قوات الدعم السريع تعلن مقتل ثلاثة من عناصرها    قرار جديد للبرهان    السعودية تعلن السماح بالدخول من جميع الدول.. لكن بشرط    وزارة الصناعة تطمئن على جودة الدقيق المدعوم    وصول كميات من الجازولين للحصاد بالنيل الابيض    لأول مرة منذ سنوات .. أمريكا تعين سفيرا في السودان    اللجنة القانونية باتحاد القضارف تواصل عملها في اعتماد الانظمة الاساسية للاندية    انطلاق الدورة التدريبية لعمليات مابعد الحصاد والاستفادة من مخلفات النخيل.    إعفاء مدير جهاز المخابرات العامة و تعيين الفريق مفضل احمد إبراهيم    امين عام حكومة الجزيرة يقف علي ترتيبات افتتاح مصنع الأوكسجين    سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 27 نوفمبر 2021 في السوق السوداء الموازي    اتحاد الكرة ينهي أزمة الحوافز في المنتخب قبل السفر للدوحة    جلسة استثنائية لمجلس السلم والأمن الأفريقي بشأن السودان    الدمازين تشكو العطش.. والمُواطنون يُطالبون بفض الشراكة بين الكهرباء والمياه    فاجعة عائلة سودانية .. وفاة 4 أطفال إثر حريق شب بمنزلهم "الأب حاول إنقاذهم لكنه لم يستطع"    والي النيل الأبيض المكلف عمر الخليفة: اتفاق البرهان وحمدوك وطني في المقام الأول    سر "أوميكرون".. هذا ببساطة ما يعنيه اسم المتحور الجديد    الأمة القومي يكشف حقيقة سحب الثقة من رئيس الحزب ويعلق بشأن تقاسم الحقائب الوزارية    انسياب الحركة التجارية بين شمال دارفور وليبيا    قرار بتشكيل اللجنة العليا لتطوير وتنمية اسواق محلية امبدة    عبد الله مسار يكتب شخصيات سودانية الشيخ فرح ود تكتوك (2)    ابرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة في الخرطوم اليوم السبت 27 نوفمبر 2021    شاهد بالفيديو.. على متن سيارة فارهة زعيم البجا "ترك" يصل مزرعة رجل الأعمال الشهير وعمدة البطاحين لتلبية دعوة خاصة والحاضرون يهتفون (ترك مرق)    شاهد بالفيديو.. مراسلة قناة الغد في السودان تبكي بحرقة على الهواء بسبب خلع أعمدة الإضاءة ورمي اللافتات الإعلانية وإغلاق الشوارع بها    سراج الدين مصطفى يكتب : نقر الأصابع    شاهد بالفيديو: مطربة سودانية تقلد فنان شهير في ادائه وساخرون يعلقون ( كده بزعل منك لكن)    شاهد بالفيديو.. مراسلة قناة الغد في السودان تبكي بحرقة على الهواء بسبب خلع أعمدة الإضاءة ورمي اللافتات الإعلانية وإغلاق الشوارع بها    بهدوء مع الجكومي    رقم قياسي لانتقالات حراس المرمى في التسجيلات    شاهد بالصورة.. ساحر الكرة السودانية يدخل القفص الذهبي ويكمل مراسم زواجه وسط حضور كبير من أنصار ناديه ومعجبيه    جنيفر لوبيز شابة في ال52.. وهذه أسرار جمالها    مزارعون بمشروع الجزيرة يطالبون باعلان حالة الطوارئ لانقاذ الموسم الشتوي    قريباً.. شاشات هاتف بزجاج غير قابل للكسر!    السعودية.. تعويضات الحوادث خارج نطاق الضريبة ولا تفرض "القيمة المضافة" عليها    الإفراج عن ساسة سودانيين بعد بدء إضراب عن الطعام    التحالف يستهدف مواقع للحوثيين في صنعاء    عادة مضغ الثلج.. لماذا يجب التخلص منها؟    مصري باع ابنه على فيسبوك عارضا صورته والسعر.. "الجوع كافر"    وصول المعدات الرياضية لنادي الأهلي مدني    الأسرة الرياضية بام روابة تشيع الكابتن محمد نور محمد الرضي وتودعه بالدموع    وفد إتحاد كرة القدم يشارك في الجمعية العمومية للكاف    الصحة العالمية تطلق تحذيرًا من المتحور الجديد لكورونا( اوميكرون )    البحرية التونسية تنقذ مئات المهاجرين غير الشرعيين بينهم سودانيين    ضبط متهمين نهبا فتاة في الشارع العام    تصريح لافت لأصالة.. "بشأن الغناء مع محمد رمضان"    ابراهيم الصديق: ورحل شقيقي (على)    ضبط تاجر مخدرات بحوزته حشيش بمدينة بورتسودان    لافتة لمتظاهر في احتجاجات الخرطوم تشعل غضباً عارماً في أوساط رواد التواصل    عاصفة شمسية تضرب الأرض في هذا الموعد.. وهذه أضرارها    شاب عراقي يسقط من الطابق الخامس بأحد المجمعات السكنية في الخرطوم    أمسية لتخليد ذكرى الامام الصادق المهدي غداً الجمعة    نشوب حريق بمصنع للمنتجات البلاستيكية بأم درمان    "الفيتامين الأهم" يسبب ارتفاعه التبول المفرط والفشل الكلوي    وزارة الخارجية التركية يبحث مع حمدوك تطورات الأوضاع في السودان    هل عدم استجابة الدعاء دليل عدم رضا الله؟    قوقل يحتفل بذكرى شاعر "السودان وإفريقيا" الفيتوري    جوجل يحتفي في ذكرى ميلاد الشاعر السوداني الراحل محمد الفيتوري    انتقد انا موجود لا انتقد انا ليس موجود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الكَنَابِى" فى مشروع الجزيرة، العنصرية والأنانية هما أسُ الدَاءْ (7)
نشر في الراكوبة يوم 24 - 09 - 2015


بقلم/ عبد العزيز سام- 24 سبتمبر 2015م
يقع مشروع الجزيرة الزراعي في وسط السودان بين النيلين الأزرق والأبيض، في السهل الطيني الممتد من منطقة سنار إلى جنوب الخرطوم عاصمة السودان. أنشئ مشروع الجزيرة في عام 1925م لمدِّ المصانع البريطانية بحاجتِها من خامِ القطن الذي شكَّلَ العمود الفقرى لاقتصاد السودان بعد الاستقلال. ويُعتبَر مشروع الجزيرة أكبر مشروع مرْوِي في أفريقيا، وأكبر مزرعة ذات إدارة وآحِدة في العالم.
بدأ مشروع الجزيرة في عام 1911م، كمزرعة تجريبية لزراعة القطن في مساحة قدرها (250 فدان) بمنطقة "طيبة وكركوج" شمال مدينة ود مدني، تُروَى بالطلمبات(مضخات المياه). بعد نجاح التجربة بدأت المساحة في الإزدياد عاماً بعد آخر حتى بلغت 22 ألف فدان في عام 1924م. وفي العام الذي تلاه 1925م تم افتتاح خزان سِنَّار، وإزدادت المساحة المروية حتى بلغت حوالي المليون فدان في عام 1943م. وفى الفترة من 1958م وحتى 1962م تمت إضافة أرض زراعية بمساحة مليون فدان أخرى عرِفَت ب "إمتداد المناقل"، لتصبح المساحة الكلية لمشروع الجزيرة اليوم (2.2 ) مليون فَدَّان.
وبدأت المشاكل الحقيقية التي هدَّدتِ المشروع في سبعينيات القرن الماضى، وتفاقمت مع مرور الزمن حتى صارت تشكل تهديداً خطيراً لاستمراره بشكله السابق. ومن أهم المشاكل نقص الموارد والاعتمادات المالية اللازمة لأعمال الصيانة، فتمَّ خصخصة المشروع وبيع ممتلكاته واستبدال الآلات والبنيات القديمة خاصة نظام الاتصالات داخل وحدات المشروع الذي يُعتبَر ضرورياً في إدارة عمليات الريّ. وتعذَّر إزالة الطَمِى والحشائش، وصيانة شبكات المجارى والقنوات، وأنظمة النقل والتخزين. (من ويكيبيديا الموسوعة الحُرَّة)
نشأة "كنابِى" مشروع الجزيرة:
نشأت الكنابى مع تأسيس مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل، وأصلها من الكلمة الإنجليزية "Camp" التى تعنى "مخيم/ معسكر"، وهى فى حالة مشروع الجزيرة تعنى مخيمات/ معسكرات العمال الذين عملوا فى تأسيس البنية التحتية للمشروع كعُمَّال زراعة ومبانى وحفِر وسكة حديد.. إلخ.
لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد "كنابى" مشروع الجزيرة، ولكن العدد التقريبى حوالى ستة ألف "كمبو" موزَّعة فى محليات ولاية الجزيرة السبعة، وأكثرها فى محلية "المناقِل" بسبب مساحتها الكبيرة. ويشكِّل سُكَّان "الكنابى" نسبة تعادل نصف سكان ولاية الجزيرة.*
هناك ثلاثة أنواع من الكنابى، الأول كنابى نشأت حول مكاتب مشروع الجزيرة وأقسام وزارة الرى، والثانى كنابى قامت بجوار قرَى المزارعين أصحاب الحيازات، والنوع الثالث قامت بعيدة عن الإثنين، فى أراضى تتبع للدولة.*
دور سُكَّان الكنابى فى العمليات الزراعية بمشروع الجزيرة:
سكان الكنابِى هم العمود الفقرى لكلِ العمليات الزراعية بمشروع الجزيرة، وهم العمال الذين يخدمون جميع المؤسسات والشركات المرتبطة بالعمل فى مشروع الجزيرة، مثل "مَحَالِج" الحصاحيصا، والسكة حديد، .. إلخ.
معظم أهل الكنابى من أبناء قبائل دارفور، وقليلٌ من أبناء كردفان. وإزدَاد عددهم إبَّان موجات النزوح إلى وسطِ السودان نتيجة الجفاف والتصحر الذى ضرب الإقليم الغربى فى النصفِ الأول من العِقدِ الثامنِ من القرنِ العشرين. والآن هناك أعداد كبيرة من أبناء الكنابى قد تخرَّجوا فى الجامعات والكليات المختلفة، وسافر أعداد كبيرة منهم إلى الخارج مغتربين ومهاجِرين إلى القارات المختلفة.
كما إنضَمَّ أبناء الكنابى، باعدادٍ كبيرة، كمقاتلين فى صفوف حركات الكفاح المسلح السودانية، وترقَّى عدد منهم الى مواقع قيادية عُليا، سواء فى حركه تحرير السودان، أو حركة العدل والمساواة السودانية التى أوجدَت لهم موقِعَاً تنفيذياً فى هيكلها التنظيمى بإسم "أمانة الإقليم الأوسط".
ومن إبرزِ أبناء كنابى الجزيرة الذين إلتحقوا بالحركات المسلحة نذكر على سبيل المثال لا الحصر الرفاق: محمد زكريا يحيى، سيف الدين صالح هارون، عبده هاشم على، الطيب خميس الذين إلتحقوا إبتداءاً، بحركة تحرير السودان. ورفاق كُثر إلتحقوا بحركة العدل والمساواة السودانية التى إشتمل ملفها التفاوضى بمنبر أبوجا على قضية الكنابى وحقوق أهلها، ولكن تم إستبعاد ذلك الجزء من عملية التفاوض لأن الاتحاد الإفريقى الذى أدارَ منبر التفاوض فى أبوجا إنحصَرَ تفويضه فى قضيه دارفور"الجغرافى" مع إستبعاد دارفور"الإجتماعى" المُمْتَد بطولِ السودان وعرضِه، ويُمارَس ضِدَّهُم أسوأ صنوف التمييز العنصرى، ومحرُومُونَ من حقِ المواطنة المتساوية، والحقوق الأخرى المترتبة عليه. وتُهْدَر كرامتهم الإنسانية بشكلٍ مُمَنْهَج إينما حلّوُا.
وبعد سلام دارفور (أبوجا) 2006م بذلت حركة تحرير السودان جهداً مُقدَّرَاً لإظهار قضية الكنابِى، ورُغم أنَّ الحركة قد قاطعت إنتخابات 2010م لكنها ساندت ترشيح قياداتها من أبناءِ الكنابِى فى الحركة، وشجَّعت وراقبت مرحِلة الاحصاء السكانى، ودعَمَت ترشيحهم فى تلك الدوائر الجغرافية، وقد أبلوا فيها بلاءاً حسناً ولكن التزوير و"خَجّ" الانتخابات وَقَفَ عائقاً فى طريق فوزِهم بمقاعِد دوائرهم التى سطَعَ نجمَهم فيها، وأظهرتِ الكنابِى كقوة "ديموغرافية" ضارِبة فى ولاية الجزيرة.
وكان لترشح أبناء الكنابى المنتمين لحركة تحرير السودان فى دوائرهم الجغرافية صدىً كبيراً، ومثلت نقلة تاريخية جادَّة، وظاهِرة مُلفِتة لأهلهم الذين إفتخروا بهم لكونهم أظهروا مطالبهم ومارسوا حقهم فى أن يترشحوا ليمثلوا أهلهم ويُظهِرُوا قضايا ومظالم الكنابى. قد أحدثوا تحولاً كبيراً فى تاريخ الممارسة السياسية بولاية الجزيرة ما كانت فى الحُسبَان. وكسروا حاجز "الممنوع" ونسفوا إلى الأبد (تابوهات) سياسية وإجتماعية سادَت طويلاً. وقد فازوا حقيقة بمقاعد دوائرهم بأغلبية مُطلَقة لو لا التزوير الذى مارسه، ويمارسه حزب المؤتمر الوطنى ما بقِى فى ميدان العمل السياسى.
و وفاءاً وفخراً وتخليداً لذكرى ذلك التحول التأريخى الكبير كرَّم أهل الكنابى الشباب الذين ترشحوا فى انتخابات 2010م بأنْ أطلقوا أسماءهم على عدد كبير من المواليد الجُدد الذين أتوا إلى الحياة فى تلك الأيام العزيزة فى تاريخ كنابى الجزيرة. وهم أبطال يستحقون ذلك التكريم لأنَّهم قذفوا إلى مذابِل التاريخ بإفكِ الأفاكين ودجلِ الدجّالين، وقالوا جهاراً نهاراً: نعم للحقِ وزَهْقاً للباطِل.
كما يجدر ذِكر أنَّه، عقِبَ توقيع اتفاقيه السلام الشامل 2005م إنضم عدد كبير من ابناء الكنابِى الى الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتمَّ إشراكهم فى المكاتب التنفيذية للحركة، وقدّمت الحركة الشعبية عدداً منهم مرشحِين فى الدوائر الجغرافية للبرلمان القومى، والمجالس التشريعية الولائية.*
ولكن بشكلٍ عام لم تفلح الحركات المسلحة فى تبنِى قضايا سُكَّان كنابِى الجزيرة بشكل مُقنِع لأبنائِهم الذين تكبَّدوا الصعاب وإنضموا مقاتِلين فى صفوفها، فإنتهى بهم الأمر إلى إحباطِ كبير وأفقٍ مسدُود، فغادر عدد منهم الحركات المسلحة باحِثين عن الحق والعدل والإنصاف فى أماكِن آخرى من بلادِ اللهِ الواسِعة.
ومعلومٌ أنَّ جُلَّ سكان كنابِى الجزيرة ينتمون إلى كيان الأنصار وحزب الأمَّة بالميلاد والفِطرَة. وساهموا بقوة فى انتخابات 1986م داعِمين لحزبِ الأمَّة فمكّنُوه من إكتساح دوائر الإقليم الأوسط بفضل أصواتهم. لكنَّ اهتمام حزب الأمة بأهلِ"الكنابى" يبدأ مع بداية مرحلة الدِعاية الإنتخابية وينتهِى بإعلان النتيجة الإنتخابات، الأمر الذى دفع بعض أبناء الكنابى الذين تخرَّجوا فى الجامعات إلى الإنضمام إلى الحزب الشيوعى السودان تعبيراً عن سخطِهم وإستهجانِهم لسلوك حزب الأمَّة تجاه حقوق أهلهم ومنطقتهم، وإحتقار الحزب للدور الذى يقوم به أهلهم دون مقابل أو ثنَاء.*
وحتى الآن لم ينشأ تنظيم مُستقِل يطالب بحقوق أهل كنابى الجزيرة، وكان قد بدأت محاولات لتأسيس"إتحاد أبناء كنابى الجزيرة" وتمَّ الشروع فى عقدِ مؤتمره التأسيسى تحت اشراف العميد/ سليمان محمد سليمان وآلِى الجزيرة الأسبق، بشرط أنْ يقوم أهل الكنابى بتمويل المؤتمر!، ولكن تم إجهاض قيام المؤتمر وجُحِدَت ميزانيته. كما حُوْرِبَت بقوة كافة الجهود اللاحِقة لقيام "مؤتمر" لمناقشة قضايا سُكَّان كنابِى الجزيرة.
ما هى القضايا الجوهرية لأهلِ "كنابِى" الجزيرة ؟
تتمثل مشاكل سُكَّان كنابِى الجزيرة فى التمييز ضدهم عِرقياً. وتأسيساً على ذلك، حِرمَانِهم من حقوقهم الطبيعية كمواطنين سودانيين. وعدم تقديم الخدمات الأساسية لهم من تعليم وصحَّة ومياه وكهرباء، ويتم الحِرمَان بموجب قرارات رسمية تصدُر من أجهزةِ الدولة!. بينما تُقدَّم جميع الخدمات لمواطنى "قرَى" الجزيرة التى يسكنها المزارعين أصحاب الحيازات. وأهالى الكنابى يتلقُون خدمات التعليم بتكلفة إضافية فوق الرسوم الأساسية، وأنّ قرارات حِرْمَانهم من نيل الخدمات العامة مثل توصيل الكهرباء إلى مساكِنِهم فى الكنابى تصدُر بموجب قرارات رسمية من أجهزة الدولة وفق سياسات تفرِقة عنصرية مُعْلَنة، ومعلومة للعامَّة.
هناك أيضاً مشاكل ونزاعات وإشتباكات يثيرها أهالى "قرى" المزارعين حول الأرض التى تقوم عليها الكنابى، خاصَّة الكنابى الكائِنة بجوار تلك القرى عندما تتمدّد نحو الكنابى طمعاً فى نزعها وطرد أهلها مِنها وإضافة مساحتها لتكون إمتداداً لقرَاهُم! فأى ظلمٍ أقسى وأمَرَّ من هذا؟. ومثال وآضح للصراع بين سكان الكنابى والقرى المجاورة حول أراضِى الكنابى، حالة الحرب التى كادت أنْ تندلِع فى منطقة "وآدِى الشعِير".
ومعلوم أنّ عُمَّال الكنابى رغم ضخامة عددهم، مُقارنةً بالمزارعين، لكن غير مسموح لهم بإقامة/ انتخاب نقابة أو رابطة أو إتحاد أو جمعية أو أى تنظيم يمثلهم ويُدافِع عن حقوقهم ويسعى لنيلها لهم، ويصون كرامَتِهم الإنسانية. الحقيقة أنَّ أهل الكنابى يُعَامَلون كالأجانب، بل أسوأ من الأجانب القادمين من بعضِ الدول حيث تُتاح لهم الحريات وحقوق الإقامة والأمتلاك والعمل والإستثمار، ونيل حقوق المواطنة الكاملة فى السودان!.
ولا يُستغرَب غياب أى دور لأى حزب من أحزاب المركز للذود عن الظلم والعنصرية التى تُمارِسها الحكومات المتعاقبة ضد سُكَّان كنابى مشروع الجزيرة، لأنَّ ظلمهم وإضطهادِهم مُتفقٌ عليه، ومُجَاز ومُبَاح من كافّة أحزاب وتنظيمات المركز السودانى.
هذا، وقد ظلَّ أهل كنابى الجزيرة يعانون مشكلات أمنيه تتهدد وجودهم بسبب أقلَّ خلاف أو مشاجَرَة تنشُب دون سابق تدبير مع بقية سكان المنطقة "المزارعين أصحاب الحيازات" فيواجِهونهم بعنفٍ مُبيَّتٍ ومُمِيتْ، وصلف وغرور غير مُبَرَّر، مرجِعه كراهيِّة وإحتقار قديم وثابِت، وتمييز عِرْقِى متوارَث ضِدَّهم، وينظرون إلى أهل الكنابى بإزدراء، ويحسبُونهم أجانِب "أفارِقة سُوُد" وآفِدِين من مَتَاهة.
أهالى الكنابِى رغم دورهم الجوهرى فى إعداد وفِلاحة وحصاد مشروع الجزيرة لتسعة عقودٍ مضت من الزمن، إلَّا أنَّهم من حيث المواطنة يُمَاثِلون ال"بدُون" فى بعض الدول العربية. فلا حقوق لهم على قدمِ المساواة مع الآخرين، وبالتالى لا يتمَّ توظيفهم فى أى مؤسسة مدنية أو عسكرية، تشريعية أو تنفيذية، أو فى أى جهاز من أجهزة الدولة السودانية، قومية أو على مستوى ولاية الجزيرة، أو الإقليم الأوسط .
وعليه، أرى بإحترام، أنَّه يتوجَّب على المحاكم أن تأخذَ "عِلماً قضائياً" بواقِعة تجريد سكان كنابى الجزيرة من أبسط حقوق المواطنة المتساوية مع بقية السكان، وأنِّ ذلك الواقع من ضِمن أهم ثوابت سياسات دولة السودان المركزية منذ إكتمال قيام مشروع الجزيرة والمناقل فى أربعِينيات القرن الماضى ونشوء "الكنابِى" تبعاً له. حتى المؤسسات الأهلية التى تُسهِم فى ربط نسيج المجتمع وتطوير الريف السودانى حُرِمَ منها سكَّان "كنابِى" الجزيرة البؤسَاء.*
ويُمَثل سُكّان كنابِى الجزيرة ب (مقعدين) من جملةِ (40) مقعداً فى المجلس التشريعى المحلى لكلِ وُحدَة إدارية بولاية الجزيرة، بينما يشكّل سكان الكنابى أكثر من نصف سكان الولاية، ألا يُمثل هذا أسوأ مظاهر تمثيل "الترمِيز التضليلى" فى العالم !؟.*
ومن مظاهر الهيمنة والإخضاع لسكان الكنابى أنَّ سلطات ولاية الجزيرة لا تسمِح لهم بإقامة منظمات مجتمع مدنى تجْمَع أبناء الكنابى فى مظلة وآحِدَة لخدمة مُجتمَعِهم. ولكن بالمقابل نفس السلطات، تسمح بقيام كيانات"قبلية" لأبناءِ الكنابى! مثل رابطة أبناء"الفور" أو"الزغاوة" أو رابطة أبناء"التاما"، إمعَاناً فى تمزيق أواصر مجتمع الكنابى وتقزيمه وجَرِّه إلى قاع سِفر الوجود والنشوءِ الأول. ويأتى ذلك تكريساً لمبدأٍ وحيد ورثه حُكَّام مركز السودان من مُوَرِّثِهم الإنجليزى، مبدأ (فرِّقْ تَسُدْ).
إنَّ العلاقة القائمة بين سكان كنابى مشروع الجزيرة وبين الحكومات المركزية والولائية التى تعاقبت على حكم السودان وإدارة مشروع الجزيرة هى زاتِها العلاقة التى قامت فى روسيا بين: تحالف ملاك الأراضى Land Lords "القياصرة" ورجال الدين المسيحى من جهة، وبين العُمَّال "المستأجرين Tenants" من جهة أخرى.
تلك العلاقة التى إتَّسمَت بأوَّج درجات الإستغلال والعَسَف من الطرف الأول ضد الثانى، و أدَّت إلى إنفجار الثورة "البلشفية" التى قذفت بحِمَمَ براكين غضبها فإنتظمت روسيا فى العام 1917م وعُرِفت بثورة "البروليتاريا" الكادحين ضد تحالف ملَّاك الأرض ورجال الدين "الدجَّالين" إينما وُجِدوا وحلّوا. وقد دفع الظلم الذى حاق بالثوار المنتصرين إلى رفعِ شعارات ثورية حادَّة وجادَّة ضد تحالف ملاك الأرض ورجال الدين فقضوا عليهم عن بِكْرَةِ أبيهم. رغم أنهم كانوا يفلحُون لهم الأرض، طواعِيةً، مقابل عَطِيَّة مُزيِّن.
وللذين يزدرُون تشبيه سكان الكنابى ب"بروليتاريا روسيا"، وتحالف ملاك الأرض ورجال الدين المسيحى بحكومات المركز السودانى بكلِ احزابه الطائفية أو العقائدية! نقول لهم أنَّ العِبرَة فى الإنتفاض والثورة مبْعَثَه الشعور المُستمِر والمُتزايِد بالظلم والضيمْ، مع عدم رؤية أى شُعَاع ضوء للعدلِ فى نهاية نفق دولة الظلم.
وأنْ يعلمَ الناس أفادَهم الله، أنَّ سُكّان كنابى الجزيرة ليسوا وحْدَهم بعد اليوم فى الزود عن مواطنتِهِم المتساوية وكرامتهم الإنسانية، فأمّا أنْ يسُودَ الحقَّ والعدل، أو فالطوَفَانُ قادِم. يجب أن يتحقق العدلَ بأعجلِ ما يكون: حقِّهم فى أجرٍ عادل عن عملهم الذى أدوُه وبأثرٍ رجعى. وحقهم فى كافة الخدمات طالما هم قادِرون على دفع رسوم إستهلاكِهم. وحَقِهم فى إقتسام عادل لسلطة السودان، وفى توزيع مُنصِف لثروته. وحقِهم الكامل وبأثرٍ رجعِى وبتمييز إيجابى فى الدخول إلى الخدمة المدنية والعسكرية من كافة منافِذِها طالما إستوفوا معايير الكفاءة والجدَارة، فلا محسوبية ولا إقصاء ولا تهميش بعد اليوم.
وأكرِّر، عبر تاريخ السودان، لم يُدافِع أى حزب سياسى أو نظام حَكَمَ، أو منظمة مجتمع مدنى عن حقوق أهالى "الكنابى" البؤساء المستضعفين فى مواجهة أهل المركز العنصريين الأنانيِّين. فصَبَر أهل الكنابى على حُكْمِ العنصرية والأنانية، وتحمَّلوا غلواء من جُبِلوا على الظلم وأكل حقوق الآخرين أباً عن جِدْ. فالظلم عند أهل المركز السودانى حقٌ مُستَحقّ وليس باطِل، حلالٌ وليس حرَام. الظلمُ عند عُصْبَة المركز "ثقافة" فى ذرْوَةِ سِنَامِ وَعْيِهم ووِجْدَانِهم السَقِيم.
حلول عادلة ومُنصِفة لمشاكل سُكَّان كنابى مشروع الجزيرة:
1) تخطط الكنابى لتكون سكناً دائماً ولائقاً وحديثاً أسوةً بالآخرين، وتقديم الخدمات الضرورية، من ماءٍ وكهرباء ومؤسسات تعليم وصحة بمواصفات عصرِية.
2) إنهاء حالة التمييز ضد أبناء الكنابى لدى التقديم للدخول فى مؤسسات الولاية، وإعْمَال معايير الكفاءة والعطاء فقط دون غيرها من معايير العنصرية الظالِمة التى ميَّزت ضدهم، ونفّرَتَهم فى تلك السياسات، وأضعَفَت حِبال إرتباطِهم بوطنهم، ولمشروع الجزيرة الذى قام على أكتافِ آباءِهم وأجدادِهم، حفروا "تُرَعِها" بأظافرِهم لتدُرَّ خيراً وفيراً، و"ذهباً أبيض" فاض رِيعه لكل السودان حتى تاريخ دمار مشروع الجزيرة بأيدِى العنصريين من أهل المركز أنفسهم. قتلوا الدِجَاجة التى كانوا من بيضِها السمِين يأكلون.
3) تمثيل أهل الكنابى تمثيلاً عادلاً فى كافة أجهزة الدولة والإقليم والولاية وفق معايير نسبتِهم المئوية إلى مجموع السكان الولاية. مع منحِهم تمييزاً إيجابياً يعوِّضَهُم الحرمان التأريخى الذى عانوه بسبب ظلم أنظمة الحكم التى توالت على السودان، وإدارة مشروع الجزيرة.
4) إستيعابهم فى عموم جهاز الدولة، بقِسمَيه المدنى والعسكرى، دون تمييز ضدَّهم لأى سبب.
5) السماح لسكان الكنابى بإنشاء نقابات واتحادات وجمعيات وتنظيمات مجتمع مدنى تخدِم مصالحهم أسوَة بكلِّ السودانيين فى أىِّ مكان.
هذا، ولمّا تبوأ بعض أبناء الهامش السودانى النذر اليسير من المواقع التنفيذية فى الدولة السودانية، فى الإقليم الأوسط ومشروع الجزيرة أعادوا بعض حقوق سُكّان الكنابى إليهم، ومنهم: المرحوم المهندس/ محمود بشير جمَّاع، طيَّبَ الله ثراه، الذى لمّا تقلّدَ وزارة الرى أعاد بعض الحقوق المهضومة لأهل الكنابى فإنفرجت أساريرهم بشيئٍ من رِضا، وحمدوا الله أنْ قَيَضَ لهم من يفضح ظلم من سبقوه، ويرُدَّ بعض الحق إلى أهله.
والمهندس/ آدم الطاهر حَمْدُون (حبيب) لمَّا كُلّفَ مُحافظاً للدويم / الإقليم الوسط، وَجَدَ سُكَّان كنابِى الجزيرة يُمنَعُون من حِصَّتِهم فى سُكَّرِ(التموين)، دون بقية خلق الله! ظلماً وهَضْمَاً لحقوق العِبَاد، فرَدَّ لهم "حبيب" حَقّهُم السلِيب.
والمحامى المحترم الأستاذ/ طه عبد الشافع سنين، الذى ترافع تبرّعَاً، عن سُكَّان كنابى الجزيرة فى قضايا كثيرة ومتعددة، وهو عمل ينهض به دوماً الشُجعَان والشرفاء الذين يؤمنون بالحق والعدل. وأنَّ الله لا يرضى الظلم أبداً، وقد حرَّمَهُ على نفسِه، ثمَّ حرَّمَهُ على عِبادِه.
ويجدُر أنْ أذكرَ هنا، للتوثيق، الرفيق والزميل الأستاذ/ محمد آدم فور وهو من أبناء كنابى الجزيرة الذين قضوا جُلَّ وقتهم فى الدفاع عن قضايا وحقوق أهله فله من أهلِه ومِنَّا التحية والتقدير والإحترام.
حصاد الهشيم، وثِمَارٌ مُرّ فى ذاكرة سُكَّان "كنابِى" الجزيرة:
مشروع "السكن الإضطرارى"!؟:
هو وسيلة من وسائل الحكومة لحصد الجبايات، ومصطلح السكن الإضطرارى يحمل بُعدَاً عنصرياً، لم يراعى أهمية دمج سكان الكنابى بعناصر المجتمع الأخرى، لأنه مشروع خاص بسكان الكنابى، وقاصرٌ على ذوىِ الخلفيات الإثنية القادمة من هوامش السودان، فيراد لها وفق سياسات مركز السلطة أنْ تكون معزولة Segregated ولا يراد لها الإختلاط والإندماج فى الفئات التى يخدِمُونَها من سكان ولاية الجزيرة "المزارعين أصحاب الحيازات". والسؤال الذى تُرِكَ بلا إجابة: لماذا سكن إضطرارى؟ وليس سكن طبيعى وإنسانى ومُستدام، وعام؟
محلية الحصاحيصا قبضت الرسوم و"صَهْيَنَت"، المأساة تبدأ من هُنا:
مأساة الكنابى تبدأ من محلية الحصاحيصا. ثلث مساحة مشروع الجزيرة تقع في محلية الحصاحيصا، ويوجد فى المحلية أكبر مُجمَّع لحلجِ الأقطان فى السودان إضافة إلى وجود صناعات تحويلية أخرى، كل ذلك جعَلَ المحلية قِبلة للهجرات العُمَّالِية.
فى محلية الحصاحيصا وحدها يوجد حوالى (337) "كمبو" بالإضافة إلى (100) كمبو (شبه قرية) وكل هذه الكنابى أصبحت هدفاً للمشروع الحكومى المعروف ب (مشروع السكن الإضطرارى) الذى تأسس سنة 2005م فى ولاية الجزيرة، ويقوم عليه مفوضية خاصة (تحمل إسم المشروع) تهدف إلى تجميع الكنابى فى قرى نموذجية توفر فيها الخدمات الضرورية.
وبحسب رواية الأستاذ/ عابدين هاشم بشير/المحامى: فى وحدة "المحيريبا" وحدها تم توزيع حوالى (850 إستمارة) دفع فيها الأهالى حوالى (90) مليون جنيه سودانى(بالقديم)، وعموماً جمع سكان الكنابى لمشروع (السكن الإضطرارى) مبلغ مليار جنيه سودانى (بالقديم). وبعد جمع هذا المبلغ بموجِب ملء الإستمارات، فوجئ المواطنون بإغلاق المكتب (المفوضية) وضمِّه لمكتب أراضى الحصاحيصا. فضاع المشروع وضاعت المبالغ المحصَّلة من سكان الكنابى بإسم المشروع!. ويحكِى الأستاذ عابدين وهو من أبناء قرية "أم شديدة" غرب المناقل أحوال مأساوية من حيث تدنى مستوى الخدمات، يقول: هناك "كرجاكة" (طلمبة ماء يدوية) لكل ألف شخص. وفى (قرية) "ود المَنْسِى" التى قوامها (200) منزل بها أربعة "بيَّارات"، بينما الكمبو الذى يجاور هذه القرية بها (250 بيت) ولا توجد بها بيَّارة واحدة !.
"الدَنْقَدَة" وما أدرَاك؟
يقول الأستاذ عابدين فى (دراسَة منشورة فى الأسافير)، أنَّ سُكَّانَ الكنابى مجرد عمال زراعة يقومون بكافة العمليات الزراعية. وأكثر من 80% منهم تضرروا إذ كانوا يقومون بعملية ال (دَنْقَدَة) التى تعنى إيجار سكان الكنابى الأرض من المزارعين لفِلاحتِها، أو مشاركتهم فى الإنتاج. وضِمن سكان الكنابى من هم مُجرَّد أجراء "رزق اليوم باليوم"، وبفشل المشروع هجَر الكثيرون أسرهم ليكسبوا رِزقَهم فى مشاريع أخرى.
ملحوظة:
الفقرات المُميزة بنجمة (*) تعنى أنّى إعتمدّتُ فى المعلومات الواردة فيها برأى مصدرى الموثوق به من أبناءِ "الكنابِى".
العزَّة والكرامة لأهلنا سُكَّان "كنابِى" مشروع الجزيرة، والحقوق مردُودَة غصْبَاً عن الجميع.
(فى جزءٍ ثامن، نتحدث عن العنصرية والأنانية فى الخدمة المدنية السودانية، جهاز الدولة)
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.