مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    الأمة القومي يجمد المفاوضات مع (قحت) ويهدد بعدم المشاركة في الحكومة    تجمع المهنيين يعلن جدول التصعيد الثوري لاغلاق مقار اعتقال الدعم السريع    مصدر: حمدوك لم يستلم ترشيحات (قحت) للوزارة ويشترط الكفاءة    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بحوث: نظريات الحاكمية في الفكر الإسلامي

الحاكمية من المصطلحات السياسية المعاصرة الشائعة، ويفهم الناس عموما أنها السلطة والمشروعية العليا التى تحكم أي دولة. ومن المعلوم أن الحاكمية مفهوم غربي معروف في الفكر السياسي الغربي، وهناك نظريات غربية كثيرة عن تعريفه وتحديد صاحب الحق الذي يملكه. وقد أفردت للحاكمية مساحة كبيرة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
وقد اعتبرت الحاكمية من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم الإسلامي، وسعت كثير من حركات تطبيق الشريعة الإسلامية إلى تضمينها في دساتير الدول المسلمة. فما الحاكمية؟ وهل هي مفهوم سياسي مستحدث عند المسلمين المعاصرين أم أن لها أصولها عند سلفهم؟ ولمن الحاكمية في الدولة المسلمة؟
هذه الأسئلة هي ما سيحاول البحث التالي الإجابة عليها. ولأن مبدأ الحاكمية كما عرفه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر أثر من آثار الفكر الغربي، فسيبدأ البحث بتعريف الحاكمية في الفكر السياسي الغربي، واستقراء النظريات المتعددة التي ساهمت في بلورة معناه. ويتجه البحث بعد ذلك إلى تعريف لفظ الحاكمية في اللغة واستعمالاته في القرآن والسنة، ثم ينظر في مفاهيم المسلمين المتقدمين للسلطة العليا في الدولة المسلمة، وذلك بتحليل مفاهيم الإمامة والإمارة والخلافة وتعريفاتها عند فقهاء الإسلام. ثم يحاول البحث بعد ذلك تتبع تطور فكرة الحاكمية المعاصرة عند المسلمين، ودراسة الآراء المختلفة التي ظهرت عند مفكريهم المعاصرين عن تعريفها، منذ ظهور المصطلح عند المفكرين الأتراك في القرن التاسع عشر، إلى فكر رشيد رضا وحسن البنا المودودي وسيد قطب وغيرهم ممن أسهموا في الكتابة عنه. ثم يخلص البحث إلى تمحيص الحقيقة من بين هذه الآراء المتنوعة، وتحديد ما إذا كان مصطلح الحاكمية اصيلا أم دخيلا، وما إذا كان دقيقا جامعا مانعا أم عاما مضطربا.
الحاكمية في الغرب
التطور التاريخي
ظهرت فكرة الحاكمية المعاصرة في الغرب في نهاية القرن السادس عشر الميلادي/ التاسع الهجري، وقد تأثرت نظرياتها بالظروف الخاصة التى كانت تعيشها أوربا في تلك الحقبة من تاريخها. ومن أجل أن تتبين النظرة الغربية للحاكمية لا بد من فهم العوامل التي صاحبت نشأتها وكونت صياغتها. ومن أهم تلك العوامل ميلاد الدولة القومية العلمانية وتمليكها الحق المطلق في تشريع القانون.[1] فقد أدى إحياء المبادئ اليونانية والرومانية القديمة في أوربا، وسعيها لتقليص سلطان الكنيسة المطلق، إلى تجديد مبدأ القانون البشري _ أو ما سمي بالقانون الوضعي. وبانتصار فكرة القانون الوضعي أوحق البشر في وضع قانون لأنفسهم، اتجه البحث إلى من يملك هذا الحق، فظهرت نظريات الحاكمية من أجل تقديم إجابة على هذا السؤال الأساسي. وصاحب هذا التطور في النظرة الأوربية لمصدر القانون، تطور آخر لا يقل أهمية عنه، وهو ميلاد الدولة القومية العلمانية، التى كان لها أكبر الأثر في صبغ نظريات الحاكمية الغربية بصبغتها. ففي تلك الفترة من تاريخ أوربا ضعف سلطان البابا والامبراطور، وتضعضع النظام الإقطاعي، وتضاءلت مع ذهابه قوة الأمراء ملاك الأراضي الإقطاعيين المحليين، وازدادت مكانة الملوك في أقطارهم المختلفة. وهكذا تجمعت في أيدي الملوك سلطة مطلقة، بعد أن أصبحوا أعلى سلطة محليا، وبعد أن نالوا استقلالهم من سلطان القوى الخارجية. ومما ساعد على ازدياد سيطرة الملوك المطلقة على بلدانهم، حاجة دولهم إلى سلطة مركزية قوية تتمكن من القضاء على الحروب الأهلية والدينية التى كانت سائدة آنذاك، وتستطيع توفير الأمن والسلم في المجتمع. وفي هذه الظروف ظهرت نظرية الحاكمية وسعت لتقديم مسوغات لدعم سلطان الملوك المطلق. ومن الملاحظ أن الحاكمية في بادئ أمرها، قد وصفت بنفس خصائص الملكية المطلقة، من علو سلطتها واستقلالها وإطلاقها من كل قيد.[2]
ويرجع فضل صياغة أول تعريف للحاكمية للمفكر السياسى الفرنسي جين بودين، في كتاب له عنوانه (الجمهورية) ظهر في عام 1567 م/974 ه. فقد اراد بودين تأييد سلطة الملكية الفرنسية للخروج من أزمة الصراعات الداخلية المشتعلة تلك الفترة، فأضفى عليها حقوقا كثيرة منها الحق المطلق للتشريع. ولكن البعض يرى أن بودين قد وقع في تناقض بسبب الفكر السائد في عصره، إذ وصف حق الملكية في التشريع بالإطلاق، وفي نفس الوقت جعله مقيدا ولو نسبيا بالقانون الإلهي[3]. ولقد استطاع الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، أن يتخلص من هذا الولاء المزدوج لمبدأ التشريع الوضعي البشري ومبدأ التشريع الإلهي، حين جعل الدولة مؤسسة تعلو فوق المجمتع كله، بجميع أفراده ومؤسساته بما فيها الكنيسة، وخوّل للدولة كل أنواع القوة والسلطة ومنها حق مطلق لتشريع القانون، وحررها من كل قيد عليها حتى الأخلاق، لأنها هى التى تضع معايير الأخلاق ومقاييس الحسن والقبح. فصارت الدولة في رؤيته وحشا ضخما يتوحد فيه المجتمع بأكمله ويذوب في شخصه حسب نظرية العقد الاجتماعي[4]. ومن أجل هذا صوّر هوبز الدولة بوحش أسطورى مذكور في الإنجيل باسم ليفتيان، وجعل ذلك عنوانا لكتابه الشهير الذي ظهر في عام 1651 م/ 1061 ه.
وكان التطور التالي في تاريخ الحاكمية في القرن الثامن عشر الميلادي / الحادي عشر الهجري على يد مفكر الثورة الفرنسية جان جاك روسو، الذي أعاد صياغة النظرية وأعطاها تعبيرا جديدا. فبعد أن كانت المشكلة في أقطار أوربا القومية الناشئة، هى تقوية الملكيات المحلية في مواجهة قوى البابوية والامبراطورية، أصبجت المشكلة الجديدة هي استبداد الملكية التى تجمعت في يدها سلطة مطلقة غير مقيدة. ومن أجل الحد من سلطتها اتجهت النظريات السياسية إلى إحياء فكرة االديمقراطية، وإرجاع الحقوق إلى الرعية والشعب. وفي هذه الظروق صاغ روسو نطريته للحاكمية في كتابه المشهور العقد الإجتماعي، الذي نشره في عام 1756 م، جاعلا الشعب المالك الأصلي للسلطة في الدولة والمصدر الحقيقي للقانون والتشريع، متمثلا في إرادته العامة التى وصفها بالعصمة من الخطأ، ونسب لها إصابة الحق والعدل دائما، مدعيا أن "صوت الشعب هو في الحقيقة صوت الإله".[5] ومصطلح إرادة الأمة العامة تعبير عام وغير دقيق، ولا يمكن تحديده بدقة، وإن كان قد ترجم عمليا ليعني الانتخابات والاستفتاء وغيره من طرق للتعبير عن اختيار الأمة.
ثم جاء المفكر القانوني الإنجليزي جون أوستن، فنقل نظرية الحاكمية إلى طور جديد. وقد كان اهتمام أوستن في مجال التشريع، ولهذا اعتبر الحاكمية بأنها هي مصدر القانون الذي عرفه بأنه أمر محدد من سلطة عليا واجب الطاعة، وتوقع عقوبة على من لا يطيعه. وفي رأي أوستن أن الحاكمية لا بد أن تكون بيد جهة محددة، سواء كان ذلك فردا أو جماعة.[6] وقد ترجمت نظرية أوستن عمليا في بريطانيا، بأن البرلمان هو الذي يملك الحاكمية لأنه هو مصدر التشريع والقانون.
خصائص الحاكمية
رغم تنوع نظريات الحاكمية في الغرب، واختلافها حول الجهة التي تملكها، إلا أنها كلها تجمعها خصائص وسمات واحدة، يتبين من النظر فيها حقيقتها وطبيعتها. فأول خاصية أن الحاكمية من سمات الدولة الغربية المعاصرة، التى حولتها ظروف نشأتها - كما ذكر سابقا - إلى مؤسسة قومية علمانية، يحكمها قانون وضعي بشري. ولعل أهم خاصية للحاكمية أنها أعلى سلطة في الدولة التي تملك "الحق المطلق للأمر"، كما وصفها به بودين؛ أو بعبارة أخرى أنها مركز إصدار القرار في الدولة. ولا شك أن هذا يشمل كل قرار في المسائل الخاصة والعامة، ومن أهم هذه الأوامر التي تتمتع بها سلطة الحاكمية إصدار القانون والتشريع، بل إن ذلك - كما يقول بودين - هو أهم ما يميز الحاكمية، وكل خصائصها الأخرى ما هي إلا تبع لهذه الخاصية الأساسية.[7] ومن توابع إصدار الأوامر إيجاب طاعتها من قبل الرعية على كافة المستويات دون استثناء، وتتاسس هذه الطاعة المطلقة على دوافع كثيرة، لعل من أهمها أن الدولة تملك القوة والشوكة التي تردع بها من يخرج عن حدود الطاعة، متثملة في الجيش والشرطة. وإذا كانت هذه طبيعة الحاكمية، فقد وسمت بسمات عديدة، منها أنها أعلى سلطة ولا يعلوها شئ، وأنها السلطة النهائية التي لا ينقض أمرها شئ، وأنها مطلقة لا يحدها شئ، وأنها مستقله عن غيرها لا يؤثر في قرارها شئ. ومن صفات الحاكمية أيضا أنها معصومة عن الخطأ والظلم، فهي تصيب دائما الحق والعدل، ومن صفاتها أيضا أنها خالدة أبدا لا يحدها زمان، ومنها أيضا أنها متوحدة لا تتعدد ولا تتوزع.[8]
لمن الحاكمية؟
هذه صورة الحاكمية كما تصورها مفكرو الغرب في بادئ أمرهم، وهذه صورة مثالية من الصعوبة تحققها في الواقع، وقد اهتزت هذه الصورة ووجه إليها نقد مر سيأتي عرض له لا حقا. وحتى تكتمل الصورة بقيت الإجابة على سؤال هام شغل المفكرين الغربيين كثيرا، وذلك هو لمن الحاكمية؟
وقد تعددت الإجابات واختلفت الآراء في صاحب الحق في الحاكمية. الرأي الاول: ذهب بودين وهوبز ومفكرو الحاكمية الأوائل، أنها في من حق الملك.[9] وفي حقيقة الأمر ما ظهرت نظريات هؤلاء إلا لتثبيث الملكية، وحقها في امتلاك السلطة المركزية كلها، من أجل استقرار الحكم في وجه الحروب الداخلية والمخاطر الخارجية. الرأي الثاني: أن الدولة وليس الملك هي صاحبة الحق في الحاكمية، وقد شاع هذا الرأي عند الطبقة الثانية من مفكري الحاكمية، عندما انحسر الحماس والولاء للعوائل المالكة، حتى استقر في عرف الناس الآن أن الحاكمية من أخص خصائص الدولة.[10] الرأي الثالث: ان الشعب هو صاحب السلطة العليا. ومما لا شك فيه أن فكرة أن الشعب هو مصدر السلطات تمتد جذورها في التاريخ القديم، وقد ادعاه القدماء وبلوره اليونانيون في نظمهم الديمقراطية. ولكن مع شيوع المبدأ فإن له تفسيرات كثيره، حتى إن الملكيات كلها تدعي أنها تحكم باسم الشعب وتأخذ تفويضها منه. وقد وجد مذهب حاكمية الشعب تعبيرا معاصرا في أفكار روسو، حتى أنه بات لا يعرف إلا معزوا إليه. ولكن روسو كان يرى حاكمية الشعب بصورة مثاليه مباشرة، ولم ير تفويض سلطتهم لا لمجلس ولا لفرد، وكان يسخر من النظام البرلماني الإنجليزي ويصفه بعين العبودية ومجافاة الحرية.[11] الرأي الرابع: أن المجلس المنتخب من الشعب - أو البرلمان- هو صاحب الحاكمية، وقد نصر هذا الرأي أوستن وتمثل عمليا في النظام السياسي الإنجليزي.[12] الرأي الخامس: أن الحاكمية لله، وهذا ما تبناه اللأهوت المسيحيي عموما، وإن كان قد وجد تفسيرات مختلفة، من أهمها أن البابا هو صاحب السلطة، وقد ساد هذا الرأي في القرون الوسطى وعليه قامت الحكومات الثيوقراطية.[13]
نقد وتقويم
لم يلق مبدأ الحاكمية في تصورة التقليدي المثالي السابق قبولا، بل واجه نقدا مرا خاصة في المائة السنة الماضية، حتى ذهب البعض إلى رفض الفكرة من أساسها.[14] ويقوم هذا النقد على أساسين: أولها أن التطورات السياسية في كثير من البلدان قد غيرت طبيعة الدولة، حتى صار من الصعب الإدعاء بأن فيها سلطة مركزية مطلقة كما تزعم نظرية الحاكمية. ومن هذه التطورات المشكلة لفكرة الحاكمية قيام دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التي اعتمدت مبدأ اللامركزية ووزعت سلطة الدولة المركزية إلى عدد كبير من الحكومات الإقليمية، يتمتع كل منها بحاكمية شبه مستقلة.[15] ومن أجل التوفيق بين هذا الوضع الجديد ومبدأ الحاكمية التقليدية قدمت تفسيرات عديدة، منها فكرة توزع الحاكمية التي تبناها الدستور الأمريكي، ومنها الإدعاء بأن الحاكمية يمكن أن تحد من سلطتها المطلقة بنفسها، ومنها التفرقة بين الدولة التي تتمتع بالحاكمية المطلقة، وبين الحكومة التي هي مؤسسة تحت الدولة ويمكن أن تتوزع سلطاتها.[16] ومهما تكن التفسيرات فإن من الواضح أن نظرية الحاكمية بصورتها التقليدية غير واقعية.[17]
ومن المتغيرات التي أثرت على فهم طبيعة الحاكمية شيوع فكرة التعددية داخل الدولة، التي تتيح لمؤسسات كثيرة داخل الدولة، من دينية وعرقية وثقافية مزيدا من الاستقلال والمشاركة في صنع القرار. وقد هاجم المدافعون عن التعددية فكرة الحاكمية، لأنها لا تطابق واقع الحياة السياسية والقانونية المعاصرة التي لا يصدر القرار فيها من مركز ذي سلطة مطلقة، بل يأتي نتيجة ضغوط وتنازلات من جهات متعددة. فالمركز في نظرهم ليس إلا راصد يستجيب لرغبات مؤسسات المجتمع المختلفة.[18] ومما غيّر النظرة لطبيعة الحاكمية تطور القانون الدولي، الذي كان من الصعب معه قبول فكرة حاكمية الدولة القومية وسيادتها المطلقة في إصدار القانون، فإما أن يقر بعلو القانون الدولي على القانون المحلي القومي لكل دولة حفاظا على حاكميتها وسيادتها، وإما أن يقر بعلو القانون القومي للدولة مما يعني أن القانون الدولي لا وجود له.[19] ومن الاعتراضات على مبدأ الحاكمية من ناحية أخلاقية، أنها تسوغ الاستبداد بإصرارها على جمع السلطة كلها بصورة مطلقة ومستقلة بيد المركز. ويعبر عن ذلك أحد المفكرين فيقول: "إن الحاكمية والاستبداد قد صبا معا في نفس القالب، ولا بد من الخلاص منهما جميعا".[20]
وفي وجه كل هذه الاعتراضات لم تستطع الحاكمية أن تصمد في صورتها التقليدية، وحاول بعضهم إعادة صياغتها من أجل أن تتواءم مع المتغيرات المعاصرة الكثيرة. وأهم هذه الاتجاهات الحديثة في نظرية الحاكمية، تصتيفها وتوزيعها إلى أنواع متعددة، مثل الحاكمية السياسية، والتشريعية، وغيرها من التقسيمات.[21] ومع كل هذا الزخم والجدل الدائر والنقد، استمر المناصرون للحاكمية في الدفاع عنها برد الاعتراضات المثارة ضدها والتمسك بها،[22] حتى أضحت الحاكمية عقيدة لا يمكن التخلي عنها، رغم وهنها وضعفها.
الحاكمية عند علماء المسلمين المتقدمين
إذا كانت أوربا قد عرفت مصطلح الحاكمية بالمعاني التي سبقت مناقشتها، فإن البحث الآن يتجه إلى معرفة رأي الإسلام في ذلك المصطلح وما يحمله من مفاهيم. ولعله من المفيد تقسيم البحث في ذلك إلى قسمين: الأول ينظر في آراء علماء المسلمين قبل اتصال العالم الإسلامي بأوربا وتأثره بها، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه لغرض هذا البحث بلفظ المتقدمين. أما القسم الثاني فينظر في آراء علماء المسلمين المعاصرين وخاصة أولئك الذين عاشوا خلال الثلاثمائة سنة الأخيرة.
لعله من الواضح أن علماء المسلمين المتقدمين لم يعرفوا الحاكمية بهذا اللفظ ولا توجد في معاجم اللغة كذلك، فهي لفظ جديد اشتقه المعاصرون واستخدموه. ومن هنا ينشأ السؤال هل عرف المتقدمون المفهوم وإن لم يستعملوا له لفظ الحاكمية أم أن المصطلح وما يحمله من مفاهيم أمر جديد بالكلية؟ هذا ما يحاول البحث الآن استقراءه. وسيكون المنهج المتبع النظر في آراء الأوائل وأقوالهم وتحليلها ومحاولة فهمها كما هي، إذ من الخطأ الذي قد يقع فيه كثير من المعاصرين، إعادة قراءة أقوال الأوائل وتفسيرها في ضوء مفاهيم العصر، وإلباسها لباسا غير الذي أرادوه. فهذا منهج لا يصل بالمرء إلى الحقيقة، بل لا بد من ترك االمتقدمين يتحدثون بلسانهم وفهم ما أرادوه وسبر غور دلالاته ومعانيه، وإلا كان المرء متقولا عليهم ما لم يقصدوه، وقارئا لأفكاره في أقوالهم.
حقيقة الملك والخلاقة
أول ما يطالع المرء في كتابات الأوائل تعريفهم لحقيقة السلطة الحاكمة على المجتمع البشري، فقد رأوا أن الاجتماع ضرورة بشرية، ولا يتحقق حفظ مصالح الناس ودفع شرورهم بين بعضهم البعض إلا بوازع وحاكم، تكون بيده قوة قاهرة تستطيع أن تخضعهم لسلطته، لا تعلوها قوة ولا تغلبها. ويكفي هنا اقتباس ما قاله ابن خلدون حين قال:
" الملك منصب طبيعي للإنسان، لأنا قد بينا أن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم... واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم، ولا بد في ذلك من العصبية... وليس الملك لكل عصبية، وإنما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية ويجبي الأموال ويبعث البعثوث ويحمي الثغور، ولا تكون فوق يده يد قاهرة،وهذا معنى الملك وحقيقته في المشهور."[23]
ويقسم ابن خلدون الملك إلى ثلاثة أنواع: ملك طبيعي لا يقوم على قانون، وملك سياسي يقوم على قوانين عقلية يرتضيها كافة الناس، وملك شرعي يقوم على شريعة منزلة من الله تعالى. ويخلص من ذلك إلى أن الخلافة الإسلامية هي النوع الثالث من الملك. يقول ابن خلدون:
" لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر... كانت أحكام صاحبه في الغالب جائزة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق ... فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة ينقادون إلى أحكامها، كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم، وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها... فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها، كانت سياسة عقلية. وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها، كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة... وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء، ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء. فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة، وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية... فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع، في حراسة الدين وسياسة الدنيا به."[24]
فمن الواضح أن لفظ الملك هو المصطلح الذي يستعمله علماء المسلمين الأوائل للسلطة الحاكمة للمجتمع، وحقيقته - كما بين ابن خلدون - قوة ليس فوقها قوة، و"ليس فوق يدها يد"، تستطيع أن تخضع الناس لطاعتها، لأداء وظائفها في حفظ مصالح الناس ودفع شرورهم. ويكون هذا الملك إسلاميا إذا التزم القوانين والشريعة المنزلة من الله عز وجل، وهذه هي التي اصطلح على تسميتها بالخلافة، كما أطلقت عليها مصطلحات الإمامة والإمارة. ويتجه البحث الآن إلى النظر في تعريفات الخلافة، لتتبين منها حقيقتها وطبيعتها وصفاتها وخصائصها.
لعله يحسن البدء بتعريف الماوردي، الذي يصفها بأنها (خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)[25]. فهذا التعريف يشمل ثلاثة أركان. الأول أن الخلافة في الأساس خلافة للنبوة، إذ أن من مهمة الأنبياء أن يسوسوا الناس ويحكموهم، كما جاء في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون)[26]. ولقد لقب أبوبكر رضي الله عنه بلقب خليفة رسول الله لأنه كان أول خليفة، ثم سمي عمر رضي الله عنه بخليفة خليفة رسول الله.[27] ويبدو أن هذا رأي مقبول عند السلف، وقد رفض بعضهم صراحة أن تكون الخلافة خلافة لله[28]. أما الركنان الثاني والثالث فيبينان وظيفة الخلافة وواجباتها بإجمال. فأهم وظائف الخلافة إقامة الشريعة وتمكينها والمحافظة على أسسها، فالسلطة السياسية في الإسلام تنبع من الدين وعليها أن تحرسه وترعاه، ومن عبارات السلف في ذلك قولهم (الدين أس والسلطان حارس). ويؤكد الماوردي هذه العلاقة بين الدين والسلطة السياسية حين يقرر أن الدين دون سلطة سياسية معرض للاضمحلال والزوال، وإذا انفصلت السياسة عن الدين انقلبت إلي استبداد وطغيان.[29] ولكن ليست غاية الخلافة تمكين الدين فحسب، بل إن من وظائفها الهامة سياسة الدنيا وعمارتها.
وتتبين حقيقة الخلافة وطبيعة سلطتها وخصائصها من تعريفات أخرى لها. فمن هذه الخصائص أنها سلطة عامة، ولهذا قد وصفت بالولاية العامة. ومن التعريفات التي توضح هذه الخاصية تعريف التفاتازاني الذي يصفها بأنها (رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم)[30]. وتظهر خاصية العموم من تعريف الجويني الذي يقول: (الإمامة رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا).[31] ومن الخصائص أيضا أن الخلافة هي أعلى سلطة بحيث لا يكون فوق يدها يد، ولعل هذا قد اتضح من تعريف ابن خلدون لحقيقة الملك حسب ما ورد آنفا، ويشير إليه تعريف القاضي عبد الجبار الذي يذكر أن الإمام لغويا تعني المقدم على غيره، وفي الإصطلاح تدل على من بيده الولاية على الناس والتصرف في أمورهم بحيث "لا يكون فوق يده يد".[32]
ومن خصائص الخلافة التي يقررها الجويني أيضا الاسقلال، فهو يشترط هذه الصفة ويرى أنها ضرورية لتؤدي الخلافة وظيفتها، وإن كأن عليها أن تلتزم بالشورى حتى لا تتصف بالاستبداد، إذ أن الاستقلال في رأيه لا يعني الاستبداد.[33] أما الرازي فقد أضاف في تعريفه خاصية أخرى نبهت لأمر هام حين قال: (الإمامة رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص من الأشخاص)، فأضاف أنها سلطة يحوزها شخص واحد، وسبب هذا القيد كما ذكر أنه (احتراز من كل الأمة)، والظاهر أنه يقصد بهم أهل الحل والعقد، لأن رياستهم فوق الإمام إذ بيدهم سلطة اختياره وسلطة عزله.[34] وهذا نظر ثاقب إلى السلطة التى تتمتع بها الأمة فوق سلطة الإمام، وإن كانت سلطته أيضا عامة وعليا.
وهكذا يتضح من هذه النقاش أن علماء المسلمين المتقدمين قد أبانوا حقيقة سلطة الخلافة وخصائصها، ووصفوها بالعموم والعلو فوق كل سلطة بحيث لا يكون فوقها سلطة، إلا سلطة الأمة التى لها حق اختيار الخليفة وعزله.
الحاكمية عند علماء المسلمين المعاصرين
يتجه البحث الآن إلى علماء المسلمين الذين بحثوا مسألة الحاكمية، بعد هيمنة الفكر الأوربي على العالم الإسلامي، وتأثيرها عليه بفكرها السياسي خلال الثلاثمائة سنة الماضية. وسوف يتناول البحث المفكرون في الأقطار الثلاثة التي كانت رأس الرمح في نشر الفكر المعاصر، وذلك بطبيعة احتكاكها المبكر بالغرب وبثقافته وفكره، وتلك الأقطار هي تركيا وشبه القارة الهندية ومصر.
المفكرون الأتراك
يبدو أن أول من تحدث عن الحاكمية في هذا العصر الحديث هم المفكرون الأتراك، وسبب ذلك أن تركيا كانت من أوائل المتأثرين بالفكر الغربي في أواخر عهد الدولة العثمانية. ولعل أول من بحث الحاكمية من مفكري الأتراك المعاصرين الصحفي نامق كمال (1840-1880)، أحد مؤسسى جمعية تركيا الفتاة ومن قادتها البارزين.[35] وليس لنامق كمال كتاب واحد يضم فكره، إنما بثه من خلال مقالاته الصحفية المتعددة. كان نامق كمال متأثرا بأفكار الثورة الفرنسية إذ قد عاش فترة في باريس، وكان يؤمن بمبدأ حاكمية الشعب الذى نادى به روسو، ولكنه سمّاه حاكمية الأمة بدلا من الشعب، وإن كانت نظرته له تختلف عن النظرة الغربية في نواحي عديدة. فقد ناهض نامق كمال الحكم الاستبدادي المتتمثل في سلاطين الدولة العثمانية، ورأى أن الحكومة الصالحة إنما تتأسس باختيار الشعب عن طريق البيعة، التي يتم فيها تفويض السلطة إلى الحكومة، التى رأى أن من أهم واجباتها المحافظة على الحرية الفردية. [36] وفي إجابته على التسأؤل عن كيف يمكن للحكومة أن تحافظ على الحرية الفردية، ظهر الفارق بين تفكيره والتفكير الغربي السائد؛ ففد ذهب نامق إلى أن الضمان الوحيد للحرية الفردية هو القانون، ولكن مصدر القانون في نظره ليس هو الإرادة العامة للأمة كما زعم روسو، لأن مفهوم الإرادة العامة غير محدد وغامض، وليس مصدر التشريع إرادة الأغلبية لأنها يمكن أن تستبد وتتسلط على الأقلية، إنما ينبغي أن يكون مصدر التشريع مصدرا خارجيا، له القدرة على تحديد الحسن والقبيح، وذلك المصدر عند المسلمين ما هو إلا الشريعة الإسلامية.[37] وبهذا التمييز فإن حاكمية الشعب أو الأمة في رأي نامق كمال مهمتها أن تحمى العدالة ولكنها لا تكون مصدرا لها، "لأن الظلم ظلم ولو كان قد شرع ومورس بموافقة الشعب كله"[38]، وهو بذلك يتوافق مع جذور تفكيره الإسلامي، وإن كان قد اقتبس فكرة الحاكمية من الغرب.
أما المفكر التركي الأخرالذي ناقش مسألة الحاكمية في ذلك العهد الباكر، فهو على سعاوي أحد المعاصرين لنامق كمال ومن المؤسسين أيضا لحركة تركيا الفتاة. وقد وقف علي سعاوى من مسألة الحاكمية موقفا مغايرا لنامق كمال، وهاجمه في فكرته عن حاكمية الأمة، وذهب إلى أن الحاكمية بمفهومها الغربي الحديث لا يستحقها إلا الله عز وجل، وهكذا كان أول من نادى بأن الحاكمية لله. يقول على سعاوي في مقال له عنوانه (الحاكم هو الله)[39]:
هناك مصطلح جديد نال شهرة كبيرة، وهو المصطلح الذي أطلق عليه اسم حاكمية الشعب، وكلمة حاكمية أصولها بالفرنسية كلمة "سوفرنتى" المشتقة من اللاتينية... وإذا تمعنا في معناها وجدناها تعنى "الفعال لما يريد" أو " الحاكم بنفسه" أو "الآمر المطلق" أو "الفاعل المختار". حسنا! من هذا الذي يحكم بنفسه وله سلطة الأمر المطلق؟ لا شك أن ذلك لا يمكن أن ينسب لأي شئ غير الألوهية، وعليه فإنه من المستحيل بهذا المعنى أن يملك أي بشر سلطة الحاكمية.
وهكذا من الملاحظ نشأة اتجاهين في التفكير الإسلامي المعاصر عن الحاكمية، اتجاه جعلها من حق الشعب أو الأمة، واتجاه حصرها كلية في الله وجعلها من خصائصه. وظل الفكر السياسي الإسلامي حبيس هذين الموقفين يراوح بينهما ولا يعدوهما بين مفكر وآخر.
وينبغي هنا أن يضاف إلى ذلك موقف آخر جعل الشريعة هى الحاكمة، لعله امتداد لفكرة حاكمية الله، وقد عبر عن هذا الموقف في عهد مبكر المفكر التركي الأمير سعيد حليم باشا (1863-1921). وقد جاء ذلك في عدد من مقالاته، من أهمها مقال له نشره بالفرنسية قبيل اغتياله بعنوان (إصلاح المجتمع المسلم).[40] من الواضح أن المقال كان قد كتب بعد أن شاهد الأمير ذيوع وغلبة العلمانية على الدولة العثمانية، ومن ذلك مبدأ حاكمية الشعب، فنقد ذلك نقدا مرّا، ووصفه بأنه أسطورة مثل الأساطير الأخرى التى قدمها الغرب عن الحاكمية . وقدّم الامير سعيد مفهوم حاكمية الشريعة بدلا عن حاكمية الشعب. فكان مما قال:
إن هيكل النظام الإجتماعي في الإسلام بأكمله، يرتكز على قاعدة أساسية هي حاكمية الشريعة... وقاعدة حاكمية الشريعة تعنى الاعتراف بحقيقة أساسية، هي أن كل موجود في الكون أيا كان نوعه وماهيته، خاضع لقانون طبيعى خاصا به. وعليه فإن الجانب الإجتماعي من حياة الإنسان خاضع لقوانين اجتماعية طبيعية، تماما مثل خضوع جانبه المادى لقوانين طبيعبة مادية. وبذلك طبق الإسلام بنجاح مبدأ أن ليس للإنسان حاجة لأن يخضع لقانون يضعه بشر مثله، لأن ذلك القانون لابد أن يكون مستبدا وجائرا في بعض نواحيه، وإن كان قد صدر بالإرادة العامة للأغلبية؛ ولكن إنما عليه أن يخضع لإرادة الخالق المتمثلة في قوانينه الطبيعية الاجتماعية والمادية.[41]
أما لماذا يستطيع الإنسان اكتشاف القوانين الطبيعية المادية التى تحكم حياته، ولا يستطيع اكتشاف القوانين الخلقية الاجتماعية، فإن الأمير سعيد يذهب أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في الفرق بين الجانب المادي والجانب الإجتماعي الإنساني. فالإنسان يستطيع بموضوعية وعن طريق الملاحظة والتجربة، أو ما يسمى بالعلوم التجريبية اكتشاف القوانين المادية؛ ولكن الإنسان عاجز عن اكتشاف القوانين الإجتماعية لأن عوطفه تتحكم في تعامله في بحثها، كما أنه لا يملك القدرة على إخضاع المجتمعات البشرية للملاحظة والتجربة الموضوعية التى يستطيع أن يخضع بها الماديات. ومن رأي الأمير سعيد أن فشل الغرب في القوانين الاجتماعية أفضل مثال على عجز الإنسان في هذه الناحية.[42]
مفكرو شبه القارة الهندية
اصطدمت الثقافة الإسلامية في شبه الجزيرة الهندية على ضعفها، بالفكر الأوربي بعد أن احتلتها بريطانيا وأحكمت قبضتها عليها، بعد فشل ثورة المسلمين الهنود في عام 1857. وقد ظهرت تيارات كثيرة تحاول الخروج بالمسلمين من هذه الأزمة، ورغم بروز عدد من المفكرين المشاهير في معظم هذه التيارات، إلا أن قلة منهم فقط تعرضت لمسألة الحاكمية مباشرة، وإن كان كثير منهم قد تناول عموميات الحكم الإسلامي والخلافة. فسيد أحمد خان (1817- 1889) مؤسس التيار العصراني، كان همه المحافظة على المسلمين باستسلامهم للإنجليز، فبشر بفكرة قريبة من فكرة المسيحين الأوائل، ألا وهي المقاومة السلبية والولاء للسلطة الحاكمة، باعتبارها من قدر الله الذي لا ينبغي أن يقاوم أو يعارض.[43] ولكن التيار العصراني لم يكن تيارا متجانسا في أفكاره، فقد كتب أحد أبرز مفكريه السيد أمير علي عن نظام الإسلام السياسي، فذهب إلى أن الشريعة تمثل نوعا من الدستور المهيمن على سلطة الخليفة التنفيذية والإدارية، ولا يستطيع أن يتجاوزها. ولكنه لم يتعرض مباشرة لقضية الحاكمية. ثم جاء من بعده المفكر صلاح الدين خدا بخش من نفس التيار العصراني المتحرر، فذهب إلى نقيض ما ذهب إليه أمير على. فقد كتب خدا بخش في مقالة عنوانها (المفهوم الإسلامي للحاكمية)[44]، وزعم أن الحكم الإسلامي معيب من ناحية الحاكمية، إذ لا تملك الحكومة المسلمة أى سلطة لتغيير الشريعة الإسلامية، فهي بذلك أضعف من مثيلاتها في الغرب التى تملك حق التشريع تغيير القانون. ثم زعم أن الشريعة ليست جامدة بل متغيرة، ودعا إلى تحرير التشريع من سلطان الدين وفصل الدين عن السياسة.
لكن مثل هذه الدعوات لم تجد رواجا بل كان التيار الإسلامي غالبا، ونشطت في هذا المجال بعد انهيار الخلافة العثمانية، الحركة التى عرفت باسم حركة الخلافة الإسلامية. ولكن هذه الحركة لم تمس مسألة الحاكمية إلا مسا خفيفا، ومن ذلك خطب قائد الحركة مولانا محمد على جوهر، التى تنضح منها فكرة أن الله هو الحاكم، وإن لم يفصل في المسألة كثيرا.[45] وحتى المفكر المشهور محمد إقبال (1876 - 1938) لم يسهب في الحديث عن هذه المسألة، وإن كانت كتاباته تتضمن مفهوم حاكمية الله. فقد عبر بوضوح أن نظام الإسلام يقوم على دعامة مبدأ التوحيد، الذي من مقتضياته أن شريعة الله هي العليا، ولا توجد سلطة بجانبها غير سلطة تفسيرها.[46]
المودودي وحاكمية الله
وإذا كانت فكرة حاكمية الله متضمنة في هذه الكتابات الأولى عند مفكري شبه الجزيرة الهندية وغيرهم، إلا أن المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية، قد صرح بهذه الفكرة وجعلها الأساس لنظام الإسلام السياسى، ومنه ذاعت الفكرة وشاعت في العالم الإسلامي، حتى أصبحت حجر الأساس في فكر الحركات الإسلامية المعاصرة. فما نظرية الحاكمية عند المودودي؟
ينطلق المودودي في التأصيل لرأيه من مبدأ التوحيد، الذي جعله إقبال كما ذكر سابقا الأساس الذي يقوم عليه نظام الإسلام. يقدم المودودي شرحا لمعنى مصطلح الإله والرب، وكيف أن كثيرا من البشر يدفعهم حب السلطة إلى إدعاء الألوهية والربوبية على الناس إما مباشرة أو بواسطة، ويجعلون ذلك وسيلة لاستعباد الناس وقهرهم على الانقياد والطاعة. ثم يخلص من ذلك إلى القول:
"وإذا نظرت إلى المجتمع البشري من هذه الوجهة، استيقنت نفسك أن منبع الشرور والفساد الحقيقي إنما هو ألوهية الناس على الناس، إما مباشرة أو بواسطة، وهذه هي النظرية المشؤومة ... هي أصل كل المصائب والدمار، وهي أصل جميع ما مني به البشر اليوم من البؤس والشقاء، وهذا هو الداء الذي أفسد أخلاق البشر وروحانيتهم وقواهم العلمية والفكرية، وأكل منية الناس وحياتهم الاجتماعية وسياستهم ومعايشهم."[47]
وإذا كان الأمر كذلك فإن صلاح المجتمع البشري إنما هو بعقيدة التوحيد التى جاء بها الرسل جميعا صلوات الله عليهم وسلامه. ويشرح كيف أن عقيدة التوحيد هي أن أساس النطرية السياسية الإسلامية فيقول:
"هذه العقيدة هي روح ذلك النظام الذي أسس بنيانه الأنبياء عليهم السلام، ومناط أمره وقطبه الذي تدور رحاه حوله، وهذا هو الأساس الذي ارتكزت عليه دعامة النظرية السياسية في الإسلام، وهي أن تنزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر منفردين ومجتمعين، ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره في بشر مثله فيطيعوه، أو ليسن قانونا لهم فينقادوا له ويتبعوه، فإن ذلك أمر مختص بالله وحده لا يشاركه فيه أحد غيره، كما قال هو في كتابه: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم﴾ (سورة يوسف: 40)... فهذه الأيات تصرح بأن الحاكمية لله وحده وبيده التشريع."[48]
ولكن ما معنى الحاكمية التى يختصها المودودي بالله وحده. يشرح هو فهمه للحاكمية فيقول عنها:
"تطلق هذه الكلمة على السلطة العليا والسلطة المطلقة، على حسب ما يصطلح عليه اليوم في علم السياسة، فلا معنى لكون فرد من الأراد - أو مجموعة من الأفراد أو هيئة مؤلف منهم - حاكما إلا أن حكمه هو القانون، وله الصلاحيات التامة والسلطات الكلية غير المحدودة لينفذ حكمه في أفراد الدولة؛ وهم مضطرون إلى طاعته طوعا أو كرها. وما هناك من شئ خارجي يحد صلاحياته في الحكم غير إرادته ومشيئته هو نفسه، والأفراد ليس لهم بإزائه حق من الحقوق. وكل من له شئ من الحقوق منهم فإنما هو منحة جاد بها عليه حاكمه، وكل حق يسلبه هذا الحاكم ينعدم بنفسه، لأنه لا ينشأ كل حق فطري إلا لأن الشارع قد أنشأه، فإذا سلبه الشارع لم يعد حقا من الحقوق حتى يطالب به. إن القانون يسن بإرادة صاحب الحاكمية ويجب على الأفراد طاته، وأما صاحب الحاكمية نفسه فما هناك من قانون يقيده ويوجب عليه الطاعة، فهو القادر المطلق في ذاته، ولا يجوز سؤاله فيما أصدر من أحكام من الخير أو الشر ولا عن الصواب أو الخطأ. فكل ما يفعله هو الخير ولا يحل لأحد ممن يطيعه أن يعده من الشر ويرفضه. وكل ما يفعله هو الصواب ولا يحل لأحد ممن يتبعه أن يرى فيه شيئا من الخطأ. فلا بد أن يعترف له الجميع بكونه سبوحا قدوسا منزها عن الخطأ، بصرف النظر عما إذا كان كذلك أم لم يكن."[49]
فإذا كان هذا فهم المودودي وتصوره للحاكمية، فمن الطبيعى أن ينسب هذه الحاكمية بكل خصائصها لله عز وجل لا ينازعه فيها أحد من البشر. لكن من الواضح أن المودودي هنا يستقي فهمه للحاكمية من تصورات المفكرين الغربيين الأوائل من أمثال بودين وأوستن وغيرهم. ولكن من الواضح أن تلك نظرة جزئية للحاكمية في الغرب وليست كلية. وهي صورة مثالية لم تتحقق قط في الواقع كما سلف القول عنها. ومن الواضح أيضا أن مثل هذا التصور يدفع المرء للتساؤل عن مكانة البشر في مثل هذا النظام الذي تكون فيه الحاكمية بكل معانيها لله، مع أن البشر في واقع الأمر هم المنوط بهم تنفيذ أحكام الله. يجيب المودودي نفسه على التساؤل حين يقرر، أن القرآن يستعمل كلمة الخلافة لكل من قام بالحكم في الأرض تحت حاكمية الله تعالى، فليست هذه القوة أو السلطة بيد البشر بالحاكم الأعلى، ولكنها نائبة عن الحاكم الأعلى - وهو الله عز وجل. ويذهب ليفصل نظرية الخلافة حسب ما يراها، فيؤكد أنها خلافة عمومية، بمعنى أن كل المؤمنين يتمتعون بها، وليست هي خاصة بفرد أو أسرة أو طبقة من الطبقات، ولكنها عامة بكل الأمة.[50] ويجعل هذه الخلافة العمومية أساسا للديمقراطية في الإسلام، التي تختلف بذلك عن الديمقراطية الغربية التى تجعل الحاكمية العليا والمطلقة للشعب. أما الإسلام فهو قد جعل الحاكمية العليا والمطلقة لله عز وجل "وخول للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة، تحت سلطة الله القاهرة وحكمه الذي لا يغلب، ولا تتألف السلطة التنفيذيه إلا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشئون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع فيها بشئ إلا بإجماع المسلمين."[51] ومن الملاحظ هنا أن المودودي قد اضطر للاعتراف للبشر بنوع من الحاكمية، أسماها الحاكمية الشعبية المقيدة، مخالفا بذلك ما قرره أولا أنه ليس للبشر أي حق في الحاكمية.
المفكرون المصريون
مصر هي البلد الثالث التي يتجه إليها البحث في تطورفكرة الحاكمية عند المسلمين المعاصرين. وأول ما يستوقف النظر بحث علمي في المسألة، لم ينل شهرة كبيرة بل ظل مجهولا عند الكثيرين، وهو رسالة دكتوراة قدمت في باريس عام 1917، للباحث أحمد السقا بعنوان (الحاكمية في القانون العام عند المسلمين).[52] وقد زعم فيها أن الإسلام يفرق بين الحاكمية والسلطة، فالحاكمية بمعنى السلطة العليا والمطلقة فهي لله عز وجل، ومن أهم مظاهرها حق التشريع، الذي بينه الله في القرآن والسنة، التي يحكم البشر بموجب ما فيها من أحكام. ومن أجل تنفيذ حكم الشريعة أقام الله الولاية العامة، وهي سلطة عامة ولكنها ليست عليا ولا مطلقة، ولا ينبغي أن تساوى بمفهوم الحاكمية المعروف في الفكر الغربي. ويفرق السقا بوضوح بين الحاكمية العليا المطلقة التي يستعمل لها لفظ الربوبية، وبين السلطة البشرية المقيدة بتنفيذ أحكام الله في الأرض، ويطلق عليها لفظ الولاية العامة. ويقول أنه يجوز أن نطلق على الولاية بصورة غير دقيقة لفظ الحاكمية، ولكنها ينبغي أن تفهم على أنها ليست السلطة العليا المطلقة، بل هي الولاية ذات السلطة المقيدة.[53]
بهذه النظرة الثاقبة استطاع أحمد السقا أن يقدم حلا لمشكلة الحاكمية قبل أن يحتدم الجدل حولها في العالم الإسلامي، ولكن صوته لم يكن عاليا ولا مسموعا عند الكثيرين.
سلطة الأمة
وعند البحث في آراء المفكرين المصريين، يبدو أن فكرة الحاكمية الشعبية التي نادى بها روسو، هي التي وجدت عندهم رواجا في بادئ الأمر، حتى أن الباحث القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري ادعى أن الإسلام عرف مبدأ الحاكمية الشعبية حتى قبل أن يكتب عنها روسو. وأول من يبدأ بهم في هذا المجال من هؤلاء المفكرين الشيخ رشيد رضا، الذي تحدث عن مبدأ سلطة الأمة في رسالته عن الخلافة[54] التي نشرها بعد سقوط الخلافة العثمانية، في محاولته لإحيائها وتجديدها. وقد جعل رضا سلطة الأمة أحد القواعد السياسية الهامة في الإسلام حين يقول:
"أما السياسة الاجتماعية المدنية فقد وضع الإسلام أسسها وقواعدها، وشرع للأمة الرأي والاجتهاد فيها، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان وترتقي بارتقاء العمران وفنون العرفان، ومن قواعده فيها أن سلطة الأمة لها، وأمرها شورى بينها، وأن حكومتها ضرب من الجمهورية، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز في أحكامها على أضعف أفراد الرعية، وإنما هو منفذ لحكم الشرع ورأي الأمة."[55]
ويسرد الشيخ رشيد رضا الادلة على مبدأ سلطة الأمة في الإسلام، ويعتمد على أمور: منها مسألة الشورى التى جاء الأمر بها في القرآن موجها إلى جماعة المؤمنين جميعهم، حين وصفوا بقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم). والدليل الثاني عند رشيد على سلطة الأمة هو حجية الإجماع والأحاديث الدالة على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. أما الدليل الثالث فهو أمر القرآن بطاعة (أولي الأمر)، وهم في رأي رشيد رضا أهل الحل والعقد، وليسوا فقط الأمراء أو العلماء وإن كان هؤلاء بالضرورة منهم، ولكنهم يشملون كل من كان له نفوذ ورئاسة في المجتمع ودراية بمصالح المسلمين. والأمر بطاعتهم يعني أن لهم سلطة، ومن تلك السلطة اختيار ولي الأمر وعزله.[56] وإن كان أهل الحل والعقد في زمن الصحابة هم من وجدوا في المدينة، إلا أنه لا بأس أن تتبع طريقة الانتخابات في العصر الحاضر لاختيارهم، وسوف تكون لمجلسهم السلطة التشريعية وسلطة اختيار وعزل السلطة التنفيذية.[57] ومع أن رضا يرى أن سلطة الأمة عند المسلمين تتشابه مع المبدأ الغربي، إلا أن هناك فروقا جوهرية، من أهمها أن سلطة الأمة ليست فوق الشريعة بل مقيدة بها، ولقد فقد المسلمون سلطانهم واستقلالهم باستيراد القواينين الأوربية العلمانية. والفرق الجوهري الثاني هو أن سلطة الأمة ليست مبنية على القومية مثل ما يدعو إليه البعض في تركيا آنذاك من الحاكمية الملية القائمة على العصبية الجنسية.[58]
ونادىالشيخ حسن البنا مؤسس حركة الأخوان المسلمين بمبدأ سلطة الأمة أيضا، ومن أقوال البنا في المسألة:
" وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها ، وأوصي بأن يكون كل مسلم مشرفاً تمام الإشراف علي تصرفات حكومته ، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب ، وهو كما فرض علي الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل فرض علي المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك ، فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقوموه علي الحق ويلزموه حدود القانون ويعيدوه إلي نصاب العدالة."[59]
ويقول أيضا في موضع آخر:
" إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها ، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب و محاسبتهم على ما يعملون من أعمال ، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم . ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاماً آخر."[60]
ويفصل البنا في رسالة منفصلة الأسس التى يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، ويجعل ما أسماه إرادة الأمة ركنا أساسيا لهذا النظام . وعن هذا يقول:
" وأما عن احترام رأى الأمة ، ووجوب تمثيلها واشتراكها في الحكم اشتراكاً صحيحاً ، فإن الإسلام لم يشترط استبانة رأى أفرادها جميعاً في كل نازلة ، وهو المعبر عنه ، في الاصطلاح الحديث بالاستفتاء العام ، ولكنه اكتفى في الأحوال العادية (بأهل الحل والعقد) ولم يعينهم بأسمائهم ، ولا بأشخاصهم. والظاهر من أقوال الفقهاء ووصفهم إياهم أن هذا الوصف ينطبق على ثلاث فئات هم: الفقهاء المجتهدون الذين يعتمد على أقوالهم في الفتيا واستنباط الأحكام، وأهل الخبرة في الشؤون العامة، ومن لهم نوع قيادة أو رئاسة في الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل ورؤوساء المجموعات . فهؤلاء جميعاً يصح أن تشملهم عبارة "أهل الحل والعقد .
ولقد رتب النظام النيابي الحديث طريق الوصول إلى أهل الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظام الانتخابات وطرائقه المختلفة ، والإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدى إلى اختيار أهل الحل والعقد ، وذلك ميسور إذا لوحظ في أي نظام من نظم تحديد الانتخاب صفات أهل الحل والعقد ، وعدم السماح لغيرهم بالتقدم للنيابة عن الأمة ."[61]
ولم يذكر الشيخ البنا في رسائله وكتبه أية إشارة لحاكمية الله، لتى أصبحت هي العقيدة الرائجة لجماعة الإخوان لاحقا كما سيأتي، وإن كان قد ادعى محمد قطب أن قضية حاكمية الله قد اتضحت في حس البنا في أيامه الأخيرة، ولكنه لم يمهل حتى يرسخ هذا المعنى في قلوب أتباعه، واستدل على ذلك بمقال للبنا منشور في أيامه الأخيرة بعنوان بعنوان "معركة المصحف - أين حكم الله؟" يقول فيه:
" الإسلام دين ودولة ما في ذلك شك. ومعنى هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية، وكلت حمايتها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها، وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة، أي إلى الحاكم الذي يرأس جماعة المسلمين ويحكم أمتهم. وإذا قصر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكماً إسلامياً. وإذا أهملت الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية. وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هي الأخرى إسلامية....، ومهما ادعت ذلك بلسانها."[62]
ولكن ما يقرره البنا هنا هو أن الحكم بالشريعة أمر لازم للحكم الإسلامي، وهو مطلب أساسي من مطالب دعوته، لكنه لم يصرح بمبدأ حاكمية الله ولا يفهم من مقاله المستشهد به أنه يقصده. ويأتي السؤال ما الذي أدى لتحول فكر الإسلاميين لتبني مبدأ حاكمية الله، وهو ما يبحث عنه في السطور التالية.
حاكمية الله
بدأ مبدأ حاكمية الله يتبلور تدريجيا في فكر الإسلاميين في مصر، وكان في المرحلة مختلطا بفكرة سلطة الأمة. وأحسن من يمثل مرحلة الاختلاط هذه المفكر عبد القادر عودة، أحد قادة الإخوان المشهورين. فقد كتب في كتابه (الإسلام وأوضاعنا السياسية)[63] مؤيدا لمبدأ سلطة الأمة ، وساق نفس الحجج التي ساقها رشيد رضا للتدليل على إسلامية المبدأ، وخصص فصلا كاملا في كتابه عن الشورى باعتبارها ركنا أساسيا لتحقيق مبدأ سلطة الأمة. ولكنه في ذات الوقت جعل الالتزام بالشريعة الإسلامية أمرا لازما للحكم الإسلامي ورفض القوانين الوضعية وحكم ببطلانها، ومع أن هذا لم يكن أمرا جديدا مثل ما جاء في مقالة الشيخ البنا المشار إليها سابقا، إلا أن عبد القادر عودة نحى في الدفاع عن الالتزام بالشريعة وبطلان القوانين الوضعية منحى جديدا حين تساءل عن من يملك الحكم؟ وكانت إجابته على ذلك أن الحكم لله خالق السموات والأرض والناس وحاكمهم. ثم انتقل من ذلك ليقول أن الله تعالى قد جعل للبشر الخلافة، ثم فصل القول في الفرق بين الإسلام والديمقراطية، منتهيا لنفس الرأي الذي انتهى إليه المودودي، من أن الله الذي يملك سلطة الحكم حقيقة قد حدد سلطة كل من الحكومة المسلمة والمحكومين، إذ ليس لهم إلا الالتزام بأحكام الشريعة وعدم الخروج عن حدودها، بخلاف الديمقراطية الغربية التى يكون للبشر فيها حرية مطلقة في التشريع.
وفي المرحلة الثانية خلصت فكرة حاكمية الله من كل ما يشوبها، وأصبحت عقيدة راسخة في فكر الإسلاميين في مصر وغيرها. وفي هذه المرحلة ظهر تطور جديد في تناول القضية. فمن ناحية استخدمت كلمة الحاكمية كمصطلح جديد في اللغة العربية مرادف لمفهوم الحق المطلق للتشريع في الدولة كما شاع في الغرب. ومن جانب آخر جعلت الحاكمية أمرا خالصا لله تعالى لا ينازعه فيها أحد، وجعل من شرائط الإسلام أن يعترف الناس بهذه الحاكمية لله بهذا المفهوم، وزعم أن من لا يسلم بذلك فهو غير مسلم. وقد كان سيد قطب من أشهر من نادى بمبدأ حاكمية الله، وكانت محورا أساسيا في فكره وكتبه، وقد أشاعها ونشرها بقلمه الأدبي المؤثر، وبما لاقي بسببها من سجن وتضحيات، حتى أنه ضحى بحياته في سبيلها وأعدم بسبب أفكاره. ونستهل فكره عن الحاكمية بهذا الاقتباس من موسوعته في ظلال القرأن في تفسيره لقول الله تعالى "إن الحكم إلا لله . أمر ألا تعبدوا إلا إياه . ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " (سورة يوسف: 40)، إذ يقول:
"إن الحكم لا يكون إلا لله. فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته؛ إذ الحاكمية من خصائص الألوهية . من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد أو طبقة أو حزب أو هيئة أو أمة أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية . ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفرا بواحا ، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة ، حتى بحكم هذا النص وحده !
وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم ، وتجعله منازعا لله في أولى خصائص ألوهيته - سبحانه - فليس من الضروري أن يقول:ما علمت لكم من إله غيري ؛ أو يقول:أنا ربكم الأعلى ، كما قالها فرعون جهرة . ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية ؛ ويستمد القوانين من مصدر آخر . وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ، أي التي تكون هي مصدر السلطات ، جهة أخرى غير الله سبحانه . . ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية ."[64]
لعل من الواضح أن سيد قطب هنا يقصد بالحاكمية السلطة التشريعية، ولكنه فيما يبدو يقصد بالتشريع معنى أوسع من مجرد سن القوانين، يقول:
"ولا بد أن نبادر فنبيّن أن التشريع لا ينحصر فقط في الأحكام القانونية - كما هو المفهوم الضيق في الأذهان اليوم لكلمة الشريعة - فالتصورات والمناهج، والقيم والموازيين، والعادات والتقاليد ... كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه."[65]
ويأتي التساؤل عن دور البشر في مثل هذا النظام، فيجيب سيد بالتفريق بين مصدر السلطة الذي هو الله سبحانه، وبين مزاولة السلطة التي هي بيد البشر، وذلك حين يقول:
"والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله ؛ ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته . إنما مصدر الحاكمية هو الله . وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة . فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده . والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه ، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية ، وما أنزل الله به من سلطان ."[66]
الحاكمية في الميزان
يصل البحث إلآن إلى محاولة تمحيص الحقيقة عن الحاكمية، بعد هذا العرض السابق لتطور فكرة الحاكمية في الغرب، ومفاهيم المسلمين المتقدمين للسلطة وتصوراتهم لها، ومفاهيم المسلمين المعاصرين لقضية الحاكمية حسب مفهومها المعاصر. ولعله قد تبينت من ذلك العرض مجموعة من الحقائق يمكن إجمالها فيما يأتي:
أولا: أن مفهوم الحاكمية في الغرب له دلالات كثيرة، مرتبطة بالظروف التي نشأت فيها نظرياتها، ولا تنفك عن مبدأ قومية الدولة ومبدأ وضعية القوانين. وقد تهاوت فكرة الحاكمية المثالية التقليدية التي تراها سلطة مركزية عليا مطلقة، بسبب التطورات الواقعية التي غيرت من طبيعة الدولة المعاصرة، وأتاحت لعدد كبير من المؤسسات أن تكون لكل منها سلطة عليا في حدود دائرتها.
ثانيا: قدم المسلمون المتقدمون تصوراتهم عن طبيعة السلطة في الدولة، وعبروا عنها بمصطلحاتهم، ولكنهم لم يستخدموا كلمة الحاكمية في تعبيراتهم. ومن الممكن وجود بعض إشارات في كتاباتهم فريبة من اللمفاهيم المعاصرة للحاكمية، من مثل وصف الملك بخصائص العموم والعلو بحيث "لا يكون فوق يده يد".
ثالثا: انتقلت تصورات الغرب للحاكمية للمسلمين المعاصرين، لكنهم اختلفوا في حقيقة الحاكمية في الإسلام. فمنهم من ألصق بالإسلام بأنه مناصر لمبدأ الحاكمية الشعبية، ذاهبين إلى تأكيد مبدأ سلطة الأمة وحقها في الشورى في شؤون الحكم، من اختيار الحاكم وعزله وغير ذلك من القرارات العامة. ومنهم من رأى أن الحاكمية لا تكون للبشر بل يختص بها الله عز وجل.
وبامعان النظر في هذه الاختلافات بين المسلمين المعاصرين في مكانة الحاكمية في الإسلام، لا يبدو أن السبب في ذلك اختلافهم في تفسير الإسلام وفي تفاصيل نظامه السياسي. بل يبدو أن السبب الرئيسي في هذا الاختلاف هو فهمهم وتصورهم لمعنى الحاكمية. ذلك أن الحاكمية في الغرب نفسه لها مدلولات كثيرة، وقد أخذ كل مفكر مسلم معاصر بما تصوره أنه حقيقة الحاكمية. وفي نهاية المطاف لا يجد المرء بين المسلمين المعاصر ثمة اختلاف يذكر في فهمهم للنظام السياسي الإسلامي. فالكل يقر بمبدأ تحكيم الشريعة الإسلامية في الدولة المسلمة، والكل يؤمن بضرورة الشورى وحق المحكمومين فيها.
وفي ضوء ذلك لا بد من التقرير أن الفكرة الشائعة من أن الحاكمية لله تعالى ليست إلا عبارة عامة تحتاج إلى نوع من التفصيل. أو من الممكن القول أنها "كلمة حق" قد يراد بها باطل إن قصد منها نفي كل حكم أو حاكمية للبشر، مثل ما وصف به علي بن أبي طالب رضى الله عنه قول الخوارج أن (لا حكم إلا لله) حين نفوا فكرة التحكيم. ولقد تبين في عرض فكر المودودي السابق، كيف أنه اضطر- مع مناداته بحاكمية الله تعالي - بالاقرار للبشر بحاكمية محدودة، أسماها الحاكمية الشعبية المقيدة. وكذلك يتضح أن سيد قطب قدم محاولة لتفصيل رأيه، بالتمييز بين ما أسماه مصدر السلطة الذي هو الله تعالى، وبين مزاولة السلطة التي لا بد أن تكون بيد البشر.
وهكذا يبدو من ذلك أن استعمال مصطلح الحاكمية الغربي المعاصر هو سبب المشكلة. فهل يصلح هذا المصطلح للتعبير عن نظام الإسلام، أم أنه ينبغي طرحه بالكلية؟ لا شك أن مصطلحات المسلمين المتقدمين كانت كافية للتعبير عن تفاصيل النظام السياسي الإسلامي. فمن ناحية هناك الربوبية والألوهية، وهي بلا شك خاصة بالله تعالى. وتشمل الربوبية إحلال الحلال وتحريم الحرام، وهو أمر واضح معروف بيّنه الحديث الذي رواه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب . فقال : ( ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن ) وسمعته يقرأ في سورة [ براءة ] " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم " ثم قال : ( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه. ومن ناحية هناك الملك وهو سلطة بشرية، وتكون خلافة إذا تقيدت بالشريعة الإسلامية كما تقدم في تعريف ابن خلدون السابق. فاستعمال هذه المصطلحات الإسلامية ليس فيه لبس ولا غموض.
لكن استعمال مصطلح الحاكمية الغربية المعاصر فيه لبس وفيه غموض. فإما أن يطرح بالكلية ولا يستعمل ويكتفى بالمصطلحات الإسلامية. أو يستعمل استعمالا غير دقيق، مع تعريف المعنى المقصود به تعريفا كاملا لا يوقع الناس في لبس أو غموض.
[1] أنظر الفصل الثالث في F. H. Hinsely، Sovereignty، Cambridge 1986
[2] نفس المصدر ص: 100؛ وص: 95-89 فيA. P. D`Entreves، The Notion of the State، Oxford، 1967
[3] ص: 82-379 W. T. Jones، Masters of Political Thought، Edinburgh، 1960،
[4] ص: 227، 234، 312 في Thomas Hobbes، Leviathan، Middlesex
[5] J. J. Rouseau، The Social Contract and Discourses. Trans. G. D. H. Cole، London، 1983، p. 120.
[6] John Austin، The Province of Jurisprudence Defined، London، 1832، p. 200.
[7] بودين، المصدر السابق، ص: 159.
[8] Bustami Khir، The Concept of Sovereignty in Modern Islamic Political Thought، Leeds، 1996، pp. 15-21.
[9] Hinsely، op. cit.، pp. 100-125.
[10] C. E. Merriam، The Theory of Sovereignty since Rousseau، 1900، pp. 85-129
[11] Rousseaue، op. cit.، p. 240.
[12] Austin، op. cit.، p. 200.
[13] DeJouvenel، Beretrand، On Power، 1962، p. 29.
[14] Jacques Maritain، ‘The Concept of Sovereignty'، in W.J. Stankiewicz (ed.)، In Defence of Seovereignty، New York، 1969، p. 42.
[15] Leon Duguit، Law in Modern States، London، 1921، p. 20.
[16] Merriam، op. cit.، pp. 162 -182.
[17] نفس المصدر ص 200.
[18] Harold Laski، A Grammar of Politics، London، 1925، pp. 44 -88.
[19] Hsns Kelsen، ‘Sovereignty and International Law'، in Stankiewicz، op. cit.، pp. 115-31.
[20] J. Maritain، op. cit.، p. 64.
[21] W. J. Rees، ‘The Theory of Sovereignty Restated'، in Stankiewicz، op. cit.، pp. 209 -40.
[22] انظر Stankiewicz، op. cit.،
[23] المقدمة، عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق عبد الواحد وافي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1980، ج 2 ص 574.
[24] نفس المصدر ج 2 ص 576 - 578.
[25] الأحكام السلطانية، أبو الحسن الماوردي، القاهرة، 1973، ص 5.
[26] الجامع الصحيح، اسماعيل أبو عبد الله البخاري، تحقيق مصطفي ديب البغا، بيروت، 1987 ج 3 ص 1273؛ صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، ج 3 ص 1473.
[27] الإنافة في معالم الخلافة، أحمد بن عبد الله القلقسندي، الكويت، 1964، ص 17.
[28] الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، دار المعرفة، بيروت، ج 2 ص 552.
[29] أبو الحسن الماوردي، ادب الدين والدنيا، بيروت، 1978، ص115.
[30] شرح المقاصد في علم الكلام، للإمام سعد الدين بن عبد الله التفتازاني ، دار المعارف النعمانية، 1981، ج 2 ص 272.
[31] غياث الأمم في التياث الظلم، أبو المعالي عبد الله الجويني، تحقيق فؤاد عبد المنعم ومصطفى حلمي، الاسكندرية: دار الدعوة، 1979، ص: 9.
[32] شرح الأصول الخمسة، للقاضى عبد الجبار بن أحمد، تحقيق عبد الكريم عثمان، القاهرة، ص 750.
[33] ألجويني، المصدر السابق، ص 90 - 84 .
[34] شرح المقاصد في علم الكلام، سعد الدين التفتازاني، دار المعارف النعمانية: باكستان، 1981، ج 2 ص 272.
[35] لمعرفة ترجمة حياة نامق كمال وفكره في المصادر التركية انظر Berks، Niazi، The Development of Secularism in Turkey، Montreal، 1969، p. 209.
[36] مقال نامق كمال بعنوان "وشاورهم" منشور في 20/7/ 1878 في جريدة الحرية.
[37] مقال نامق كمال بعنوان حقوق الأمة منشور في 8/7/1872 في جريدة الحرية.
[38] مقالات سياسية وأدبية، نامق كمال، اسطنبول، 1911، مترجمة في كتاب Berks، Niazi، The Development of Secularism in Turkey، p. 211.
[39] منشور في جريدة علوم في 1/8/1869.
[40] ترجم المقال إلى الإنجليزية الكاتب الإنجليزي المسلم محمد ممدوك بكثال نشر في مجلة Islamic Culture، Hayderabad Deccan، no 1، Jan 1927، pp. 111-135.
[41] نفس المصدر ص 112.
[42] نفس المصدر ص 214.
[43] من رسالة له منشورة في J. S. M. Baljon، The Reforms and Religious Ideas of Sir Sayyid Ahmad Khan، Leiden، 1949، p. 14.
[44] S. Khuda Bukhsh، Essays Indian and Islamic، London، 1912، pp. 25 -55.
[45] أنظر Afzal Iqbal ed.، Selected Writings and Speeches of Maulana Mohamed Ali، Lahore، 1969، II، p. 37.
[46] Iqbal Muhammad، The Reconstruction of Religious Thought، Lahore، 1954، p. 146.
[47] نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، ابوالأعلى المودودي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1969، ص 23 و27.
[48] نفس المصدر ص 31..
[49] نفس المصدر ص 252.
[50] نفس المصدر ص 48-51؛ ص 259.
[51] نفس المصدر ص 35.
[52] Ahmad Sakka، De La Soueraineté dans le Droit Public Musliman Sunnite (Paris، 1917).
[53] نفس المصدر ص 19-21.
[54] صدر الكتاب أول مرة عام 1922 وطبع مرارا ..
[55] الخلافة، الشيخ محمد رشيد رضا، القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1988، ص 9.
[56] نفس المصدر 21-23.
[57] تفسير المنار، الشيخ رشيد رضا، القاهرة، 1328 ﻫ ، ج 5 ص 187، 195-201.
[58] نفس المصدر ج 5 ص 149-154.
[59] في مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين، حسن البنا، في مجموعة رسائل البنا، بيروت، 1981، ص 160.
[60] رسالة المؤتمر الخامس، حسن البنا، في مجموعة رسائل البنا، بيروت، 1981، ص 138.
[61] نظام الحكم، حسن البنا، في مجموعة رسائل البنا، بيروت، 1981، ص 328.
[62] واقعنا المعاصر، محمد قطب، دار الشروق، 1997، ص 355.
[63] الإسلام وأزضاعنا السياسية، عبد القدر عودة، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1986.
[64] في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت، دار الشروق، 1971، ج 7 ص 725.
[65] معالم في الطريق، سيد قطب، بيروت، دار الشروق، 1983، ص 119.
[66] في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت، دار الشروق، 1971، ج 7 ص 725.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.