة ما كانت فى الحُسبَان. وكسروا حاجز "الممنوع" ونسفوا إلى الأبد (تابوهات) سياسية وإجتماعية سادَت طويلاً. وقد فازوا حقيقة بمقاعد دوائرهم بأغلبية مُطلَقة لو لا التزوير الذى مارسه، ويمارسه حزب المؤتمر الوطنى ما بقِى فى ميدان العمل السياسى.
و وفاءاً وفخراً وتخليداً لذكرى ذلك التحول التأريخى الكبير كرَّم أهل الكنابى الشباب الذين ترشحوا فى انتخابات 2010م بأنْ أطلقوا أسماءهم على عدد كبير من المواليد الجُدد الذين أتوا إلى الحياة فى تلك الأيام العزيزة فى تاريخ كنابى الجزيرة. وهم أبطال يستحقون ذلك التكريم لأنَّهم قذفوا إلى مذابِل التاريخ بإفكِ الأفاكين ودجلِ الدجّالين، وقالوا جهاراً نهاراً: نعم للحقِ وزَهْقاً للباطِل.
كما يجدر ذِكر أنَّه، عقِبَ توقيع اتفاقيه السلام الشامل 2005م إنضم عدد كبير من ابناء الكنابِى الى الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتمَّ إشراكهم فى المكاتب التنفيذية للحركة، وقدّمت الحركة الشعبية عدداً منهم مرشحِين فى الدوائر الجغرافية للبرلمان القومى، والمجالس التشريعية الولائية.*
ولكن بشكلٍ عام لم تفلح الحركات المسلحة فى تبنِى قضايا سُكَّان كنابِى الجزيرة بشكل مُقنِع لأبنائِهم الذين تكبَّدوا الصعاب وإنضموا مقاتِلين فى صفوفها، فإنتهى بهم الأمر إلى إحباطِ كبير وأفقٍ مسدُود، فغادر عدد منهم الحركات المسلحة باحِثين عن الحق والعدل والإنصاف فى أماكِن آخرى من بلادِ اللهِ الواسِعة.
ومعلومٌ أنَّ جُلَّ سكان كنابِى الجزيرة ينتمون إلى كيان الأنصار وحزب الأمَّة بالميلاد والفِطرَة. وساهموا بقوة فى انتخابات 1986م داعِمين لحزبِ الأمَّة فمكّنُوه من إكتساح دوائر الإقليم الأوسط بفضل أصواتهم. لكنَّ اهتمام حزب الأمة بأهلِ"الكنابى" يبدأ مع بداية مرحلة الدِعاية الإنتخابية وينتهِى بإعلان النتيجة الإنتخابات، الأمر الذى دفع بعض أبناء الكنابى الذين تخرَّجوا فى الجامعات إلى الإنضمام إلى الحزب الشيوعى السودان تعبيراً عن سخطِهم وإستهجانِهم لسلوك حزب الأمَّة تجاه حقوق أهلهم ومنطقتهم، وإحتقار الحزب للدور الذى يقوم به أهلهم دون مقابل أو ثنَاء.*
وحتى الآن لم ينشأ تنظيم مُستقِل يطالب بحقوق أهل كنابى الجزيرة، وكان قد بدأت محاولات لتأسيس"إتحاد أبناء كنابى الجزيرة" وتمَّ الشروع فى عقدِ مؤتمره التأسيسى تحت اشراف العميد/ سليمان محمد سليمان وآلِى الجزيرة الأسبق، بشرط أنْ يقوم أهل الكنابى بتمويل المؤتمر!، ولكن تم إجهاض قيام المؤتمر وجُحِدَت ميزانيته. كما حُوْرِبَت بقوة كافة الجهود اللاحِقة لقيام "مؤتمر" لمناقشة قضايا سُكَّان كنابِى الجزيرة.
ما هى القضايا الجوهرية لأهلِ "كنابِى" الجزيرة ؟
تتمثل مشاكل سُكَّان كنابِى الجزيرة فى التمييز ضدهم عِرقياً. وتأسيساً على ذلك، حِرمَانِهم من حقوقهم الطبيعية كمواطنين سودانيين. وعدم تقديم الخدمات الأساسية لهم من تعليم وصحَّة ومياه وكهرباء، ويتم الحِرمَان بموجب قرارات رسمية تصدُر من أجهزةِ الدولة!. بينما تُقدَّم جميع الخدمات لمواطنى "قرَى" الجزيرة التى يسكنها المزارعين أصحاب الحيازات. وأهالى الكنابى يتلقُون خدمات التعليم بتكلفة إضافية فوق الرسوم الأساسية، وأنّ قرارات حِرْمَانهم من نيل الخدمات العامة مثل توصيل الكهرباء إلى مساكِنِهم فى الكنابى تصدُر بموجب قرارات رسمية من أجهزة الدولة وفق سياسات تفرِقة عنصرية مُعْلَنة، ومعلومة للعامَّة.
هناك أيضاً مشاكل ونزاعات وإشتباكات يثيرها أهالى "قرى" المزارعين حول الأرض التى تقوم عليها الكنابى، خاصَّة الكنابى الكائِنة بجوار تلك القرى عندما تتمدّد نحو الكنابى طمعاً فى نزعها وطرد أهلها مِنها وإضافة مساحتها لتكون إمتداداً لقرَاهُم! فأى ظلمٍ أقسى وأمَرَّ من هذا؟. ومثال وآضح للصراع بين سكان الكنابى والقرى المجاورة حول أراضِى الكنابى، حالة الحرب التى كادت أنْ تندلِع فى منطقة "وآدِى الشعِير".
ومعلوم أنّ عُمَّال الكنابى رغم ضخامة عددهم، مُقارنةً بالمزارعين، لكن غير مسموح لهم بإقامة/ انتخاب نقابة أو رابطة أو إتحاد أو جمعية أو أى تنظيم يمثلهم ويُدافِع عن حقوقهم ويسعى لنيلها لهم، ويصون كرامَتِهم الإنسانية. الحقيقة أنَّ أهل الكنابى يُعَامَلون كالأجانب، بل أسوأ من الأجانب القادمين من بعضِ الدول حيث تُتاح لهم الحريات وحقوق الإقامة والأمتلاك والعمل والإستثمار، ونيل حقوق المواطنة الكاملة فى السودان!.
ولا يُستغرَب غياب أى دور لأى حزب من أحزاب المركز للذود عن الظلم والعنصرية التى تُمارِسها الحكومات المتعاقبة ضد سُكَّان كنابى مشروع الجزيرة، لأنَّ ظلمهم وإضطهادِهم مُتفقٌ عليه، ومُجَاز ومُبَاح من كافّة أحزاب وتنظيمات المركز السودانى.
هذا، وقد ظلَّ أهل كنابى الجزيرة يعانون مشكلات أمنيه تتهدد وجودهم بسبب أقلَّ خلاف أو مشاجَرَة تنشُب دون سابق تدبير مع بقية سكان المنطقة "المزارعين أصحاب الحيازات" فيواجِهونهم بعنفٍ مُبيَّتٍ ومُمِيتْ، وصلف وغرور غير مُبَرَّر، مرجِعه كراهيِّة وإحتقار قديم وثابِت، وتمييز عِرْقِى متوارَث ضِدَّهم، وينظرون إلى أهل الكنابى بإزدراء، ويحسبُونهم أجانِب "أفارِقة سُوُد" وآفِدِين من مَتَاهة.
أهالى الكنابِى رغم دورهم الجوهرى فى إعداد وفِلاحة وحصاد مشروع الجزيرة لتسعة عقودٍ مضت من الزمن، إلَّا أنَّهم من حيث المواطنة يُمَاثِلون ال"بدُون" فى بعض الدول العربية. فلا حقوق لهم على قدمِ المساواة مع الآخرين، وبالتالى لا يتمَّ توظيفهم فى أى مؤسسة مدنية أو عسكرية، تشريعية أو تنفيذية، أو فى أى جهاز من أجهزة الدولة السودانية، قومية أو على مستوى ولاية الجزيرة، أو الإقليم الأوسط .
وعليه، أرى بإحترام، أنَّه يتوجَّب على المحاكم أن تأخذَ "عِلماً قضائياً" بواقِعة تجريد سكان كنابى الجزيرة من أبسط حقوق المواطنة المتساوية مع بقية السكان، وأنِّ ذلك الواقع من ضِمن أهم ثوابت سياسات دولة السودان المركزية منذ إكتمال قيام مشروع الجزيرة والمناقل فى أربعِينيات القرن الماضى ونشوء "الكنابِى" تبعاً له. حتى المؤسسات الأهلية التى تُسهِم فى ربط نسيج المجتمع وتطوير الريف السودانى حُرِمَ منها سكَّان "كنابِى" الجزيرة البؤسَاء.*
ويُمَثل سُكّان كنابِى الجزيرة ب (مقعدين) من جملةِ (40) مقعداً فى المجلس التشريعى المحلى لكلِ وُحدَة إدارية بولاية الجزيرة، بينما يشكّل سكان الكنابى أكثر من نصف سكان الولاية، ألا يُمثل هذا أسوأ مظاهر تمثيل "الترمِيز التضليلى" فى العالم !؟.*
ومن مظاهر الهيمنة والإخضاع لسكان الكنابى أنَّ سلطات ولاية الجزيرة لا تسمِح لهم بإقامة منظمات مجتمع مدنى تجْمَع أبناء الكنابى فى مظلة وآحِدَة لخدمة مُجتمَعِهم. ولكن بالمقابل نفس السلطات، تسمح بقيام كيانات"قبلية" لأبناءِ الكنابى! مثل رابطة أبناء"الفور" أو"الزغاوة" أو رابطة أبناء"التاما"، إمعَاناً فى تمزيق أواصر مجتمع الكنابى وتقزيمه وجَرِّه إلى قاع سِفر الوجود والنشوءِ الأول. ويأتى ذلك تكريساً لمبدأٍ وحيد ورثه حُكَّام مركز السودان من مُوَرِّثِهم الإنجليزى، مبدأ (فرِّقْ تَسُدْ).
إنَّ العلاقة القائمة بين سكان كنابى مشروع الجزيرة وبين الحكومات المركزية والولائية التى تعاقبت على حكم السودان وإدارة مشروع الجزيرة هى زاتِها العلاقة التى قامت فى روسيا بين: تحالف ملاك الأراضى Land Lords "القياصرة" ورجال الدين المسيحى من جهة، وبين العُمَّال "المستأجرين Tenants" من جهة أخرى.
تلك العلاقة التى إتَّسمَت بأوَّج درجات الإستغلال والعَسَف من الطرف الأول ضد الثانى، و أدَّت إلى إنفجار الثورة "البلشفية" التى قذفت بحِمَمَ براكين غضبها فإنتظمت روسيا فى العام 1917م وعُرِفت بثورة "البروليتاريا" الكادحين ضد تحالف ملَّاك الأرض ورجال الدين "الدجَّالين" إينما وُجِدوا وحلّوا. وقد دفع الظلم الذى حاق بالثوار المنتصرين إلى رفعِ شعارات ثورية حادَّة وجادَّة ضد تحالف ملاك الأرض ورجال الدين فقضوا عليهم عن بِكْرَةِ أبيهم. رغم أنهم كانوا يفلحُون لهم الأرض، طواعِيةً، مقابل عَطِيَّة مُزيِّن.
وللذين يزدرُون تشبيه سكان الكنابى ب"بروليتاريا روسيا"، وتحالف ملاك الأرض ورجال الدين المسيحى بحكومات المركز السودانى بكلِ احزابه الطائفية أو العقائدية! نقول لهم أنَّ العِبرَة فى الإنتفاض والثورة مبْعَثَه الشعور المُستمِر والمُتزايِد بالظلم والضيمْ، مع عدم رؤية أى شُعَاع ضوء للعدلِ فى نهاية نفق دولة الظلم.
وأنْ يعلمَ الناس أفادَهم الله، أنَّ سُكّان كنابى الجزيرة ليسوا وحْدَهم بعد اليوم فى الزود عن مواطنتِهِم المتساوية وكرامتهم الإنسانية، فأمّا أنْ يسُودَ الحقَّ والعدل، أو فالطوَفَانُ قادِم. يجب أن يتحقق العدلَ بأعجلِ ما يكون: حقِّهم فى أجرٍ عادل عن عملهم الذى أدوُه وبأثرٍ رجعى. وحقهم فى كافة الخدمات طالما هم قادِرون على دفع رسوم إستهلاكِهم. وحَقِهم فى إقتسام عادل لسلطة السودان، وفى توزيع مُنصِف لثروته. وحقِهم الكامل وبأثرٍ رجعِى وبتمييز إيجابى فى الدخول إلى الخدمة المدنية والعسكرية من كافة منافِذِها طالما إستوفوا معايير الكفاءة والجدَارة، فلا محسوبية ولا إقصاء ولا تهميش بعد اليوم.
وأكرِّر، عبر تاريخ السودان، لم يُدافِع أى حزب سياسى أو نظام حَكَمَ، أو منظمة مجتمع مدنى عن حقوق أهالى "الكنابى" البؤساء المستضعفين فى مواجهة أهل المركز العنصريين الأنانيِّين. فصَبَر أهل الكنابى على حُكْمِ العنصرية والأنانية، وتحمَّلوا غلواء من جُبِلوا على الظلم وأكل حقوق الآخرين أباً عن جِدْ. فالظلم عند أهل المركز السودانى حقٌ مُستَحقّ وليس باطِل، حلالٌ وليس حرَام. الظلمُ عند عُصْبَة المركز "ثقافة" فى ذرْوَةِ سِنَامِ وَعْيِهم ووِجْدَانِهم السَقِيم.
حلول عادلة ومُنصِفة لمشاكل سُكَّان كنابى مشروع الجزيرة:
1) تخطط الكنابى لتكون سكناً دائماً ولائقاً وحديثاً أسوةً بالآخرين، وتقديم الخدمات الضرورية، من ماءٍ وكهرباء ومؤسسات تعليم وصحة بمواصفات عصرِية.
2) إنهاء حالة التمييز ضد أبناء الكنابى لدى التقديم للدخول فى مؤسسات الولاية، وإعْمَال معايير الكفاءة والعطاء فقط دون غيرها من معايير العنصرية الظالِمة التى ميَّزت ضدهم، ونفّرَتَهم فى تلك السياسات، وأضعَفَت حِبال إرتباطِهم بوطنهم، ولمشروع الجزيرة الذى قام على أكتافِ آباءِهم وأجدادِهم، حفروا "تُرَعِها" بأظافرِهم لتدُرَّ خيراً وفيراً، و"ذهباً أبيض" فاض رِيعه لكل السودان حتى تاريخ دمار مشروع الجزيرة بأيدِى العنصريين من أهل المركز أنفسهم. قتلوا الدِجَاجة التى كانوا من بيضِها السمِين يأكلون.
3) تمثيل أهل الكنابى تمثيلاً عادلاً فى كافة أجهزة الدولة والإقليم والولاية وفق معايير نسبتِهم المئوية إلى مجموع السكان الولاية. مع منحِهم تمييزاً إيجابياً يعوِّضَهُم الحرمان التأريخى الذى عانوه بسبب ظلم أنظمة الحكم التى توالت على السودان، وإدارة مشروع الجزيرة.
4) إستيعابهم فى عموم جهاز الدولة، بقِسمَيه المدنى والعسكرى، دون تمييز ضدَّهم لأى سبب.
5) السماح لسكان الكنابى بإنشاء نقابات واتحادات وجمعيات وتنظيمات مجتمع مدنى تخدِم مصالحهم أسوَة بكلِّ السودانيين فى أىِّ مكان.
هذا، ولمّا تبوأ بعض أبناء الهامش السودانى النذر اليسير من المواقع التنفيذية فى الدولة السودانية، فى الإقليم الأوسط ومشروع الجزيرة أعادوا بعض حقوق سُكّان الكنابى إليهم، ومنهم: المرحوم المهندس/ محمود بشير جمَّاع، طيَّبَ الله ثراه، الذى لمّا تقلّدَ وزارة الرى أعاد بعض الحقوق المهضومة لأهل الكنابى فإنفرجت أساريرهم بشيئٍ من رِضا، وحمدوا الله أنْ قَيَضَ لهم من يفضح ظلم من سبقوه، ويرُدَّ بعض الحق إلى أهله.
والمهندس/ آدم الطاهر حَمْدُون (حبيب) لمَّا كُلّفَ مُحافظاً للدويم / الإقليم الوسط، وَجَدَ سُكَّان كنابِى الجزيرة يُمنَعُون من حِصَّتِهم فى سُكَّرِ(التموين)، دون بقية خلق الله! ظلماً وهَضْمَاً لحقوق العِبَاد، فرَدَّ لهم "حبيب" حَقّهُم السلِيب.
والمحامى المحترم الأستاذ/ طه عبد الشافع سنين، الذى ترافع تبرّعَاً، عن سُكَّان كنابى الجزيرة فى قضايا كثيرة ومتعددة، وهو عمل ينهض به دوماً الشُجعَان والشرفاء الذين يؤمنون بالحق والعدل. وأنَّ الله لا يرضى الظلم أبداً، وقد حرَّمَهُ على نفسِه، ثمَّ حرَّمَهُ على عِبادِه.
ويجدُر أنْ أذكرَ هنا، للتوثيق، الرفيق والزميل الأستاذ/ محمد آدم فور وهو من أبناء كنابى الجزيرة الذين قضوا جُلَّ وقتهم فى الدفاع عن قضايا وحقوق أهله فله من أهلِه ومِنَّا التحية والتقدير والإحترام.
حصاد الهشيم، وثِمَارٌ مُرّ فى ذاكرة سُكَّان "كنابِى" الجزيرة:
مشروع "السكن الإضطرارى"!؟:
هو وسيلة من وسائل الحكومة لحصد الجبايات، ومصطلح السكن الإضطرارى يحمل بُعدَاً عنصرياً، لم يراعى أهمية دمج سكان الكنابى بعناصر المجتمع الأخرى، لأنه مشروع خاص بسكان الكنابى، وقاصرٌ على ذوىِ الخلفيات الإثنية القادمة من هوامش السودان، فيراد لها وفق سياسات مركز السلطة أنْ تكون معزولة Segregated ولا يراد لها الإختلاط والإندماج فى الفئات التى يخدِمُونَها من سكان ولاية الجزيرة "المزارعين أصحاب الحيازات". والسؤال الذى تُرِكَ بلا إجابة: لماذا سكن إضطرارى؟ وليس سكن طبيعى وإنسانى ومُستدام، وعام؟
محلية الحصاحيصا قبضت الرسوم و"صَهْيَنَت"، المأساة تبدأ من هُنا:
مأساة الكنابى تبدأ من محلية الحصاحيصا. ثلث مساحة مشروع الجزيرة تقع في محلية الحصاحيصا، ويوجد فى المحلية أكبر مُجمَّع لحلجِ الأقطان فى السودان إضافة إلى وجود صناعات تحويلية أخرى، كل ذلك جعَلَ المحلية قِبلة للهجرات العُمَّالِية.
فى محلية الحصاحيصا وحدها يوجد حوالى (337) "كمبو" بالإضافة إلى (100) كمبو (شبه قرية) وكل هذه الكنابى أصبحت هدفاً للمشروع الحكومى المعروف ب (مشروع السكن الإضطرارى) الذى تأسس سنة 2005م فى ولاية الجزيرة، ويقوم عليه مفوضية خاصة (تحمل إسم المشروع) تهدف إلى تجميع الكنابى فى قرى نموذجية توفر فيها الخدمات الضرورية.
وبحسب رواية الأستاذ/ عابدين هاشم بشير/المحامى: فى وحدة "المحيريبا" وحدها تم توزيع حوالى (850 إستمارة) دفع فيها الأهالى حوالى (90) مليون جنيه سودانى(بالقديم)، وعموماً جمع سكان الكنابى لمشروع (السكن الإضطرارى) مبلغ مليار جنيه سودانى (بالقديم). وبعد جمع هذا المبلغ بموجِب ملء الإستمارات، فوجئ المواطنون بإغلاق المكتب (المفوضية) وضمِّه لمكتب أراضى الحصاحيصا. فضاع المشروع وضاعت المبالغ المحصَّلة من سكان الكنابى بإسم المشروع!. ويحكِى الأستاذ عابدين وهو من أبناء قرية "أم شديدة" غرب المناقل أحوال مأساوية من حيث تدنى مستوى الخدمات، يقول: هناك "كرجاكة" (طلمبة ماء يدوية) لكل ألف شخص. وفى (قرية) "ود المَنْسِى" التى قوامها (200) منزل بها أربعة "بيَّارات"، بينما الكمبو الذى يجاور هذه القرية بها (250 بيت) ولا توجد بها بيَّارة واحدة !.
"الدَنْقَدَة" وما أدرَاك؟
يقول الأستاذ عابدين فى (دراسَة منشورة فى الأسافير)، أنَّ سُكَّانَ الكنابى مجرد عمال زراعة يقومون بكافة العمليات الزراعية. وأكثر من 80% منهم تضرروا إذ كانوا يقومون بعملية ال (دَنْقَدَة) التى تعنى إيجار سكان الكنابى الأرض من المزارعين لفِلاحتِها، أو مشاركتهم فى الإنتاج. وضِمن سكان الكنابى من هم مُجرَّد أجراء "رزق اليوم باليوم"، وبفشل المشروع هجَر الكثيرون أسرهم ليكسبوا رِزقَهم فى مشاريع أخرى.
ملحوظة:
الفقرات المُميزة بنجمة (*) تعنى أنّى إعتمدّتُ فى المعلومات الواردة فيها برأى مصدرى الموثوق به من أبناءِ "الكنابِى".
العزَّة والكرامة لأهلنا سُكَّان "كنابِى" مشروع الجزيرة، والحقوق مردُودَة غصْبَاً عن الجميع.
(فى جزءٍ ثامن، نتحدث عن العنصرية والأنانية فى الخدمة المدنية السودانية، جهاز الدولة)
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.