كاف يراوغ ببراعة    قائمة المجلس الحالي تتقدم مرة أخرى لقيادة الرومان    الأهلي يتعادل امام المسيكتاب بدوري شندي    مقررات الاجتماع الدوري لمجلس تسيير نادي المريخ    حسين خوجلي يكتب: فريقان وعميد ودم وشهيد    نظرة على مؤتمر WWDC 2026.. نظام iOS 27 وSiri المدعوم بالذكاء الاصطناعي    ميزة جديدة فى أندرويد 17 تمنح المستخدم سيطرة كاملة على إشعارات التطبيقات    تحديثات جديدة في إصدارات "أبل" بمميزات متطورة    شاهد بالصورة والفيديو.. "بلوغر" سودانية حسناء تخطف الأضواء بجمالها الملفت    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شك بورم في الرئة.. نجل عبد الرحمن أبو زهرة يكشف تفاصيل جديدة    الزمالك فى مواجهة قوية أمام المصري بافتتاح منافسات مجموعة التتويج بالدوري    على غرار روسيا.. إيران تطالب فيفا بتجميد عضوية إسرائيل    مصر تستضيف بطولة أفريقيا لناشئي البادل فى يونيو المقبل    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    باسم سمرة: الدنيا بقت عين سحرية والمسلسل واكب العصر والحداثة    إطلالة جديدة للفنانة كارولين عزمي بالفستان الأبيض    أعمال جمعت بين دنيا وإيمي سمير غانم قبل تعاونهما المسرحي الجديد    ماذا يحدث عند شرب القهوة يوميا لمدة 14 يوما؟.. فوائد لا تتوقعها    كيف تقيس ضغط الدم في المنزل؟.. أخطاء شائعة قد تُفسد دقة النتائج    الفواكه والخضروات مفيدة إذا عرفت كيف تأكلها.. تعرف على أفضل الطرق الصحية    شاهد بالصور.. بإطلالة أنيقة الفنانة إيمان الشريف ترد على هجوم النشطاء بشأن التسجيلات المسربة لها: (التجاهل صدقة جارية علي فقراء الأدب)    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شاهد بالفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تفاجئ جمهورها بظهورها "عروساً" مع ممثل مصري معروف    المدير العام لقوات الشرطة يتفقد مكان حادثة الإنفجار ببرى ويطمئن مواطنى المنطقة    وزير الداخلية يبحث مع نظيره المصري تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    شاهد بالفيديو.. من هو مجاهد سهل رئيس نادي المريخ؟ تعرف على مجال عمله والشركات التي يديرها!!    قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غزوة وسائط الميديا بسواعد (الإخوان المسلمين).
نشر في الراكوبة يوم 26 - 08 - 2016

كإشارة لإكمال كافة إجراءات وترتيبات فرض سيطرة (جهاز) المؤتمر الوطني (للأمن والمخابرات) على وسائط الإعلام، المقروءة والمسموعة والمشاهدة منها، و لإعلان بسطه وإحكام قبضته عليها، بثت الفضائيات السودانية المتناسلة، طوال شهر رمضان المنصرم، برامج عديدة شاركت في تقديمها وجوه قديمة معروفة، و أخرى جديدة (لشباب تعرفهم بسيمائهم أيضا) غزوا كالجراد وسائل و شبكات الميديا ومنها شاشات التلفزة، و احتلوها وانتشروا فيها (بفضل التمكين) لمواصلة تفريخ إعلام لا يكف عن ترديد (صوت سيده). و أنتج تمكين اعلام الأيديولوجيا، برامجاً سمته الظاهرة هي دس خط أصحابها الدعائي (الايديولوجي) المروِج لفكر الجماعة و برنامجها السياسي، في (ظاهر) مادتها الدينية. نذكر منها مثلاً، حلقات برنامج سواعد الإخاء في فضائية النيل الأزرق، و المراد بها (في راجح تقديري) سواعد الإخوان المسلمين. و أسباب هذا الترجيح هي: أولاً: أن ضيوفه الثابتين على مدى حلقاته الممتدة بامتداد أيام الشهر الفضيل هم كوكبة من أعلام الاسلامويين المعروفين كالدكتور عصام أحمد البشير، أحد رموز و قياديي تنظيم الإخوان المسلمين في السودان و رموز أخرى من قيادييه في غيره. وثانياً: أحاديث المشاركين في حلقاته، لم تخرج من الترويج لأيديولوجية التنظيم، وعرض برنامجه و أنشطته وتجاربه. و ثالثاً: اصطفافهم في الشاشة جلوساً، و إلي جانبهم يرفرف علم لا يختلف برموزه و خطوط كتاباته المعروفة في شيء عن علم تنظيم دولة (الخلافة المتوهمة) الذي يشاهده الناس، في فضائيات العالم عقب بثها أنباء جز رءوس ضحايا ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية (على الطريقة الداعشية) التي ينفذها منسوبيه في حق الأسرى بالقطاعي (حيناً) أو الجملة (أحياناً).
و لا غرابة في نظرنا، في اصطفاف رموز الإخوان المسلمين، بمختلف تسمياتهم، تحت الراية الداعشية، و لو فعلوا غير ذلك لأثاروا دهشتنا، لأننا على يقين تام، بأنَ باطل تخريجات منظريهم (المودودي والبنا وسيِد قطب)، هي (الحاضنة الأولى والتأسيسية لأيديولوجيات التكفيريين من داعش و القاعدة و غيرها من تنظيمات غلاة متطرفي و متشددي الاسلامويين). و جوهر تلك التخريجات، هو تكفير المجتمع واعتزاله و محاربته، على أساس من التمييز الأيديولوجي بين الناس، على سند من وهم الاعتقاد، بأن الدين يأمرهم بذلك. و انتهت بهم أيديولوجتهم، كنتيجة موضوعية لهذا المنطق الشاذ والمعوج، إلي تقسيم المجتمع إلي فئتين: الأولى تشمل المسلمين، و هم (في تعريفهم) من ينتمون إلي تنظيمهم أو يؤيدونه حصراً، و الثانية تشمل الكفار وهم من لا يشملهم تعريفهم للفئة الأولى، أي كل الناس بمسلميهم وغيرهم، ممن يعتبرون - في نظرهم - في ضلال و جاهلية القرن العشرين الجهلاء. و يترتب على هذا التقسيم والتمييز الأيديولوجي، اعتقادهم بحق الفئة الأولى، في جبر و إكراه الثانية وحملها على مراعفها و حتف أنفها - بحد السيف - إلى اعتناق أيديولوجيتهم بزعم أنها حصراً صحيح الاسلام، وإلا فالقتل والإبادة. و تطبيقاً لهذا الوهم الأيديولوجي، يحدث ما نراه اليوم، من مجازر يسرف فيها الداعشيون، في سفك دماء واسترخاص حيوات، من يخالفونهم الرأي والتفكير و الاعتقاد السياسي، بدعاوي باطله بحقهم في إهدار دماء و إزهاق أرواح و محق وجود مخالفيهم، تحت ذريعة أكثر بطلانا، هي وجوب ذلك دينياً. و تحفل أحداث التاريخ (قديمه وحديثه) بالعديد من ترهات و أباطيل أصحاب مثل هذه الدعاوي الشاذة، لتبرير التمييز بين الناس، بسبب الدين أو العرق أو الثقافة أو اللغة ... الخ، ليأسسوا من فوقها دعاوي حقهم في إنكار حقوق المختلفين معهم و اضطهادهم و إذلالهم ( وحتى قتلهم).
و نشير في مقالنا هذا، إلي نموذجٍ آخر من التمييز، ماس بإنسانية الإنسان و حاط بكرامته و مهدر لآدميته، لا يتحرج الإسلامويون من تبنيه. ففي إحدى حلقات برنامج (سواعد الإخوان) قال الدكتور عائض القرني: أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قد افتقد يوماً جارية (سوداء) كان تداوم على تنظيف المسجد. فسأل عنها فقيل له أنها توفيت قبل شهر، أو نحو ذلك، فذهب الرسول (ص) ومعه الصحابة إلي حيث دفنت و قرأ على روحها الفاتحة و دعا لها .... إلخ.
تقدير الرسول "عليه الصلاة و السلام"، للجارية و إكرامه إياها بزيارته الكريمة لمرقدها، يعطينا نموذجاً لخلقه العظيم، وتأديبه الرباني، كما وصفه الخالق عزَ و جلَ، في القرآن الكريم، كما يجسِد حرصه (عليه السلام) على تمثيل القدوة الحسنة في التطبيق الأمثل لمبادئ أرستها نصوص رسالته، ونكتفي منها بقوله تعالى: "و قد كرَمنا بني آدم" والحديث الشريف: " لا فضل لعربي على أعجمي" و "الدين المعاملة"، كما يجسد فعله (ص)، و يتسق فعله تماما مع عرف عنه، من كريم الخصال و الشمائل، منها طيبة القلب وسخاء النفس و المروءة و حب مناصرة الضعفاء، وهي صفات مشهودة و معروفة عنه. و لكن يبدو أن كل صفاته وشمائله النبوية تلك، لم تكن محور تلميح عائض بإشارته، بل كان محورها ما لقيته هذه الموصوفة بال (سوداء) من معاملة كريمة. و في اعتقادنا أنها لو لم تكن سوداء لما خطر ببال عائض نقل ما نقله، من "السنة الفعلية". و يعَرِفْها الفقهاء، بأنها هي المأخوذة من أفعاله ( عليه الصلاة والسلام)، لا من أقواله. و يستنتج من ذلك، أن مصدر لغتها و صياغتها بمفرداتها وعباراتها وجملها، هم رواة الحديث، أو من نقلوا عنهم من متأخري الفقهاء. وعليه فإن ما (يطرب له قلب الدكتور عائض وصحبه)، من تمييز الجارية و وصفها بال (سوداء) ينسب إليهم، وهم وحدهم مصدر ذلك الوصف الذي لم يأت مصادفةً أو اعتباطاً بل هو مقصود لذاته لما احتشد فيه من تمييز عرقي واجتماعي، ينضح بحمولات كثيفة الدلالة، نهى الإسلام عنها بنصوص صريحة وقطعية الورود والدلالة، أصبح معها المنهي عنه (معلوماً من الدين بالضرورة). وعلى الرغم من ذلك، تعذَر على بعض المسلمين الأوائل، بمن فيهم بعض كرام الصحابة، التخلص من شبهة التورط فيه. ولا تدري كيف، وقع مثل هذا النهي عن التمييز، دبر أذن هؤلاء!. أما (عائض وصحبه) فلا يرون - كما لاحظنا - حرجاً في ترديد وصف الجارية (بالسوداء)، دون أدنى اكتراث لما انطوى عليه الوصف من دلالات، مستترة في التعبير، تفضحها إيحاءات ظاهرة و جلية (تكاد تقرع بأجراسها الآذان) - وهي عبارة اصطكها أستاذنا القاضي العالم الراحل هنري رياض سكلا في وصف الحيازة الظاهرة - و يمكن استنطاق مضمون تلك الإيحاءات، لتقرأ: أن هذه (الجارية السوداء) التي لا تستحق أصلاً أن يلتفت لحضورها أو غيابها أحد قد اهتم بغيابها الرسول عليه الصلاة والسلام فسأل عنها وزار مرقدها وقرأ على روحها الفاتحة .. إلخ الرواية. فإن عجز "بيضان" الاسلامويين ( ممن سيطرت عليهم ذهنية الاستعلاء العرقي)، عن نهي النفس عن المنهي عنه ديناً، فإنه من الطبيعي والمنطقي، ألا تعصمهم قيم الاسلام السمحة، من المجاهرة باستكثارهم حق السوية البشرية، على من أسموهم بال "سودان"، لا لشيء سوى سواد بشرتهم. و يذكرك هؤلاء بطلقاء مكة الذين وصفو الصحابي الجليل بلال، بالغراب الأسود، سخريةً منه، فنزلت بسبب ذلك الآية "لا يسخر قومٌ من قومٍ، عسى أن يكونوا خيراً منهم، و لا نساء من نساء ... إلخ الآية". ولا فرق في تقديرنا بين أولئك الطلقاء، و هؤلاء الاسلامويين و!. فلا غرو إذن، أن يتبع تفكير، رموز الإسلام السياسي - سدنة الأبارثايد الديني والعرقي - خطو أولئك "البيضان"، كوقع الحافر على الحافر، مع تعمد الالتفات والازورار عن أحاديث للرسول (ص) ناهية عن التمييز العرقي، كقوله :" لا فضل لعربي على عجمي و لا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"، أو وصفه المسلمين ، بأنهم "سواسية كأسنان المشط". كما لا عجب أن يغفلوا عمدا حقيقة أن الرسول (ص) لم يكتف في المساواة بمحض قوله الكريم هذا، بل ربطه ربطاً محكماً بعمله الأكرم فآخى بالفعل في دولته بين المسلمين. وبدأ بمؤاخاة و مساواة المستضعفين والأرقاء في أدنى السلم الاجتماعي، قبل الإسلام، كعبد الله بن مسعود و بلال وعمار و خباب بن الأرت وصهيب الرومي وغيرهم، من جهة وعلية القوم من تجار قريش و ارستقراطيتها قبل البعثة، كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، من جهة أخرى. و في تقديرنا، أنَ هذه المساواة (بالذات) هي التي أوجفت قلوب الملأ من الارستقراطية القرشية، بتهديدها العاصف لمداميك أوضاع سيادتهم وهيمنتهم، وزلزلتها لأرضية مرتكزات امتيازاتهم الاجتماعية الاقتصادية. ثم انتهى نبي الإسلام (عليه الصلاة والسلام) بمؤاخاة المهاجرين (الفارين بدينهم الذي ضحوا من أجله بوطنهم و ديارهم و أملاكهم) مع الأنصار (أهل يثرب و ملاك حقولها وبساتينها وتجارتها). وتحدثنا المصادر أنَ الإيثار ونكران الذات، بفضل سوية الإخاء والاندماج والتضامن بينهم، قد بلغا ذروتيهما و مداهما، حتى ملَك أحد الأنصار نصف ما يملكه لأخيه المهاجر ( وهو الصحابي عبد الرحمن بن عوف على الأرجح)، و لم يقف عند ذلك، بل أشار عليه أن يعيَن له من نسائه من يريد اتخاذها زوجة له حتى يطلقها فوراً ليقترن بها.
و لم يكتف الاسلام بالمساواة بين الناس، على المستوى النظري فحسب، بل طبق تلك المساواة على أرض الواقع بإلغاء كافة الفوارق الاقتصادية الاجتماعية بينهم، و بمعاملتهم دون أدنى تمييز، كأصدق ما يكون تطبيق المساواة عملياً. و لعل في ذلك تفسِير كاف لظاهرة جذب دعوة الدين الجديد فقراء ومستضعفي مكة (كبلال وياسر وسمية - أول شهيدة في الإسلام - و ابنهما عمار وابن مسعود وصهيب الرومي وخباب بن الأرت وغيرهم) و اندفاعهم إلي المسارعة لاعتناقه، ضمن من عرفوا بالسابقة، وثباتهم و صمودهم في وجه الاضطهاد والتعذيب وتحمل العبء الأكبر منه بسبب تمسكهم به، ثم استماتهم في الدفاع عنه، واستبسالهم استبسالاً أسطورياً، تحت آلة التعذيب الجهنمية، التي نصبها لهم الملأ، وهم سادة قريش، الذين توهموا أنهم باستهداف هؤلاء المستضعفين إنما يوجهون ضربتهم القاضية لأضعف حلقات الحلف الاسلامي النامي. و لكن خاب ظنهم فالمستضعفون ازدادوا بصمودهم جسارة وصلابة، فكان انتصارهم ملهما للمزيد من الجلد والتماسك وحافزاً لهم للبلاءِ بلاءاً حسناً في القتال مع غيرهم من أجل نصرة دين الحق ونشره لاحقاً و الزود عنه و الدفاع عن راياته. توق المستضعفين من فقراء مكة وكادحيها وأرقائها، إلي الحرية والانعتاق والكرامة أرشدهم ودلهم على أن خلاصهم في ثباتهم و صمودهم مهما كلفهم ذلك من تضحيات، لن يخسروا معها شيئاً سوى أغلالهم و أصفاد قيودهم، فأعطوا ببسالتهم و جسارتهم البشرية ضمن من سبقوهم في التاريخ على الطريق الدامي الطويل إلي الحرية والانعتاق من لدن سبارتاكوس حتى يومنا الحاضر- درساً بليغاً بأن المقاتل من أجل الحرية و الكرامة، لا يخسر بنضاله سوى أغلال سلاسله التي يرسف في أسر قيدها.
و نخلص مما تقدَم، إلي أنَ التبشير بالمساواة و العدالة الاجتماعية، لم يكن حكراً، للفلسفات الإنسانية الرفيعة، بل سبقتها إلي ذلك الأديان السماوية ، وفي مقدمتها الاسلام، و قد دعى وحضَ إليها في مبادئه ونصوصه الأسس. و نذكر منها، مثالاً دون حصر، حض القرآن الكريم، على كفالة المساواة والعدل بين الناس و ضمان وصيانة كرامة الانسان وتحرير الانسان من الحاجة والفقر، و وجوب إطعام المسكين، و وعده الذين يراءون ويمنعون الماعون و لا يحضون على طعام المسكين بالويل، و كذلك تقريره أن في الأموال حق معلوم للسائل والمحروم، و وعده بإثابة الذين في أموالهم ذلك الحق، و غيره كثير. أما الحديث الشريف فقد نص على الشراكة في المال والثروة لقوله (ص) :(الناس شركاء في ثلاث: النار والكلأ والماء). علماً بأن الكلأ والماء كانا يمثلان أهم مصادر، ما نعتبره بلغة اليوم، رأس المال و تراكم الثروة في بيئة جزيرة العرب الرعوية التي شكَلت فيها تربية الأنعام أهم نشاط اقتصادي. إذن فمصادر التشريع الاسلامي الأسس تشتمل على نصوص أحكام قاطعة الدلالة على شراكة فقراء و مستضعفي المسلمين في أموال أغنيائهم وميسوريهم ك (حق) ديني و دنيوي، يحق للأوائل مطالبة إلزام الأخيرين به. و هل تعني الدعوة إلي الاشتراكية شيئاً سوى المناداة بحق جميع الناس في المشاركة في المال و أهم مصادر الثروة؟؟. و في واقع الأمر أن انحياز دين الاسلام ورسوله الكريم للفقراء والمستضعفين لا تخفى أدلته وبراهينه، إلا على أعمى بصر وبصيرة و (كفيف إنسانية) على قول صديقنا الراحل حميد.
و يخلو، فيما نعلم، كتاب تاريخ البشرية، من أية اشارة إلي أنه، أي التاريخ، قد عرف قبل البعثة النبوية الشريفة مثل الذي حققه الاسلام من مساواة بين الناس وإخاء وتعاضد طبقي واجتماعي قوي وراسخ، ساد على أوسع نطاق في تكوين اجتماعي كبير، و لأول مرة، بعد اضمحلال وتفسخ التشكيلة الاجتماعية - الاقتصادية المشاعية، الموصوفة بال "الشيوعية البدائية" بدلالة ملكية الموارد والخيرات على الشيوع. و هي بحسب النظرية الماركسية، إحدى التشكيلات الاجتماعية - الاقتصادية الخمس التي مرَت بها المجتمعات (محل بحث و دراسة فلاسفتها) في مراحل تحولاتها في مدراج التطور. وتذكر المراجع أن كارل ماركس، كان قد أشار، في واحدة من رسائله إلي فردريك إنجلز، إلي ظاهرة انتفاء ملكية الأرض (مصدر كل الثروات)، في تاريخ شعوب الشرق، فعبَر عن أسفه وحسرته، على عدم إيلاء تاريخ شعوبه ما يستحق من اهتمام ودراسة. وعلى أي حال، فإن عدم تغطية بحثهما ودراستهما منطقة الشرق و انحصارها في مناطق بعينها من أوربا القديمة وغيرها، قد يسم النظرية و محصلة بحثها و نتائجها النهائية، بالنقص و القصور، شأنها في ذلك، شأن أي جهد بشري محدود، ولكنه لا ينفي أو يلغي أو يغيِر من حقيقة أن مجتمع صدر الإسلام ، كان أول مجتمع كفاية وعدل ومساواة اجتماعية، بعد غروب شمس الملكية الجماعية، وظهور الملكية الخاصة، وانقسام المجتمع إلي طبقات متصارعة و متناحرة، يستغل بعضها البعض الآخر، ويستثمر قوة عمله و جهده ويستأثر بريعهما.
و تفيض المراجع والمصادر بنماذج تدل على أن الايمان بضرورة وحتمية العدالة والمساواة قد بلغ مبلغاً جعل أولي الأمر من صحابة رسول الله (ص) و خلفائه يتمسكون بها ضمن تمسكهم بجوهر معاني الشرع ومقاصده الكلية، ولو خالفت مباني نصوصه و شكليات تطبيقاتها الحرفية. فظهر ذلك التطبيق المبدع و العبقري الفريد لمقاصد جوهر نصوصه الشرع الكلية، الذي اشتهر به الخليفة الراشدي الثاني، سيدنا عمر(رضي الله عنه)، بصفةٍ خاصةٍ، رغم أن ذلك لم يكن وقفاً عليه، بل سبقه إليه الخليفة الراشدي الأول سيدنا أبوبكر (رضي الله عنه) بتطبيقه في تقسيم الأعطيات على محتاجيها فلم يفرق بين المسلمين في العطاء على عهد خلافاته فساوى بين من سبق إلي الإسلام وغيرهم والأغنياء والفقراء والرجال والنساء و الكبار والصغار و السادة ومواليهم. يخبرنا ابن الطقطقي أن ظروف المسامين المالية والعامة في عهد أبي بكر لم تكن تتطلب ديواناً على الإطلاق، فما كان يغنم في المعارك كان يوزع، كما يقتضي العرف، بالتساوي بين المقاتلين، بعد رفع الخمس للخليفة. أما النزير الذي كان يصل المدينة، فكان يوزع مباشرة على فقراء المسلمين و محتاجيهم. (ابن الطقطقي ص 101).
وتجمع المصادر على أن أبا بكر وزَع على المسلمين بالتساوي المطلق، دون تفريق بين رجل و امرأة، أو شاب وعجوز، أو عبد وحر، أو قديم وحديث في الإسلام. (البلازري ، فتوح البلدان ص 540، السيوطي، تاريخ الخلفاء ص 30 ... إلخ).
يقول صاحب كتاب الخراج (ص 24) أن بعض الناس جاءت إلي أبي بكر وطالبته بالكف عن هذه المساواة في العطاء، وبتفضيل الناس في العطاء وفق الفضل و السابقة في الإسلام فكان جواب أبي بكر:"أما ما ذكرتم من السوابق والقدم فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة). ثم تلا سيِدنا أبوبكر، في ذلك الخليفة الراشدي الثاني عمر بوقف تطبيق حد السرقة، في عام الرمادة، وإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد انتشار الإسلام وازدياد قوة و منعة المسلمين حتى أصبحوا في غنى عن تأليف القلوب المشركين. ومن الواضح من أقوال وأفعال الراشدين الأول والثاني، و معاصريهم من الصحابة أنهم قد استصحبوا، تحقيق مقاصد الشرع الكلية، في تبريرهم جواز تطبيق النص حسب مقتضيات تغيرات الزمان والمكان والظروف و منها جلب المصالح و درء المفاسد، وغيرها من مستخلصات القواعد الشرعية، نذكر منها، مثالاً دون حصر: "أنَ الأحكام تدور مع أسبابها وعللها وجوداً وعدماً" و "الضرورات تبيح المحظورات". كما نذكر من مأثور أقوال الصحابة عليهم رضوان الله في هذا الصدد، قول الإمام علي: " إذا جاع المسلمين فلا مال لأحد"!. و قول الصحابي أبي ذر الغفاري: "عجبت لمن لا يجد قوت عياله فلا يخرج على الناس شاهراً سيفه"!. تنزيل النص، وتطبيقه على نحوٍ يختلف عن حرفية أصله (حيناً) أو يخالف سابق تطبيقه (أحياناً)، على الواقع المتغيِر بحسب مقتضيات ومتطلبات مستجدات تغييرات الزمان والمكان والظروف، على نحو ما رأينا أعلاه في نموذجي الراشدين الأول والثاني (رضي الله عنهما)، مثَل و جسَد ما يعرف في علم أصول الفقه بتغيُر الأحكام مع تغيُر الزمان والمكان، و هو ما أدرجه المفكر الراحل الدكتور نصر حامد أبوزيد، في تعريفه لتفاعلات جدل ثلاثي: (النص الثابت)، ومتلقيه وهو (العقل الانساني المبدع)، و (الواقع المتغيِر)، ثم أخضعه، في معظم مؤلفاته، للتقصي و الفحص و الشرح الوافي والمستفيض.
و نخلص من كل ذلك، إلي أن الاشتراكية بوراف ظلال مساواتها، و سماحة عدالتها الاجتماعية ، كانت و ما زالت وستظل حلم وأشواق الفقراء والمستضعفين الكادحين في الأرض كدحاً ليلاقوا مجتمعاً انسانياً، خالياً من الاستغلال و الظلم و الاضطهاد، وتسوده المساواة و العدالة والسلام والإخاء الانساني. ولذلك فهي تستحق أن يبذل لها الانسان، فكره و عمله ونضاله، و تستحق (إن دعا داع الفداء) أن يفديها بدمه وعمره و مهجته، لأنها أقيم و أنبل و أرفع ما قدحت في أذهان خيرة المفكرين والفلاسفة، ليس هذا فحسب، بل سبقتهم إليها الرسالات السماوية، وفي مقدمتها دين الاسلام، و نقصد به، نصوصه في مصادر تشريعه الأسس وهما القرآن الكريم و السنة النبوية، لا غيبوبة (ايديولوجيا) ظلاميي الاسلام السياسي، من إخوان مسلمين وتكفيريي القاعدة و داعش وبوكو حرام وغيرهم من ورثة أيديولوجية تجار بني أمية و من يمثلون الامتداد التاريخي لطواغيت حكامهم كمعاوية وعمرو بن العاص وبسر بن أرطأة وزياد بن أبيه والحجاج بن يوسف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.