حينما تتحدث أحزاب المعارضة عن تسونامي الفساد الذي ضرب هياكل الدولة السودانية، يسخر منها الكثيرون – ولا سيما مناصرو النظام - ويدمغونها بأوصاف أقلها أنها تفتقر إلى الوطنية.. فكيف سيكون موقف الحزب الحاكم، إذا تحدث بعض أُصلاء الحركة الإسلامية، عن الفساد، وكيف إذا تسابق الأئمة والدعاة إلى نقد أداء الحكومة، ووصفها بأنها تُسهِّل الاختلاس وتُحرِّض على أكل المال العام..؟! ظني، أن المؤتمر الوطني لن يجد مبرراً يستدر به عاطفة الشعب السوداني، ولن يجد مسوغاً لاستمالة المواطنين، والحيلولة دون تصديقهم للأحاديث التي تشير إلى صعود معدلات الفساد، خاصة إذا كانت تلك الإحاديث نابعة من ألسنة ظلت تسبِّح بحمده وتلهج بشكره وتقوم بتسويق فكره وأطروحته السياسية إلى الناس. ولعل هذا ما يجعل من حديث البروفسور عصام البشير والدكتور عبد الحي يوسف، عن تنامي نسبة الفساد يكتسب طابع الأهمية والمصداقية في ذات الوقت. انظر إلى رجل مثل الدكتور عبد الحي يوسف، وهو أحد أبزر منسوبي الحركة الإسلامية، كما أشار إلى ذلك الرئيس البشير ذات خطاب جماهيري.. انظر إليه لتجد أنه يهاجم الحكومة بضراوة، ويصف سلوكها القانوني تجاه قضايا الفساد – في خطبة الجمعة الماضية – بأنه لا يردع الفاسدين، وإنما يشجِّع على السرقة.. نعم فقد جزم عبد الحي – بعد أن توكل على الحي الذي لا يموت – بأن لجوء الحكومة إلى مادة التحلل في قانون الثراء الحرام والمشبوه فيه إعانة على السرقة..! الملفت في قصة الفساد، أنه أضحى مزعجاً حتى لقادة الحركة الإسلامية أنفسهم، وأصبح مثار حديث الأئمة، إذ أن خطبة عبد الحي يوسف عن الفساد لم تكن الأولى – ولن تكون الأخيرة – فقد سبقه إلى هذا الدرب البروفسور عصام أحمد البشير، الذي تحدث من على منبر مسجد النور بضاحية كافوري، عن تسونامي الفساد الذي ضرب أجهزة الدولة. ويومها انهال البروفسور عصام أحمد البشير على الحكومة ضرباً بالأدلة الدامغة لسكوتها عن الفساد، مما كان سبباً في بروز تساؤلات عدة عن دوافع الرجل الذي تحدث عن الفساد من على منبر له خصوصية سياسية بالغة، بمثلما له خصوصية دينية كبيرة..! الثابت – وهذا أمر ينبغي أن نقف عنده كثيراً – أن البروفسور عصام أحمد البشير والدكتور عبد الحي يوسف، قاما بعمل ترويج يحرِّض المصلين على متابعة الخطبتين المار ذكرهما، وذلك من خلال خبر تم توزيعه بعناية في تطبيق التراسل الفوري "واتساب" ليلة الجمعة. الثابت، أن سلوك قادة المؤتمر الوطني التجريمي، الذي يردون به على أحزاب المعارضة حين يتحدثون عن الفساد، لن يجدي نفعاً في حالة عصام وعبد الحي هذه، على اعتبار أن المنتقديْن ليسوا من المعارضة، وإنهما من صلب الحركة الإسلامية. وهذا يعني أن الاستخفاف بالآخرين، واستتفاه قولهم، عن تنامي معدلات الفساد، ووصفهم بالعمالة والارتزاق، أضحى دواءً فاقداً للصلاحية، لأنه لم يوقف تناول الظاهرة، بل أصبح سبباً في تزايد الناقدين لصمت الحكومة على المفسدين. نُشر بصحيفة (الصيحة)