قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زمن بلة الغائب
نشر في الراكوبة يوم 13 - 07 - 2015

اللقاء الصحفي الذي أجري مع الأخ "بلة الغائب" ؛ وتم نشره منتصف الأسبوع الماضي في صحيفة الراكوبة الألكترونية . لوحظ أنه جذب وشد إهتمام وحب إستطلاع ومشاهدات جمع ٌ غفير من القراء ناهز أل 25,000 في يوم واحد ... وهو رقم يفوق قراء عدد كامل من صحيفة ورقية يومية لها دار ومجلس إدارة ورئيس ومدير تحرير ومطبعة ، وأكثر من صحفي ومراسل ومراجع ومصحح وسعاة وغفراء .. وأجهزة ومعدات وفواتير ماء وكهرباء ووسائل إتصال... وهلم جرا.
وهو ما يدل تبعا على مدى تأثر قطاعات عريضة من المثقفين بهذا الجانب ... وحيث نفترض من الملاحظة أن الغالبية العظمى من مرتادي الأسافير اليوم لغرض القراءة والإطلاع والمشاركة إنما هو من فئة المثقفين أو المتعلمين على أقل تقدير.
لقد شد الحوار الصحفي إذن هؤلاء العشرات من الألوف لسبب بسيط . وهو أننا نعيش الآن " زمن بلة الغائب" .
زمن بلة الغائب يشابه في توجهه العام بظروفه وملابساته "زمن الترابي" ..... فكلاهما نفض يديه من الشرع ، وذهب يفتي ويصنع من الدين الحنيف ما يحلو له من رؤى وأحاسيس نابعة من دواخله هو ؛ ولا علاقة لها بقواعد الشرع الحنيف أو إلتزام بما جاء به أشرف الخلق على المحجة البيضاء ..... وحيث لا يعقل أن يجعل الإنسان من "إحساسه الداخلي" مصدراً للتفسير والتشريع والفتوى .. فالدين ببساطة هو دين الله عز وجل وشرعه حلاله وحرامه ؛ أوامره ونواهيه ... .. وليس كلمات أغنية يصوغ لها الموسيقار لحناً موسيقياً على الظرف الزماني والمكاني الماثل والهوى والمزاج الشخصي ، ومقدار المسافة من السلطة وكرسي الحكم.
وأمثال بلة الغائب في مجتمعنا يبلغ تعدادهم الآلاف ؛ ونراهم في كل زقاق ومرفق حكومي يهيمون .... ولكن إنفرد عنهم بلة الغائب ببناء شهرة إستثنائية وكاريزما حصل عليها من إتصاله بوسائل الإعلام وإطلالته "الغامضة" على شاشاتها وصفحاتها وعبر أثيرها ؛؛؛؛؛؛ ثم وشفافيته في التعبير عن دواخله بغض النظر عن صوابها من خطلها أو إتساقها مع المتواتر وقواعد الشرع الحنيف .. وكذلك لما يتردد من أن له علاقة روحانية "خاصة" مع الرئيس عمر البشير وأسرته .... وأنه يزوّد الرئيس بالكثير من النبوءات والتطمينات فيما يتعلق بالغيب والمستقبل والمحكمة الجنائية الدولية ؛ من واقع أن له إتصال بالجان والشيطان ؛ والحضرة النبوية الشريفة.
سبحان الله يا بلَّة !!!! .. جان وشيطان ، وحضرة نبوية شريفة ، وعلم باطن في إناءٍ واحد ؟
في البداية يهمني التأكيد على أنه لا علاقة لبلة الغائب مع الحضرة النبوية الشريفة . وذلك لما يقتضيه هذا الشرف الروحاني الرفيع من شروط لايمتلك بلة الغائب حتى النذر اليسير منها . فهو على سبيل المثال ليس له خلوة ولا غار ولا مسيد ولا خطوة ولا حلقة ولا حوليات ولا كرامات مشهودة .
ثم أنه ليس له خلفاء وحيران ولا تلاميذ ، ولا مريدين . ولا أتباع وخلاوى في أصقاع ونواحي البلاد ينشرون الإسلام على منهجه .. لا بل وليس له حتى سبيل ماء للشرب.
وفي سلك العارفين وعلم الظاهر ؛ لم يصل بلة الغائب حتى يومنا هذا إلى بلوغ درجة شيخ من شيوخ طريقة .... فهو (بإعترافه ) لايرغب في إحتضان المريدين وتخريج تلاميذ .. ومن ثم يظل بعيداً كل البعد عن النشاط الدعوي ؛ ومهمة التبليغ والإجتهاد المنوطة بالمشايخ وأولياء الله الصالحين.
هذا فضلاً على أنه لم تبثت لصالحة شهادات الشهود بالصلاح والتقوى من أهل الذكر والطرق المعروفين اليوم ؛ الذين تتناقل أحاديثهم الركبان وتتردد لها صدى الأصقاع على الأرض.
ونخلص من ذلك أن بلة الغائب لايجلس على رأس "مؤسسة دينية" . وإنما يمثل نفسه لا غير .. وهو ما يتنافى من حيث المبدأ مع أهم شرط من الشروط المؤهلة للإرتقاء بالولي إلى مصاف الحضرة النبوية الشريفة والعلم الظاهر بكراماته ومعجزاته.
فإذا كان بلة الغائب ينفض يديه من "علم الظاهر" ويدعي لنفسه "علم الباطن" . فإننا نزيد على ماذكرناه آنفاً أن أهل الباطن إنما تقتصر علاقتهم مع الله عز وجل وحده ؛ فهم من خاصة عبيده ... ولا علاقة لهم بالحضرة النبوية الشريفة سواء من قريب أوبعيد ، وحيث تتطلب الحضرة النبوية الشريفة أن يكون الشيخ من "أولياء الله الصالحين" الناشطين في مجال علم الظاهر ؛ ومايقتضيه وفق ما أسلفنا من الإستغراق في مجاهدات الدعوة والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هدي وتوجيه وسنة وسيرة ومجاهدات الحبيب المصطفى أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم في هذه المجالات من العلم والعمل الظاهر الملتصق بحياة الإنسان اليومية من حقوق وواجبات ؛ ومقتضيات حمل وأداء الأمانة التي عرضها عليه الخالق فقبلها.
كذلك يتعامل بلة الغائب مع التنجيم ؛ و"يناكف " الله ورسوله بالزعم أنه يعلم الغيب .. فكيف يتحدى بلة الغائب الله ورسوله من باب . ثم يجلس في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب عبر باب آخر هو باب الحضرة النبوية الشريفة؟ .... الأمر هنا لا يستقيم عند عاقل ولا فقيه ولا عالم.
ربما لايتعمد بلة الغائب هذا التحدي ... ولكنه يمارسه عملياً دون أن يدري ، ويرمي بنفسه في المهالك ..... وحبذا لو واظب بلة الغائب على تلاوة سورة الكهف حتى يعي الفرق بين علم الظاهر وعلم الباطن .. وكيف أن "علم الظاهر" يرتبط بأداء الرسالات السماوية والدعوة والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ظاهر القول والفعل (حالة موسى عليه السلام) .. وكيف أن "علم الباطن" يرتبط بعبودية يصطفيها الله عز وجل لبعض من عباده (حالة الخضر عليه السلام) ؛ وهو المقصود بإجماع العلماء في قوله [ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ] (65) سورة الكهف.
واقع الأمر فإن الحضرة النبوية الشريفة لاتزال حقيقة ماثلة. وهي متجددة بنهوض أهل الصلاح والتقوى في كل زمان ومكان .... ولكن لم يتواتر عن هؤلاء أن لهم علاقة بالجان ... ولم يتواتر عن هؤلاء أنهم إدعوا علم الغيب . ولكنهم توقفوا عند حدود التبليغ و النصح والإرشاد . والعمل بما يكفل صيانة المجتمع في العلاقة مع الله عز وجل من جهة وكسب العيش الشريف من جهة أخرى .....
ومن هذا المنطلق نرفض مزاعم بلة الغائب أنه وجماعة من أهل الحضرة قد إجتمعوا بالجان يستعينون به لحماية وإغلاق حدود السودان من داعش وغيرها .... فالأوطان وحدودها السياسية هي من صنع الإنسان .. وأما في شرع الله فهي لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
ولا ندري لماذا لم يبادر الغائب بلة وهؤلاء إلى إغلاق "أجواء" السودان من عربدة الصواريخ والطائرات الحربية ؛ التي ما إنفكت تغزو السودان من كل الإتجاهات . فتضرب من تشاء وتذل من تشاء ... وتعود أدراجها دون أن ندري حتى من أين تأتي ولا إلى أية دولة محيطة بنا في الإقليم تنتمي.
بلة الغائب يتناقض من جهة أخرى لجهة علاقته بالرئيس عمر البشير . فهو تارة يؤكدها ويثبت متانتها بالكشف عن إستدعاء عمر البشير له لمقابلته (عام 2014م) . ويبوح بفحوى وتفاصيل حوارات دارت مباشرة بينهما . (فهو على سبيل المثال يؤكد أنه قال لعمر البشير أن حكمه سيستمر 30 عام و 25 يوم. وأن الرئيس البشير قد إستصعب الأمر ورد عليه بالقول:
- ده كتير يا بلة .
ومن جهة أخرى نراه هنا في "آخر لقاء" صحفي نشرته له الراكوبة (يوليو 2015م) يؤكد أنه لا معرفة شخصية تجمع بينه وبين عمر البشير... وأن كليهما لايعرف الآخر.
ومن بين حنايا هذا اللقاء الصحفي المشار إليه يهمنا أيضا إيراد توضيح وتصويب هام وذلك عند قول بلة الغائب : (الوحي انقطع بوفاة النبي صلي الله عليه وسلم، وسيدناً جبريل عليه السلام بعد وفاة النبي الكريم لم ينزل للأرض قط بالمرة).
والصواب أن سيدنا جبريل عليه السلام وبنص القرآن الكريم ينزل إلى الأرض كل عام في ليلة القدر من رمضان وذلك لقوله عز وجل [ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)]
ويقصد بالروح هنا سيدنا جبريل عليه السلام.
ثم ننتقل بعد ذلك إلى مسألة علاقة الإنسان مع الشيطان والجان التي تخبط فيها بلة الغائب . وجاء بقناعات ومزاعم خارجة عن إطار سياق القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف.
مسألة علاقة الإنسان مع الجان والشيطان حسمت منذ خلق آدم عليه السلام .. وقد أشار إليها القرآن الكريم في أكثر من موضع . وارتبطت بقصة سيدنا سليمان تارة . والأحداث التي تلت عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة المكرمة (قبل الهجرة) من رحلته الدعوية إلى الطائف ... وجاء جزء منها في سورة الجن .. والبعض الآخر في آيات ضمن سور أخرى تتناول جميعا مدى وحدود قدرات الجان من جهة والشيطان من جهة أخرى .. وجاء جزء من هذه الآيات بصيغة الماضي ، وبعضها بصيغة المضارع والبعض الآخر بصيغة المستقبل.... ومن ثم فلا يجوز تفسيرها دون الأخذ بقواعد الإعراب من جهة والبلاغة من جهة أخرى
ولجهة الفائدة التي يمكن أن يحققها الجان لمن يخاويهم من بني آدم . يقول الله عز وجل : [وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا] (6) سورة الجن.
وعلم الجان بالغيب معدوم . وذلك عند قوله عز وجل "وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا"... وهناك آيات أخرى ينص بعضها مباشرة على جهل الجان (على إختلاف أنواعه وقواه) بالغيب . فقد قال عز وجل : [ فلما قضينا عليه الموت ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ] (14) سورة سبأ.
وينبغي هنا التأكيد على أن الجان والشيطان من نسل واحد .. فكلاهما جان ... ولكن سمي بعض الجان بأنه شيطان لأنهم إما من نسل إبليس . أو أنهم إتبعوه في كفره ونكرانه وغروره وجحوده وحماقته حين رفض الإمتثال إلى أمر الله له بالسجود لآدم.
إذن فالإختلاف بين الجان والشياطين يتمثل فقط في أن الشياطين هم إبليس وزمرته الذين رفعوا راية العصيان والإباء والإستكبار لأمر الله عز وجل المباشر بالسجةود لآدم .. وكانوا ولايزالون "العدو المبين للبشر" .. وهذا لايمنع أن يكون هناك جان من أهل الكتاب ومنهم المشرك بالله ولكنه يظل على مسافة من قناعات الشيطان....
وقد أشار القرآن إلى أن إبليس قبل أن يكفر قد كان من الجن صراحة في قوله عز وجل من الآية رقم (50) سورة الكهف " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " ... إذن تحديد جنس إبليس جاء هنا واضحا أنه من الجن ...
ولكن نلاحظ أن البعض يقع في البلبلة بسبب أنه لا يلتفت هنا إلى "كان" التي سبقت قوله "من الجن" .. والمعنى يكتمل بذلك حين نفهم (بالبلدي الفصيح) أن أبليس (كان) قبل الفسوق جان .. ثم (أصبح) بعد الفسوق شيطان.
ومعنى الشيطان في اللغة هو "المتمرد من الجان" .. وكذا مشتق من شاط واحترق.
والجان عموماً لم يحصل على شرف خلافة الله في الأرض .. ولكن قبائل من الجان تفلتت وحاولت السيطرة على الأرض قبل خلق آدم عليه السلام ، وعاثوا في جنباتها الفساد . فأرسل الله عز وجل إليهم جان كثيف بقيادة إبليس . فقاتلهم فتالاً شرسا واباد الأغلبية العظمى منهم وألجأ فلولهم إلى مغارات وشعاب الجبال فلزمت الموادعة والمسالمة والتقية . ومنها ينحدر نسل عموم الجان اليوم . وفيهم المسلم وغيره ... والفاسق والطيب والشرس.
وأما إبليس فقد كافأه الله عز وجل بذلك أن جعل له مقاماً ومجلساً وسط الملائكة وما هو بملاك ...... وقد أتاح له التكليف بحرب فساق الجان في الأرض الكثير من العلوم التي خص الله بها مخلوقاته في الأرض.
وقد كان إبليس لعنه الله ينصت لما يدور من حوار بين الملائكة . فتعلم منهم الكثير من العلم الذي خص الله عز وجل به الملائكة....... والملائكة في واقع الأمر أصناف ومقامات وأشكال وأنواع . ويبدو أن إبليس قد تعلم من كل ملاك فرع من فروع المعرفة أو جزءاً منها ... ولكن غاب عنه العلم بالحكمة من خلق آدم عليه السلام لأن الملائكة أنفسهم لم يكن لديهم علم بذلك. ولأجل ذلك قالوا قولتهم تلك "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " إلى تمام الآية .
ومن ثم فلم يلتفت اللعين إلى خطورة آدم ومكانته إلا بعد أن نفخ الله فيه من روحه وعلمه الأسماء ، وأمر الملائكة بالسجود له على غير ما جرى للخلق عامة ..
كان إبليس من بين الجالسين فشمله الأمر ولكنه أبى واستكبر السجود بدافع الحقد والحسد والظن بأن الله عز وجل قد فضل آدم عليه .
ثم وظل جهل إبليس بمستقبل آدم إلى أن خلق الله عز وجل من ضلعه حواء الأنثى . فأدرك إبليس وقتها فقط المدى الذي سيذهب إليه هذا المخلوق الجديد . وأنه ستكون له ذرية وإستمرارية ممتدة مضطردة . فأعلن العداء له ... إلخ ....
لا بل وظل جهل إبليس ممتداً حين ظن أنه بمحرد أن يفلح في تحريض آدم وحواء على العصيان ستحل بهما لعنة الله ويخرجان من الجنة ويجهض بذلك مسيرتهما ... ولكن جرى الأمر على خلاف ذلك فعلم الله عز وجل آدم كلمات فتاب عليه ، وأنزله إلى الأرض خليفة ... وكل هذا يعني في نهاية المطاف أن إبليس لا علم له يذكر في حاضره ومستقبله .. وأنه إنما ساعد آدم على غباء منه بأن يصل إلى مرحلة خلافة الله في الأرض من جهة . وأن ينال من الله عز وجل "نعمة" الرحمة والمغفرة وقبول التوبة والوعد بدخول الجنة لمن أصلح من نسله أو تاب وأصلح .. أو شمله الله برحمته كما يشاء سبحانه الذي له الأمر من قبل ومن بعد .
والذي أرغب في تأصيله هنا والتأكيد عليه (دائماً) من كل هذا السرد ؛ هو أنه ليس لإبليس قدرات تفوق البشر .. وأنه ليس له علم بالغيب .. وأنه ليس بصاحب سلطان عليه .. وأنه بالجملة لا فائدة ولا خير فيه . وليس بمستطيع أن يقدم للإنسان فائدة على الإطلاق.
والإستعانة بإبليس وأتباعه الشياطين محرم منهي عنه بنص القرآن لقوله عز وجل في تمام الآية المشار إليها: [ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ] ...... والذي يفهم من السياق أن الولاية لإبليس وذريته هي إستبدال وكفر بالله عز وجل ... وأن أبليس وأتباعه وأعوانه في كل الأحوال هم عدو للإنسان... وأنه لاخير فيهم ولا خير في علاقة يقيمها معهم الإنسان على وجه العموم أو الخاص.
ولايختلف مسلمان في أن الجان لا يعلمون الغيب لما ورد صراحة في آيات القرآن الكريم التي تناولت قصة سيدنا سليمان عليه السلام التي برأته من ممارسة السحر . وكان اليهود يدعون أنه عليه السلام كان يمارس السحر ... ولكن القرآن الكريم أوضح بجلاء أن الشياطين هم الذين كانوا يتلون السحر على بعض ضعاف الناس وينسبونه إلى سليمان عليه السلام ..
وربما لأجل ذلك نرى بعض السحرة والمشعوذين إلى يومنا هذا يرسمون ما يدعون أنه خاتم سليمان على طلاسمهم . وسليمان بريء منهم ومن شياطينهم.
والجان على علاته لم تكن له علاقة بصنع السحر ولا تعليمه للناس (كما يزعم بلة الغائب) . فقد حسم القرآن الكريم هذا الجدل على النحو الآتي:
1) أن الشياطين هم الذين كانوا يعلمون الناس السحر ويأمرون الناس بالكفر.(ضع نقطة).
2) أن الملكين "هاروت" و "ماروت" لاعلاقة لهما بممارسة أو تعليم السحر . ولكن الشياطين هي التي كانت تأخذ من علوم أنزلها عليهما الله بوصفهما ملكان . فكانت الشياطين تسترق السمع إلى ما يجري بين الملكين هاروت وماروت من تداول لهذه العلوم . ويستغلونها في ممارسة سحر من نوع محدد تفرق به الشياطين بين المرء وزوجه (وهو أكثر ما يعجب زعيمهم إبليس) . والشاهد أن القرآن الكريم لم يفصل لنا ماهية هذه العلوم . ولكنه أورد لنا أثرهما في التفريق بين المرء وزوجه.
ويؤسفنا أن البعض يختلط عليه الأمر فيظن أن الملكين هاروت وماروت يمارسان السحر ويعلمانه . وهذا لا يجوز عقلاً لأن مادة الملائكة نورانية ولايرتكبون المعاصي ويفعلون ما يؤمرون .. ولمعرفة تفاصيل قصة هاروت وماروت وأسباب إنزالهما الأرض والإقامة فيها ردحا من الزمان يالإمكان الإطلاع عليها في كتب التفسير المعروفة.
ويتضح هذا المعنى في قوله عز وجل: [واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ] سورة البقرة.
والقرآن الكريم يذهب إلى غاية مفيدة حبذا لو إلتفت إليها البشر .. يأتي فيها النص واضحاً بأن علوم الملائكة وعلوم الجان والشيطان جميعها لا تحقق للإنسان فائدة تذكر ... وأن العلم المفيد للإنسان في دنياه وأخراه إنما هو الذي علمه له الله عز وجل.
والشاهد أن اليهود لعنهم الله كانوا أول من هرع إلى تعلم السحر خلال فترة السبي في العراق .. ولطبيعة الجحود واللؤم فيهم فقد خلطوا بين سحر الشيطان وعلوم هاروت وماروت التي نقلت بعضاً منها الشياطين واستغلتها بالإستعانة بها في أعمال الشر.
والمسألة هنا ليست بغريبة ولا مستبعدة . ونراها تنطبق على مخترعات وعلوم إنسانية كثيرة بين أيدينا اليوم ؛ ليس أقلها البارود الذي كان في البداية علما نافعا لتعبيد الطرق وشق الجبال وإستخراج المعادن . ثم إستغله اليهود لاحقا لصناعة القتل والتدمير للحياة والحضارة الإنسانية وتبعهم الناس في ذلك.
3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسم مسألة السحر بتحريمه في كل الأحوال .... وكذلك حرم الإسلام اللجوء إلى السحر لمحاربة وإفساد السحر ... وأباح فقط اللجوء إلى الله الواحد القهار وحده بتلاوة سور وآيات من القرآن والذكر الحكيم معروفة مثل "الفاتحة" و "أية الكرسي" وخواتيم البقرة وخواتيم ياسين وخواتيم الصافات وغيرها المصنفة تحت مسمى "الآيات المُنجيات" و "السور والآيات المُحَصِّنات" ...... وكذلك بأذكار الصباح والمساء .. وترديد أدعية موحدة لله عز وجل طاردة للشر من قبيل "أعوذ بكلمات الله التامات من شر كل هامة ولامة" و "قل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون" .... ثم صيغة " الإستعاذة بالله" .. وترديد "بسم الله" عند كل إفتتاح لعمل أو دخول مكان .... وهكذا مما يعلمه كل مسلم ، ويظل في متناول يده من آيات وأدعية سهلة الحفظ . وبالإمكان الإستعانة بها في كل الظروف والأحوال راقداً ومستلقيا وجالسا وواقفا وماشيا وراكبا وسائقا .......
والمسألة إذن في نهاية المطاف سهلة بسيطة سهولة وبساطة ديننا الحنيف . ولا حاجة فيها إلى علم الباطن ، وطلاسم وتمتمات والدخول من وراء حجاب ؛ وغير ذلك من بدع وتعقيدات يحاول بعض الناس المتاجرة بها أو قسرها وإقحامها على الدين. وبما لا طائل من ورائه.
مصعب المشرّف
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.