الولايات المتحدة تعلن تقديم مساعدات إضافية للسودان    إصدار منشور من النيابة لحماية الشهود    وزارة الصحة: أدوية التخدير مُتوفِّرة بالإمدادات الطبية    الجنة العليا للحد من مخاطر السيول والفيضانات بالخرطوم تكثف اعمالها    حمدوك: التعاون مع (فيزا) خطوة عملية للاستفادة من الإنفتاح والتكامل الاقتصادي مع العالم    الاتحاد يفتح الباب للقنوات الراغبة في نقل مباراتي المنتخب    وفاة أحمد السقا تتصدر تريند "جوجل".. وهذه هي الحقيقة    الرعاية الإجتماعية: البنك الافريقي ينفذ مشروعات كبيرة بالسودان    تاور يرأس إجتماع اللجنة العليا لقضايا البترول    الهلال والمريخ يهيمنان على الدوري السوداني    جارزيتو يضع منهجه.. ويحذر لاعبي المريخ    رئيس شعبة مصدري الماشية : إرجاع باخرة بسبب الحمى القلاعيه شرط غير متفق عليه    المالية تتراجع عن إعفاء سلع من ضريبة القيمة المضافة .. إليك التفاصيل    السيسي للمصريين: حصتنا من مياه النيل لن تقل... حافظوا على ما تبقى من الأراضي الزراعية    أولمبياد طوكيو: أصداء يوم الثلاثاء.. فيديو    7 نصائح ذهبية للتحكم في حجم وجباتك الغذائية    البرهان يمنح سفير جيبوتي بالخرطوم وسام النيلين    بعد الشكوى ضد المريخ..أهلي الخرطوم يرد بكلمة واحدة    تحديد موعد النطق بالحكم في قضية مقتل طلاب على يد قوات (الدعم السريع) بالأبيض    ضبط متهم ينشط بتجارة الأسلحة بولاية جنوب دارفور    القبض علي متهم وبحوزته ذهب مهرب بولاية نهر النيل    انخفاض سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الثلاثاء 3 اغسطس 2021 في السوق السوداء    الدقير يطالب بتقييم شجاع لأداء الحكومة ويحذر مما لايحمد عقباه    الصندوق القومي للإسكان والتعمير يبحث سبل التعاون مع البنك العقاري    السودان.. نهر النيل يصل لمنسوب الفيضان في الخرطوم    "كوفيد طويل المدى".. الصحة العالمية تحدّد الأعراض الثلاثة الأبرز    قبلها آبي أحمد.. مبادرة حمدوك في الأزمة الإثيوبية.. نقاط النجاح والفشل    الأحمر يعلن تسديد مقدمات العقود تفاصيل أول لقاء بين سوداكال وغارزيتو وطاقمه المعاون    زادنا تكمل إستعداداتها لإفتتاح صوامع للغلال ببركات بالجزيرة    ودالحاج : كابلي وثق لأغنيات التراث    شركات العمرة بالسعودية تلجأ إلى القضاء لإلغاء غرامات ضخمة    بطلة رفع أثقال (حامل) في شهورها الاخيرة تشارك في سباق جري بعجمان    أغنية (الخدير) تثير ضجة في كندا.. والفحيل يشارك العرسان الرقص    بيان من جمعية أصدقاء مصطفى سيد أحمد حول تأبين القدال    وكيل الثقافة يلتقي مُلاك دور السينما ويعد بتذليل العقبات    وزير الصحة يزور الشاعر إبراهيم ابنعوف ويتكفل بعلاجه    تراجع أسعار الذهب    البندول يقتحم تجربته في الحفلات العامة    مشروع علمي يسعى لإعادة إحياء الماموث المنقرض بهدف محاربة الاحتباس الحراري    صحة الخرطوم توقف دخول المرضى إلى العناية المكثفة والوسيطة بسبب انْعِدام الأدوية    أميمة الكحلاوي : بآيٍ من الذكر الحكيم حسم الكحلاوي النقاش داخل سرادق العزاء    تورط نافذين في النظام البائد ببيع اراضي بمليارات الجنيهات بقرية الصفيراء    هددوها بالقتل.. قصة حسناء دفعت ثمن إخفاق منتخب إنجلترا    خامنئي ينصب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران    النيابة العامة توضح أسباب تكدس الجثث بالمشارح    كورونا يعود إلى مهده.. فحص جميع سكان ووهان    "بيكسل 6".. بصمة جديدة ل "غوغل" في قطاع الهواتف الذكية    طالب طب يتفاجأ بجثة صاحبه في محاضرة التشريح    ضبط أسلحة تركية على الحدود مع إثيوبيا في طريقها للخرطوم    إنقاذ أكثر من 800 مهاجر في المتوسط خلال عطلة نهاية الأسبوع    بلا عنوان.. لكن (بالواضح)..!    في المريخ اخوة..!!    "أمينة محمد".. قصة "إنقاذ" طفلة أميركية نشأت في ظل "داعش"    مصالحة الشيطان (2)    بداية العبور؟!!    علي جمعة: سوء الطعام سبب فساد الأخلاق بالمجتمعات    الكورونا … تحديات العصر    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل يصلح النموذج التركي للعالم العربي؟
نشر في الراكوبة يوم 30 - 06 - 2011

منذ أن نجحت الثورة في تونس ومصر ضد نظامي زين العابدين بن علي ومحمد حسني مبارك لم يتوقف الحديث في تركيا وخارجها عن النموذج التركي ومحاسن الاقتداء به من قبل الدول العربية باعتبار أن هذا النموذج نجح في التوفيق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد من جهة, ومن جهة ثانية في تقديم تجربة ناجحة للحكم في دولة إسلامية.
ولكن مع الإقرار بأهمية هذا النموذج لم يذهب من دعا إلى الأخذ به إلى التعمق في خصوصيته وهل يتلاءم مع العالم العربي الذي يختلف كل بلد فيه عن الأخر بمجموعة من ظروف وخصوصيات العالم العربي؟ والأهم هل ما طبق في تركيا التي لها تجربة مختلفة عن العالم العربي يمكن أن يطبق في الدول العربية؟ وما هي القواسم المشتركة وكذلك النقاط المختلفة بين التجربتين التركية والعربية؟ وماذا عن الدور السياسي لكل طرف في منظومة العلاقات الدولية وعلاقة ذلك بالنموذج السياسي المنشود؟
أسئلة كثيرة ومهمة سنحاول في هذا التحليل من خلال تسليط الأضواء على الجوانب المختلفة المتعلقة للقضية المطروحة والتي تثير الجدل في كل من تركيا والعالم العربي.
الترويج للنموذج التركي
ثمة اتفاق بين من يروج للنموذج التركي ويدعو إلى الاقتداء به على أن هذا النموذج نجح في تقديم تجربة ناجحة للحكم في دولة إسلامية من خلال التوفيق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد, ومع التأكيد على صحة هذا الاتفاق أو الإجماع عليه وأهميته عربيا وإسلاميا فانه يمكن تقسيم من يدعو إلى الأخذ بهذا النموذج إلى قسمين أو طرفين والذي هو في الحقيقة طرف واحد من حيث البعد الإيديولوجي :
الأول : الجانب الرسمي التركي أي حكومة حزب العدالة والتنمية متمثلة في أركانها : رئيس الجمهورية عبدالله غل ورئيس الوزراء رجب طيب اردوغان و وزير الخارجية احمد داود أوغلو, فقد كان الأخير أول وزير خارجية في العالم يزور تونس بعد سقوط نظام زين العابدين كما كان الرئيس عبدالله غل أول رئيس دولة يزور مصر بعد سقوط نظام حسني مبارك, فيما سجل رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان سابقة في تاريخ المنطقة والعالم عندما خرج إلى الهواء مباشرة ليدعو حسني مبارك إلى التنحي ويذكره بحفرة المترين المكعبين وقطعة القماش الأبيض في خطاب حمل مضمون ديني, وفي كل هذه الزيارات والتصريحات والمواقف ثمة ترويج تركي رسمي مباشر وغير مباشر للأخذ بالنموذج التركي .
الثاني : بعض الحركات الإسلامية في العالم العربي, حيث ترى هذه الحركات أن النموذج التركي معتدل ويحظى بقبول من داخل المنطقة وخارجها وتحديدا الغرب , كما انه يقدم أجوبة عن أسئلة الحكم والسياسة والدين والاقتصاد معا, وقد كان رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس الشيخ راشد الغنوشي سباقا في الدعوة العلنية إلى الأخذ بهذا النموذج فور عودته إلى تونس من المنفى فيما لم يصل الترحيب الذي أبداه الإسلاميون في مصر وتحديدا جماعة الأخوان المسلمين إلى مستوى الدعوة للأخذ بالنموذج التركي كما دعا إليه الغنوشي.
في البداية, ينبغي القول إن من يطلق هذه الدعوات سواء في تركيا أو في العالم العربي يمثل حقيقة إيديولوجية واحدة وسياق فكري مشترك لجهة التفكير والتطلعات, ولعل ثمة قناعة عامة من قبل هذه القوى بأنه يمكن استنساخ تجربة حزب العدالة والتنمية في الدول العربية التي تم فيها خلع الحاكم وذلك انطلاقا من أن القوى الإسلامية التي كان النظام يقمعها بالتعاون مع الدول الغربية وتحديدا الولايات المتحدة باتت متحررة من هذه القيود, وبمجرد انتهاء هذه القيود فانه يمكن تطبيق نموذج حزب العدالة والتنمية حيث باتت تصريحات قادة الحركات الإسلامية في تونس ومصر معروفة, وهي في مجملها تصب في بوتقة الحديث التالي : ( نحن لا نريد الحكم بل نريد نظاما مدنيا أقرب إلى النظام التركي, وليس على شاكلة النموذج الإيراني )! وبموازاة هذا الحديث لا يتوقف النقاش في مراكز الدراسات في الغرب عن النموذج التركي وتأثيره في العالم العربي والمنطقة إلى درجة أن هذه المراكز باتت تلعب دور العلاقات العامة في الترويج لهذا النموذج مع الإيحاء الدائم بأنه يناسب المنطقة عكس النموذج الإيراني الذي يتم وضعه في خانة التشدد والصدام. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا, هو : هل ما يطرح حاليا عن النموذج التركي يشكل رؤية حقيقية لمضمون هذا النموذج وطبيعة ظروفه التي هي مختلفة عن ظروف العالم العربي وخصوصيته ؟ وهل الترويج لهذا النموذج ومقارنته بالنموذج الإيراني مع وصف الأخير بالمتشدد هو طرح بعيد عن الغايات السياسية والاستراتيجيات الدولية؟
اختلاف الظروف والمحددات
في الواقع, ينبغي التوضيح بداية أن طرح الأمور على هذا النحو الإشكالي لا يعني التقليل من أهمية النموذج التركي أو تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم, بل من زاوية البحث العقلاني والمنطقي عن ما يمكن أن يفيد العالم العربي من هذه التجربة وليس استنساخها كما يدعو البعض في تجاهل واضح لخصوصية التجربة العربية واختلافها.
والسؤال الجوهري هنا, هل هناك صراعا علمانيا- إسلاميا في العالم العربي كما هو حاصل في تركيا ؟ وهل تجربة حزب العدالة والتنمية مشابه لتجربة الحركات الإسلامية في العالم العربي؟ وهل تركيا الدور والسياسة ومنظومة العلاقة الدولية هي في موقع مشابه للدول العربية ؟ والأهم هل السياسة التركية في بعدها الدولي بعيدة عن الإستراتيجية الأمريكية العليا تجاه منطقة الشرق الأوسط ؟ وما هي حجم أو نسبة المصالح الخاصة إلى مسألة التوافق الإيديولوجي؟ في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي التوقف عند المعطيات التالية:
1- ان تجربة الحركات الإسلامية في تركيا ولاسيما تجربة حزب العدالة والتنمية مختلفة عن مثيلاتها في العالم العربي , فهي جاءت من رحم معركة الصراع الدموي مع المؤسسة العسكرية حارسة ( العلمانية – الاتاتوركية ) التي قامت بأربعة انقلابات خلال أقل من نصف قرن, كانت أخرها الانقلاب الأبيض على مؤسس الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان ( توفي قبل أسابيع ) عام 1997, وخلال هذه الفترة أعدم الجيش عشرات القادة والزعماء بما في ذلك رئيس الجمهورية عدنان مندريس عقب انقلاب عام 1960 وقد كان من شأن هذه التجربة الدموية - والتي جرت باسم الحفاظ على العلمانية حيث كان الإسلام في مرتبة العدو حسب تصنيف الأمن القومي التركي – بروز تيار إسلامي ( حزب العدالة والتنمية ) يرفض رسميا إطلاق الصفة الإسلامية على نفسه ويأخذ طابع الأحزاب الديمقراطية المحافظة في الغرب ويخاطب الداخل والخارج بلغة أقرب إلى العلمانية من الإسلام, ولعل هذا ما دفع بإربكان حتى أخر لحظة في حياته إلى مهاجمة حزب العدالة والتنمية وقادته ولاسيما اردوغان إلى درجة انه كان يصفه بالعمالة للسياسة الأمريكية. مقابل هذه التجربة فان تجربة الحركات الإسلامية في العالم العربي تبدو مختلفة,حيث لا صراع بين العلمانية والإسلام كما هو حاصل في تركيا, بل أن دساتير الدول العربية تقر بإسلامية الدولة عكس تركيا التي تؤكد العلمانية مع الإشارة إلى أن ما يجمع التجربتين هنا, هو ممارسة الإقصاء في عدد من الدول العربية للنشاط الإسلامي كما كان حاصلا في تونس ومصر. وغياب مثل هذا الصراع في العالم العربي أدى إلى ظهور حركات إسلامية مختلفة تتراوح بين أقصى التشدد والعنف إلى أقصى درجات الانفتاح والاصطفاف.
2- ان التجربة الإسلامية في تركيا وتحديدا تجربة حزب العدالة والتنمية هي تجربة مسيسة ومدروسة سياسيا في الأساس, فهي ( التجربة ) تأسست من أجل الوصول إلى الحكم بطريقة محددة, وعليه أتقنت منذ البداية قواعد اللعبة الديمقراطية المتبعة في البلاد وانتهجت الآليات المتاحة والممكنة لتحقيق هدفها هذا حتى لو كان على حساب البعد الإيديولوجي,وبفضل هذا النهج تمكن حزب العدالة والتنمية من الوصول إلى السلطة إلى درجة أن الجيش الذي صنف الإسلام في مرتبة العدو - كما قلنا - عجز عن مصادرة نتائج الانتخابات التي جرت والتي حقق فيها حزب العدالة نتائج متقدمة منذ تأسيسه نهاية عام ألفين و واحد. وما سبق يشير إلى أن البنية العامة للمجتمع التركي مدنيا وقانونيا ودستوريا ومؤسساتيا حققت تقدما كبيرا وذلك خلافا للبنية العامة في العالم العربي, بل أن الأحزاب الإسلامية في العالم العربي لها تجربة مختلفة تماما, فهي عندما تأسست كانت مختلفة عن ظروف حزب العدالة, وعندما انطلقت كانت لأسباب مغايرة, وعندما مارست السياسة انتهجت وسائل مختلفة ومتباينه, وهي في ممارستها للإيديولوجية كثيرا ما فصلت بين الدين كإيمان وعبادة ونص وبين السلطة كحكم وممارسة وصندوق انتخابي , فيما دمج حزب العدالة كل ذلك في عملية سياسية مدروسة بدقة.
3- ان وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وسيطرته على الرئاسات الثلاثة ( الحكومة – البرلمان – الجمهورية) كان حلا لمشكلة تركية داخلية تتخلص في إمكانية التوفيق بين الإسلام والعلمانية انطلاقا من واقع الصراع الذي أفرزه التجربة السياسية لمؤسس الجمهورية التركية كمال أتاتورك, كما انه لم يكن بعيدا عن العوامل الخارجية وأقصد هنا تلك الشروط الأوروبية المتعلقة بتحقيق الشروط الديمقراطية للانضمام إلى العضوية الأوروبية, كما كان مرتبطا بما يطبخ في الدوائر السياسية العليا في الغرب تحت عنوان طرح نموذج إسلامي معتدل يصلح للعالم الإسلامي , من المغرب غربا إلى اندونيسيا شرقا مرورا بأفغانستان وباكستان والعراق.... وبالتالي فان هذا النموذج يتجاوز في انطلاقته وأهدافه ومضمونه وتجربته الحالة التركية الداخلية للحكم إلى النموذج المطلوب تسويقه في العالمين العربي والإسلامي, في حين أن الواقع الحالي للحركات الإسلامية في العالم العربي وتحديدا في الدول التي نجحت فيها الثورات الشعبية يبدو مختلفا بشكل كبير بل أحيانا إلى درجة التناقض, فكيف يمكن الطلب من الحركات الإسلامية في مصر كما هو حال جماعة الأخوان المسلمين استنساخ تجربة حزب العدالة والتنمية التركي ؟ أن مصر وحتى تونس وغيرها من البلدان العربية لها ظروف مختلفة عن تركيا, ففي مصر هناك قوى وأحزاب أخرى قوية ومن مشارب سياسية وإيديولوجية مختلفة مع فارق كبير هنا , وهو أن الجيش في البلدان العربية لا يمثل معسكرا للدفاع عن العلمانية كما هو قائم في تركيا.
في الواقع, إذا كانت تجربة حزب العدالة والتنمية في السياسة والحكم والممارسة تشكل إلهاما للأحزاب الإسلامية في العالم العربي للقبول بقواعد اللعبة الديمقراطية والارتهان إلى الصندوق الانتخابي وإتباع الوسائل السلمية والمشاركة مع المختلفين إيديولوجيا في الحكم ... فان مجرد طرح النموذج التركي للأخذ به في العالم العربي يضع تركيا طرفا في المعادلة الجارية وربما خصما من قبل البعض الذين هم يختلفون إيديولوجيا مع هذا النموذج دون أن يعني هذا التقليل من أهمية النموذج التركي ودروسه.
تركيا والثورات العربية
من يتابع المواقف التركية إزاء الثورات الشعبية في العالم العربي لا بد أن يتوقف عند مستويات عدة لهذه المواقف واختلاف ذلك من ثورة إلى أخرى ومن بلد إلى أخر. ولعل هذا ما يطرح أسئلة كثيرة عن دوافع الموقف التركي وكيفية التقرب من هذه الثورات ؟ وبالتالي كيفية فهم نظرة تركيا إلى التغيير الجاري في العالم العربي ؟ وما هي مصلحة تركيا السياسية المباشرة من هذا التغيير ؟ وهل النظرة واحدة من دولة إلى أخرى ؟ وأين حجم المصالح الاقتصادية من الإيديولوجية والسياسة ؟ ولماذا الاهتمام والأولوية هنا والتجاهل أو الصمت هناك ؟
لنبدأ في محاولة لفهم هذا الموقف وفقا لتسلسل الثورات العربية.
1- في الحالة التونسية التزمت تركيا حزب العدالة والتنمية بالصمت ولم تعلن مواقف لافتة, وحتى بعد انتصار الثورة حرصت على القول إنها مع الاستقرار والخروج من الأزمة, وهو موقف أثار غضب الشارع الإسلامي في الداخل التركي إذ بدا صمت اردوغان غير مفهوما وهو الرجل الذي اشتهر بتسجيل المواقف الساخنة والاستفادة منها في السياسة وصناديق الانتخاب مع ملاحظة أن وزير الخارجية التركي احمد داود أوغلو سارع إلى زيارة تونس بعد أيام قليلة من سقوط نظام بن علي.
2- في الثورة المصرية اتسم الموقف التركي بالقوة إلى درجة أن اردوغان خرج إلى الهواء مباشرة ليطلب من حسني مبارك التنحي, كما خرج الشارع التركي ولاسيما جمهور الأحزاب الإسلامية, ليعلن وقوفه إلى جانب ثورة الشعب المصري ووصف مبارك بالطاغية والدكتاتور, وظل اردوغان حتى أخر لحظة من حكم مبارك يطالبه في خطاب تلو الأخر بالرحيل خلافا لما كان عليه الموقف في تونس وما عليه القذافي في ليبيا رغم ارتكاب الأخير جرائم فظيعة, حيث بدا واضحا أن موقف اردوغان من ثورة مصر حمل رسالتين . الأولى إلى الداخل وجوهرها انتخابي حيث الجماهير التي خرجت في تظاهرات غاضبة. والثانية إلى الخارج ومفادها :ان تركيا دولة إقليمية مؤثرة وداعمة للديمقراطية والتغيير في المنطقة وان نموذجها في الحكم قابل للأخذ به وذلك في دعم غير معلن للحركات الإسلامية وتحديدا جماعة الأخوان المسلمين حيث قام عدد كبير من قادتها بزيارة تركيا, ليعلنوا بعد ذلك حرصهم على إقامة دولة مدنية وذلك في خطاب غير مباشر إلى الغرب بأنهم منفتحون وديمقراطيون إزاء مسألة السلطة والحكم والسياسة.
3- في الحالة الليبية بد الموقف التركي مختلفا تماما, إذ اختفت تصريحات اردوغان المطالبة بالتغيير والتنحي لصالح الحديث عن رفض أي تدخل خارجي في ليبيا,وكذلك دون الإعلان عن دعم مطالب الثوار الذين كانوا يتعرضون للمذابح على أيدي الآلة العسكرية لقوات كتائب القذافي التي دمرت العديد من المدن الليبية في الشرق والغرب فوق رأس أهلها. وعلى مستوى الخطاب الحكومي ركز الإعلام التركي على عملية إجلاء الرعايا الأتراك في ليبيا وحجم الاستثمارات التركية في ليبيا والتي تجاوزت 15 مليار دولار , فضلا عن مئات الشركات العاملة في مختلف المجالات, فيما حتى الشارع التركي لم يخرج في تظاهرات غاضبة مؤيدة للثوار الليبيين كما كان الحال إزاء مصر مع أن نظام مبارك لم يرتكب مجازر كما حصل في ليبيا من قبل قوات القذافي, وحاول اردوغان شخصيا الدخول على خط الوساطة بين نظام القذافي والثوار من أجل التوصل إلى تسوية سلمية ولكن رفض الثوار لبقاء القذافي في الحكم أدى إلى إفشال محاولاته التي بذلت في هذا السياق.
4- مقابل اختلاف المواقف التركية إزاء ما جرى في تونس ومصر وليبيا لا نجد موقفا تركيا حقيقيا إزاء ما يجري في اليمن والبحرين وحتى سوريا, إذ أن ثمة موقف اشبه بالصمت إزاء ما يجري في هذه البلدان على الرغم من سخونة الأحداث ودمويتها, وهو صمت وربما موقف يثير الكثير من الأسئلة والتساؤلات عن حقيقة الموقف التركي ومصداقيته إزاء ثورات التغيير الجاري في العالم العربي. فالمنطق يقول لا يمكن أن ندعم التغيير هنا ونتجاهله هناك أو نقف ضده , بغض النظر عن حجم المصالح الخاصة وألا فان مصداقية النموذج يفقد مضمونه وقيمته .
أوجه تشابه واختلاف
دون شك,ثمة أوجه تشابه وأخرى اختلاف في الظروف بين تركيا والعالم العربي, وهذا يعود إلى عوامل التاريخ والجغرافية والهوية الحضارية ووحدة البنيان العام اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا في المنطقة, وفي التجربة التاريخية فان عهد الحكم العثماني للعالم العربي ترك أثارا كثيرة في نمط التفكير بحكم المدة الطويلة لهذا الحكم والتي تجاوزت أربعة قرون إلى درجة أن ثمة عادات ثقافية واجتماعية باتت مشتركة,وفي مرحلة ما بعد احتلال العراق ثمة إطار عام للمصالح الإقليمية المشتركة التي تجمع تركيا بالعالم العربي وإيران حيث أحدثت سياسة حزب العدالة والتنمية في عهد اردوغان – غل – أوغلو انعطافة كبيرة في السياسة الخارجية التركية,فهي باتت قريبة لقضايا المنطقة بعد عقود من التبعية للغرب والتحالف مع إسرائيل, وسواء أكان ذلك نابعا من قناعة سياسية وإيديولوجية وتحولات في البنية الداخلية أو انطلاقا من المصالح المباشرة بحكم التغييرات الجارية في المنطقة والعالم فان هذه السياسة كانت موضع ترحيب كبير من قبل العالمين العربي والإسلامي لطالما يصب ذلك في صالح تقوية الموقف العام للمنطقة بدولها وشعوبها, الا انه على الرغم من أهمية كل هذه التحولات فان كل ذلك ينبغي قفزا فوق حقيقة السياسة التركية الإستراتيجية وبما تمثلها هذه السياسة من مصالح,فهي دولة عضو في الحلف الأطلسي الذي تحول إلى رأس حربة لسياسات الإدارة الأمريكية, كما أن لها علاقات وثيقة مع واشنطن, ورغم التوتر القائم في علاقاتها مع إسرائيل الا أن على مستوى العلاقات والمصالح بين الدول فان هذه العلاقات ما تزال حيوية , إذ رغم كل ذلك تعلن أنقرة مرارا عن استعدادها للتوسط من أجل تحقيق السلام بين إسرائيل والدول العربية وتحديدا سوريا .
بعيدا عن جدل ظروف التشابه والاختلاف في الظروف والحيثيات فان السؤال الجوهري لهذا التحليل يتعلق بالنموذج التركي وإمكانية الاقتداء به عربيا.
في الواقع إذا كان ثمة من يعتقد في العالم العربي أن النموذج التركي وتحديدا نموذج حزب العدالة والتنمية يشكل حلا لأزمة الحكم والسياسية بعد التطورات الأخيرة, فان ثمة من في الداخل التركي أي من أصحاب التجربة نفسها باتوا يرون فيها تجربة سلطوية بامتياز إلى درجة أنهم يرون أن حزب العدالة والتنمية تحول إلى حزب حاكم يعيق التطور الاجتماعي والسياسي في البلاد, فهو رغم وجوده في قمة السلطة منذ نحو عقد الا انه لم يقم إلى الآن بإصلاحات سياسية حقيقية تنسجم وتطلعات الداخل وكل ما فعله كان في إطار رؤيته للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها, وبسبب كل ذلك تحول إلى نموذج سيء وبائد حسب المحلل السياسي التركي قدري غورسال الذي يقول في معرض الجدل بشأن مصر والنموذج التركي : ( الحكم اليوم في تركيا مدني, والجيش تراجع إلى ثكناته , لكن مصر تحتذي على نموذج تركي بائد , وهذا مدعاة للأسف على الرغم من أن هذا النموذج يروج له على أنه أفضل المتوفر ). بغض النظر عن دوافع هذه الرؤية وتزايد وتيرة من يتحدث في تركيا عن تحول حزب العدالة والتنمية إلى حزب سلطوي على حساب الديمقراطية وممارسته للسياسة انطلاقا من حسابات الصندوق الانتخابي الذي يبقيه في الحكم,ورؤيته لمسألة الإصلاح التي تنطلق من هذه الحسابات فان جوهر القضية هنا تتعلق بمدى صلاحية النموذج التركي الذي يروج له بقوة في العالم العربي من جهة,ومن جهة ثانية بصعوبة استنساخ النموذج التركي نظرا لاختلاف الظروف والخصوصيات والتجربة, ومن جهة ثالثة لعلاقة كل ذلك بالاستراتيجيات والمصالح العليا للدول والعلاقات الدولية. دون ان يعني كل ما سبق عدم الاستفادة من الجوانب الإيجابية لهذا النموذج وهذه التجربة,على الأقل لجهة إتباع الآليات السلمية والحفاظ على المناخ الديمقراطي والالتزام بقواعد انتقال السلطة بشكل سلمي, والحد من تدخل المؤسسة الأمنية والعسكرية في الحياة السياسية للبلاد , والكف عن خطر التهويل من الخطر الإسلامي لأسباب تتعلق بالبقاء في السلطة ونيل رضى الغرب .... فجميع هذه الجوانب والنقاط مهمة في النموذج التركي ولكن رغم كل ذلك ينبغي القول إن هناك صعوبة إن لم تكن استحالة لاستنساخه النموذج أو الأخذ به,والمفاجئة كل المفاجئة ان تتجاوز ثورة الشعب المصري في تقديم نموذج ديمقراطي يتجاوز النموذج التركي في مضمونه وقيمه ومحدداته وأهدافه,خاصة وان النموذج التركي لم ينجح حتى الآن في تحقيق التسوية المنشودة بين الإسلام والعلمانية حيث الصراع انتقل من شكله القديم بين الجيش والإسلام السياسي إلى بين حكومة العدالة ومنظمة ( ارغينيكون ) التي هي الواجهة الاقتصادية والسياسية والثقافية لجيش ما زال يعتقد أن الجلوس في الثكنة العسكرية لا يعني الخروج منها, بل ربما الانطلاق منها مجددا إذ وجد أن ساكن قصر تشانقايا خرج عن مبادئ أتاتورك وأسس جمهوريته التي أسسها قبل أقل من قرن بقليل !.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.