يتردد في أوساط أتباع الاسلام السياسي جملة(الحاكمية لله) و هي جملة فضفاضة مضللة و قد أوضح التأريخ الاسلامي أن أول من تلفظ بها كان الحرورية الذين خرجوا علي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه –مدينة العلم حسب وصف الرسول الاعظم. عن بُسر بن سعيد عن عُبيد الله بن أبي رافع أن الحرورية هاجت وهو مع عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقالوا : " لا حُكم إلا لله " فقال : عليّ : (كلمة حق أريد بها باطل). إنها كلمة حق أرادوا بها باطلا، وضعوها في غير موضعها تبعاً لأهوائهم، فألقوا الشبهات على العوام والجهال من الناس، فخدعوهم بحسنِ مقالهم، وضللوهم بسوء فعالهم، وسوء فهمهم للدين، إنهم الخوارج الذين خرجوا على عليٍ - رضي الله عنه - وقاتلوه، فهموا النصوص الشرعية فهمًا خاطئًا مخالفاً لفهم الصحابة - رضي الله عنهم – وأولوها حسب أهوائهم فضلوا وأضلوا والعياذ بالله رضي الله عن الصحابي الجليل عبدالله بن عباس وأرضاه، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فقد أقام الحجة عليهم هؤلاء يعلمون علم اليقين أنهم لم يَرَوْا من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - كفرًا بُواحًا يحتجّون به عليه ليستحِلوا به قتاله وأبناءه ومن معهم من الصحب الكرام والتابعين - رضوان الله عليهم أجمعين - أو ليُعْذَروا به بين يدي الله - عزّ وجل - يوم القيامة. ومعلوم أن أبا الأعلى المودودي يُعدّ أول من صاغ فكرة الحاكمية الإلهية في الإطار السياسي والاجتماعي والقانوني، وقد قام بتوظيف ذلك من أجل بناء نظرية سياسية تقوم على منظومة عقائدية، حيث تتجلى الحاكمية الإلهية في السلطتين السياسية والقانونية. وقد اختار المودودي مصطلح الحاكمية، للتعبير عن مبدأ سيادة الله، وما يفرضه من وجوب سيادة التشريع الإسلامي، إذ يرى المودودي «أن الحاكمية في الإسلام خالصة لله وحده، فالقرآن يشرح عقيدة التوحيد شرحاً يُبيِّن أن الله وحده لا شريك له، ليس بالمعنى الديني فحسب، بل بالمعنى السياسي والقانوني كذلك... إن وجهة نظر العقيدة الإسلامية تقول: إن الحق تعالى وحده هو الحاكم بذاته وأصله، وإن حكم سواه موهوب وممنوح، وإن الإنسان لا حظ له من الحاكمية إطلاقاً... وخلافة الإنسان عن الله في الأرض لا تُعطي الحق للخليفة في العمل بما يشير به هواه وما تقضي به مشيئة شخصه، لأن عمله ومهمته تنفيذ مشيئة المالك ورغبته.. فليس لأي فرد ذرة من سلطات الحكم... وأي شخص أو جماعة يدَّعي لنفسه أو لغيره حاكمية كلية أو جزئية في ظل هذا النظام الكوني المركزي، الذي تدبر كل السلطات فيه ذات واحدة هو ولا ريب سادر في الإفك والبهتان.. فالله ليس مجرد خالق فقط، وإنما هو حاكم كذلك وآمر، وهو قد خلق الخلق ولم يهب أحداً حق تنفيذ حكمه فيهم. كما يرى المودودي «أن الإسلام يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام، ويريد قطع دابرها، ولا يتحرج في استخدام القوة الحربية لذلك، وهو لا يريد بهذه الحملة أن يكره من يخالفه في الفكرة على ترك عقيدته، والإيمان بمبادئ الإسلام، إنما يريد أن ينتزع زمام الأمر ممن يؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة، حتى يستتب الأمر لحملة لواء الحق، وعليه فإن الإسلام ليس له -من هذه الوجهة– دار محدودة بالحدود الجغرافية يذود ويدافع عنها، وإنما يملك مبادئ وأصولاً يذب عنها، ويستميت في الدفاع عنها، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله». وقد تبنى النهج نفسه سيد قطب عندما اعتبر الإسلام «إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، وذلك بإعلان ألوهية الله وحده، (التي تعني) الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض». و«مملكة الله في الأرض... لا قيام لها إلَّا بإزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر، وتحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها». «كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان، لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان، إنه لا بد من الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان، لتحرير الإنسان في الأرض كل الأرض». «فالإسلام في جهاد دائم لا ينقطع أبداً لتحقيق كلمة الله في الأرض... وهو مكلف ألَّا يهادن قوة من قوى الطاغوت على وجه الأرض... والإسلام يواجه القوى الواقعة في وجهه بواحدة من ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو القتال». والملاحظ أنه لا خلاف ولا تمايز في فكرة الحاكمية بين المودودي وقطب في الحقيقة والجوهر، إذ يفسر سيد قطب الحاكمية –ويصطلح عليها بالحاكمية العليا- في ضوء معاني الألوهية، ويرى أن مفهوم الحاكمية معناه «نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، والسلطان على الضمائر، والسلطان على العشائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان.. ورده إلى الله..». إن هذا الفهم للحاكمية الجاعل من إفراد الله بالحاكمية حكماً بتجريد الإنسان والأمة من كل حق في أن تكون مصدراً للسلطة والسلطان في أي شأن من شؤون الحياة... الأمر الذي يجعل البعض –سواء من أنصاره أو خصومه- يتصور حكومة الإسلام «ثيوقراطية» و«حتمية إلهية» لا مكان فيها لإرادة الإنسان، قد أثار العديد من المجادلات وأُلِّفت حوله العديد من الكتابات والدراسات. أما إذا رجعنا للقرآن فنجد أن هذه الجملة لا اصل لها فكلمة حكم اصلا كلمة تعني الفصل بين متخاصمين بالحكمة و هي كلمة يراد بها الفصل بين بني البشر أما عندما يقول تعالي أن الحكم لله فتعني أن ينزل علينا قانونا عاما لنطبقه نحن البشر لحل خلافاتنا الفلسفية و الفكرية و الاقتصادية و غيرها. و الله هو صاحب العدل المطلق و الانسان يخظئ و يصيب فلذا قال الرسول الاعظم قاضيان في الجنة و قاض في النار و أوصانا تعالي (إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). فكرة الاسلام اصلا مبنية علي العبادة و العبادة لا يمكن فصلها عن المعاملات بين البشر أصلا, لقرآن 6236 آية ... أيات العبادات في القرآن عشر ومئة آية 110 آية فقط ...وباقي القرآن لإعمار حركة الكون والمعاملة الطيبة مع المخلوقات التي تعيش معنا مسلمين كانو أم غير مسلمين إنسانا كانا أم حيوانا أم حشرات أم نبات أم بيئة نعيش بينها وجب علينا أن نحافظ عليها. قصة سيدنا آدم تبين لنا أشياء كثيرة ما يهمنا منها أنه كان لها الهدفان ,الاول تبيان حاجات الانسان الاساسية حسب الاولويات هي المأكل ثم المسكن الآمن (خلافا لماقاله المفسرون أن تعري هي اللباس) ,ثم الظل ثم الماء الصالح للشرب,الثاني هو عاقبة تقوي الله او مخالفة اوامره. قصص كل الانبياء من لدن سيدنا نوح عليه السلام الي الرسول الاعظم صلي الله عليه و سلم تبين القاسم المشترك الاعظم(التقوي) ثم شئ جديد(الاسلام), كل الانبياء من نوح عليه السلام الي محمد دعوا للتوحيد بعد ان تسلل الشرك الي قلوب الناس لكنهم أتوا بالاسلام الذي احتوي علي فقه معاملات بين البشر,اذن صدق من قال بأن (الدين المعاملة) فافضل ما يعبد به الانسان ربه تعالي بعد ان يوحده أن يكون تعامله مع البشر و الكائنات الاخري و الطبيعة بما يرضي الله, لم يرد في القرآن أن آدم كان مسلما فمفهوم الاسلام مرتبط بالجماعة. سورة قريش بينت لنا إرتقاء الانسان في حاجاته حيث إختلف اسلوب كسب الرزق عن جمع الثمار و الصيد و التجوال في الارض, (لايلاف قريش,إيلافهم رحلة الشتاء و الصيف.فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف), الاقتصاد أولا لانه وسيلة الحصول علي القوت ثم الامن و في هذا نكتة عجيبة فإقتصاد قريش كان تساهميا مما يقويه و يحقق الوفرة و الكفاية اللتان تمنعان التنازغ و الاغارة علي بعضهم البعض. قصة سيدنا يوسف تشير إلي اهمية حسن التدبير و الامانة عند أولي الامر و أهمية الارض و الزراعة حيث تمكن سيدنا يوسف بحسن تدبيره من الاستيلاء علي كل أرض مصر لصالح الهكسوس الذين تعاظم سلطانهم و ثرواتهم. تعاظم السلطة و الثروة أدي إلي تجبر فرعون الطاغية,من اللافت للنظر أن الله سبحانه لم ينصر سيدنا يوسف بمعجزات مباشرة بل بتقواه و ذكائه و حسن تدبيره لكن سؤال يطرح نفت عسه بإلحاح لماذا أوتي موسي معجزات عظاما قل أن توجد لدي باقي الانبياء؟ الرد بسيط جدا ,فرعون ادعي الالوهية و ظهر علي الناس بتلك الحجة فاراد الله أن يرد عليه الحجة بمعجزات تعرف الناس بمعني الالوهية الحقيقي ثم أنجاه ببدنه من الغرق ليعرف الناس ان فرعون بشر يهلك مثل باقي الناس,ما الفرق بين فرعون و طواغيت هذا الزمان؟ الفرق أن لا احد يستطيع أن يدعي الالوهية هذه الايام فافهام الناس قد ارتقت لدرجة أن فكرة الالوهية نفسها صارت لا تجد لها نصيرا هذه الايام وسط غابة الالحاد, لكن هناك نوع آخر من (الفرعونية) هو إدعاء أن هناك من البشر من يحكمون بإسم الله و يفشلون في توفير حاجات الناس الاساسية و يريدون الاستمرار في الحكم بدعوي مبدا (الحاكمية لله). كيف يدمر الله الطواغيت الفراعنة ؟ قال تعالي (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) 88/يونس. و قدر رد سبحانه و تعالي بانه قد استجيبت الدعوة ,فقد دمر الله إقتصاد فرعون الملك الهكسوسي الذي أتاه الله ملك مصر كلها بإتلاف الزراعة و اهلاكه وجنده و ثورة المصريين بقيادة البطل أحمس و إخراجهم من ارض مصر و الخسف براس المال المتحالف معه متمثلا في (قارون) و لم تقم للهكسوس بعد ذلك قائمة حتي يومنا هذا,فهل من معتبر ؟ لا اعتقد فالطواغيت يتم استدراجهم ليأتوا بذنوبهم كاملة يوم القيامة و يستمرون في الطغيان حتي آخر نفس لكن الله قاصمهم في الدنيا و هذه من سنن الله التي لا تحيد. المراجع القرآن الكريم/التوراة/تأريخ الهكسوس/ مناقشة الدكتور محمد الناصري/-كاتب وباحث من المغرب [email protected]