النائب العام يشدد على بناء أجهزة عدلية قادرة على القيام بمهامها المقررة في الوثيقة الدستورية    أقر بوجود لقواته بليبيا وينفي مشاركتها في الحرب: مني يتبرأ من دعوة المصالحة مع الاسلاميين ويصفهم بالسيئين    تفاصيل جديدة في قضية الكباشي وثوار الحتانة    عمليات تهريب في انتاج الذهب بشمال كردفان    بدء الإنتاج النفطي بحقل الراوات    200 مليار جنيه عجز الموازنة الجديدة    وزير الصحة يعلن عن ترتيبات لتوفير الأدوية    حمد الريح: منارة الوعد والترحال (مقال قديم جديد) .. بقلم: معز عمر بخيت    بيت البكاء .. بقلم: ياسر فضل المولى    حمد الريح ... الي مسافرة كيف اتت ؟ .. بقلم: صلاح الباشا    فصل الأدب عن الدين معركة متجددة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    لاعبة كرة قدم سودانية أفضل من ميسي !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مشكلة جنوب السودان
نشر في الراكوبة يوم 04 - 08 - 2016


1-2
منذ أن اندلع التمرد المشهور في عام 1955، في حامية توريت في جنوب السودان، قبل استقلال البلاد بقليل، ذهب ضحية لهذه الحروب التي إندلعت من جيد بين مؤيدي الرئيس سلفا كير و نائبه الدكتور رياك مشارفي الأسابيع الماضية ما يقارب مليون و نصف مليون قتيل في الجنوب والشمال. وتشرد في مختلف الأصقاع ما يقارب 2,5 مليون شخص. ومازالت هذه الثمار المرة تؤتي أكلها شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، وما تزال أنهار الدماء هادرة في مسارها حتى بعد إنفصال جنوب السودان عن الدولة الأم في يونيو حزيران 2011، إلى مدى لا يعلمه إلا الله وحده. إذا قال قائل بان كل هذا الذي شهدناه و نشهد ، لعبت فيه الصدفة المحضة والغفلة، كل هذا الدور المدمر الذي اقعد دولة فتية وليدة تكمن في أحشائها كل عناصر المنعة والقوة والرخاء، ربما اتهمه الناس بالجنون، لكن الحقائق وحدها، لا تقول بكل أسف بغير هذا.
و سنحاول في هذه الدراسة المبسطة تناول الجوانب التاريخية لهذه الحرب الطويلة(خمسين عاما متصلة)، في دراسة للحقائق ومآلاتها من الناحية التاريخية و إستحقاقات تطورهذه الأحداث :-
1. طلبت الخرطوم – المركز- من قائد الحامية الاستوائية عشية الاستقلال 1955 أن تشترك الكتيبة التابعة للوحدة العسكرية الاستوائية المرابطة في مدينة توريت في العرض العسكري الخاص بأعياد الاستقلال في الخرطوم مثل غيرها من الوحدات العسكرية من قوة دفاع السودان (القوات المسلحة حاليا)
2. كان من المفترض أن تذهب هذه القوة من دون تسليح بما في ذلك الأسلحة الشخصية الخفيفة، على أن يتم تسليح أفرادها في حامية الخرطوم. وقد اتخذ هذا القرار نتيجة إشاعات عن تمرد محتمل لقوات هذه الحامية، وخلقت هذه الإشاعة حالة من الشك والريبة وسط أفراد الفيلق الاستوائي، لانعدام الثقة الذي غذته وأذكت ناره البعثات والمدارس التبشيرية منذ اعلان (قانون المناطق المقفولة) في العشرينات. الذي حرم الشماليين من دخول الجنوب إلا بإذن مسبق من السلطات الاستعمارية البريطانية.
3. حادث صغير فردي ادى لاحتكاك مباشر بين قائد الحامية ( الضابط/ صلاح عبد الماجد) و هو ضابط شمالي وسائق سيارته الجنوبي أدى إلى هجوم باقي أفراد الحامية على مستودع السلاح و الذخائر، وحدثت المذبحة التي أودت بحياة كل الشماليين الموجودين هناك. وهكذا إندلع تمرد توريت الذي مازالت تداعياته وارتداداته تتري بمختلف الصور والأشكال إلى يومنا هذا.
4. بعد الاستقلال شهدت أوضاع الجنوب هدوءا نسبيا بعد أن حاولت الحكومة الوطنية تجاوز آثار تمرد الوحدة الاستعراضي في توريت وتطويق تداعياته والجرح النفسي العميق الذي خلفه بين أبناء الوطن الواحد حتى عام 1963، عدا بعض الاحتكاكات الصغيرة التي لا تذكر.
5. ولأسباب لا تزال خفية، كان السيد علي بلدو - وهو من أبكار الإداريين السودانيين - مديرا في المديريات الجنوبية خلال السنين الأخيرة لحكم الفريق إبراهيم عبود(1958-1964)، بدأ السيد بلدو حملة إعتقالات منظمة لنواب البرلمان السوداني السابق من الإقليم الجنوبي، بعد أن حل الفريق إبراهيم عبود هذا البرلمان اثر نجاح انقلابه العسكري في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1958.
6. أحداث الاعتقالات غير المعروفة الأسباب دفعت بالأب ساتلينو(رئيس الأساقفة بالجنوب)، والسيد جوزيف أودوهو(سياسي جنوبي) إلى الهروب إلى دول الجوار جنوبا. وكلاهما من منطقة الاستوائية وينتميان إلى قبيلة اللاتوكا.
7. في كمبالا التي لجأ إليها أودوهو، و الأب ساتلينو، بدأ الثنائي الاستوائي حملة إعلامية مكثفة تطالب بالفيدرالية للجنوب، متكئين على وعد سابق قطع به قادة برلمان الإستقلال لقادة الجنوب بالنظر في أمر الحكم الفدرالي للجنوب. ولحق بهما لكمبالا السيد وليام دينق (من قبيلة الدينكا أكبر القبائل السودانية)، حيث كان وقتها نائبا لمفتش المركز(قضاء) في منطقة شرق الاستوائية، خوفا من أن تحرز حركتهما ( اللإستوائية المنشأ و القيادة ) نجاحا يضع الجنوب بكامل هيئته في يد الأقلية الاستوائية على حساب القبائل النيلية الكبرى (الدينكا والنوير والشلك).- الدينكا هي قبيلة قرنق و سلفا كير، و النوير هي قبيلة رياك مشار-
8. كان اللواء جوزيف لاقو،( نائب رئيس الجمهورية خلال عهد الرئيس السابق جعفر نميري الذي توصل إلى اتفاقية أديس أبابا للسلام (1972)، وأعطت السودان عقدا كاملا من الاستقرار النسبي)، في ذلك الوقت ضابطا برتبة نقيب في الجيش السوداني، يقضي إجازته السنوية في بلدته الوادعة، (نيمولي) ، علي الحدود السودانية - اليوغندية في أقصى الجنوب وينتمي الجنرال لاقو إلى قبيلة الآمادي الصغيرة وهي من أصغر القبائل حتى على نطاق القبائل الاستوائية نفسها، لا يتجاوز عدد سكانها مائة الف نسمة.
9. اتصل الأب ساتلينو والسيد/ جوزيف أودوهو بالنقيب وقتها جوزيف لاقو، وطلبا منه الإلتحاق بهما في يوغندا ليشرف على الجانب العسكري للحركة الوليدة ضد نظام الخرطوم. لم يتردد الضابط الصغير وقتها كثيرا خصوصا بعد أن نما إلى علمه أن الأب ساتلينو يحظى بدعم مجلس الكنائس العالمي، تمويلا وتسليحا. ولم تمض بضعة أشهر حتى أعلنت (حركة الأنيانيا الأولى - و الأنيانيا هو سم أفعى الكوبرا ) أولى عملياتها العسكرية في غرب الاستوائية ضد القوات الحكومية في 19 حزيران (يونيو) 1963. واستمرت في حرب عصابات منهكة كانت أحد أسباب انهيار نظام الفريق إبراهيم عبود في الخرطوم في 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1964.بعصيان مدني شامل آذرته القوات المسلحة السودانية.
10. بعد انهيار نظام الفريق إبراهيم عبود وعودة الديمقراطية النيابية الثانية منذ الإستقلال، واصلت حركة (أنيانيا) حربها ضد النظام الجديد، بل سعت إلى تقنين الجانب السياسي منها بإجراء إنتخابات وسط اللاجئين والنازحين من آثار الحرب بدعم وتمويل من مجلس الكنائس العالمي، وانضم إليها كثير من المرتزقة البيض الذين كانوا سببا في الماضي القريب في تدمير نظام القائد الكنغولي الشهير باتريس لوممبا، ومنهم المرتزق الألماني (شتاينر)، الذي اعتقل و حوكم في الخرطوم في بداية حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري.
11. في وقت لاحق ترك (أقرى جادين) الاستوائي المنشأ والانتماء الحكم الديمقراطي في الخرطوم والتحق بالمتمردين في يوغندا، وبدعم من جوزيف لاقو إختير رئيسا جديدا للحركة. مضيفا بعدا استوائيا ومذهبيا بسيطرة الكاثوليك على مقاليد الأمور في حركة أنيانيا.
12. لم يعجب ذلك وليم دينق إبن قبيلة الدينكا النيلية، وهو الأنجليكاني المذهب و الذي رأى سيطرة أبناء المذهب الكاثوليكي على قيادة الحركة ، ولاشارات ونداءات كثيرة تلقاها من أفراد قبيلته، قرر التعاون مع حكومة الخرطوم، فعاد إلي السودان وأسس في الداخل (حزب الاتحاد الوطني الأفريقي) (سانو) وخاض انتخابات العام 1965، وانتخب عضوا في البرلمان (الجمعية التأسيسية) اثر سقوط نظام الفريق عبود.
13. كان حزب (سانو) قد تم تأسيسه في الخارج من قبل الأب (ساتلينو) و(أودوهو) و(وليام دينق). لكن أقرى جادين كان أول رئيس له في الخارج وهو حزب تأسس على أسس و مبادىْ حركات التحرر الافريقية التي ظللت الساحة في النصف الأول من الستينيات كحزب (زانو) في زيمبابوي، و(كانو) في كينيا و(تانو) في تنزانيا.
14. بعد عودة وليام دينق الي السودان تحالف مع السيد/ الصادق المهدي في الداخل و كونا معا ( جبهة القوي الجديدة ) ، غير أقري جادين إسم الحركة من (سانو) الى (سالف) (SALF)، أي (الجبهة السودانية الأفريقية للتحرر- ). ولأسباب مذهبية أخرى أنفصل الأب (ساتلينو) و(أودوهو) من الحركة وكونوا (آلف) (ALF) ، أي (جبهة التحرر الأفريقية)، لكنهما بعد مدة توحدا تحت قيادة (أودوهو)، وعين أقرى جادين نائبا للرئيس وتخطيا في التعيين الجديد، القائد الميداني للأنيانيا جوزيف لاقو، الذي لم يهتم للأمر كثيرا ووسع نطاق عملياته في شرق وغرب الاستوائية.
15. بعد شهر من رئاسة أودوهو للجانب السياسي للحركة فصل نائبه أقري جادين ودار بينهما في صيف 1966 قتالاٌ ضاريا. انتهز فيه الأب ساتلينو فرصة القتال بين الأصدقاء الألداء ورأى أن الأمر على أرض الواقع يميل لصالح القائد العسكري الميداني اللواء جوزيف لاقو، فانضم إليه وأتحد معه وأهملا معا جوزيف أودوهو الذي لم يجد بدا من الهروب إلي كينيا بعد أن فقد السند العسكري الميداني.
16. أقامت الحكومة السودانية حلفا تكتيكيا مؤقتا مع نظام ملتون أبوتي في يوغندا لمحاصرة الحركة في الاستوائية، قتل على أثره الأب ساتلينو في نقطة حدودية يوغندية على يد قوات أبوتي في 1967. وقتل وليام دينق حليف الحكومة، في أقليم بحر الغزال ردا على ذلك ولا تزال قضية موته لغزا مستعصيا علي الحل حتى يومنا هذا.
17. عزز موت القادة الكبار والصراع المرير بينهم قبضة جوزيف لاقو على الأرض، فالتحق به غريمه أقري جادين الذي أعلن حكومة مؤقتة في الجنوب باسم (حكومة جنوب السودان المؤقتة) وعند إعلان هذه الحكومة ترك أحد قادة الدينكا في منطقة البحيرات موقعه الوزاري في الشمال وهو (غوردون مورتات) ووصل إلى كمبالا واتحد مع اقري جادين.
18. أثار خروج مورتات، الذي ينتمي إلى الدينكا ريبة جادين (الإستوائي) وشكوكه، وأعتقد أن الدينكا قرروا الاستيلاء على الحركة وتصفيته، فدخل بعد شهرين في نزاع سياسي وقتال مرير مع حليفه الجديد. خرج مورتات على أثره من حكومة جادين المؤقتة وأعلن حكومة أخرى سماها (حكومة النيل المؤقتة) وعين الكولونيل (تافينق) قائدا لجناحه العسكري برتبة جنرال في مارس 1967.
19. لم يمض وقت طويل حتى اندلع القتال في الاستوائية بين الدينكا الذي يقودهم (مورتات) وبين الاستوائيين بقيادة (جادين) و( لاقو) الذي كان يؤيد جادين سرا وإن التزم الحياد علنا. وعلى الأثر تراجع قائد قوات مورتات لعوامل متعلقة بالمنطقة التي دار فيها القتال (غرب الاستوائية، و هي منطقة منحازة قبلياٌ لإبنها جوزيف لاقو). وبحلول 1969، صار (لاقو) قائد (الأنيانيا) سيدا على الجنوب الاستوائي - مع بعض الجيوب الصغيرة في منطقة البحيرات في إقليم بحر الغزال وأعالي النيل.
20. نجح لاقو في فرض سيطرته لأسباب، أهمها أنه كان ينتمي إلى قبيلة صغيرة (الأمادي) لا تثير الخوف. ولأنه أنتهج نهجا قوميا في حركته إذ لم يقرب أبناء قبيلته حتى لا يثير حساسية القبائل الاستوائية الأخرى الأكبر حجما من قبيلته، كالزاندي و اللاتوكا و التبوسا، و الموري.
21. في تموز (يوليو) 1971 نجح الانقلاب المضاد الذي قاده بعض الضباط الموالين لجعفر نميري( بعد أن أطاح به زميله الرائد هاشم العطا لمدة ثلاثة أيام في انقلاب شيوعي دموي). عاد نميري إلى السلطة وضرب الحزب الشيوعي وأعدم قادته السياسيين و العسكريين. وبدأ النميري الذي جاء إلى السلطة على أكتاف الشيوعيين والقوميين العرب، في الاتجاه نحو الغرب كردة فعل طبيعية لغدر الشيوعيين به.
22. دفع انفراد الجنرال جوزيف لاقو بالسيطرة على مقاليد حركة التمرد في الجنوب وظهوره كقيادة لا تواجه أي تحد ملحوظ أو محتمل، وتحول نظام النميري في توجهاته نحو الغرب، بمجلس الكنائس العالمي - راعي حركة التحرر الجنوبية - وبعض المصالح الغربية التي دعمت التمرد سرا بالمال والمرتزقة البيض، ووكيل كل هذه المصالح في القرن الأفريقي، (الإمبراطور الإثيوبي الراحل هيلاسلاسي )، إلى التفكير في إيجاد حلف بين الجنرال (لاقو) في الجنوب و الجنرال (النميري) في الشمال.
23. بدأت اتصالات سرية في أديس أبابا برعاية الإمبراطور هيلاسلاسي ومجلس الكنائس العالمي ، بين اللواء محمد الباقر أحمد نائب رئيس الجمهورية و و الجنرال (لاقو) وطاقمه، أسفرت عن توقيع اتفاقية أديس أبابا في 1972، عاد على أثرها لاقو إلى البلاد نائبا لرئيس الجمهورية جعفر نميري. وبدأ عقد حقيقي من السلام في السودان تدفقت على أثره المعونات والاستثمارات الغربية التي وصلت إلى 10 بلايين دولار مطلع الثمانينيات.
24. في هذه الفترة (1972 - 1982) أظهر لاقو مقدرة فائقة في عقد التحالفات والتكتيكات المرحلية بصوره جعلته يهزم زعيم الدينكا القاضي الوقور (أبيل الير) مرتين في إنتخابات حره نزيهة لزعامة الجنوب ومجلس الحكم الأقليمي في الجنوب، وهو إبن القبيلة الصغيرة الأستوائية التي لا ذكر لها حتى بين القبائل الأستوائية.
25. لم تشب هذه الفترة شائبة تذكر غير تمرد حامية (أكوبو) الحدودية في 1977، وجلها من أبناء قبيلة النوير العائدين من حركة التمرد الذين استوعبوا في الجيش الوطني أثر اتفاقية أديس أبابا.
26. خرج أفراد هذه الحامية بسلاحهم إلي الحدود الأثيوبية وعسكروا داخلها ووجدوا الدعم والمؤازرة من النظام الأثيوبي الجديد بقيادة الكولونيل (منقستوهيلا مريم) ، الذي أطاح هو الآخر في انقلاب شيوعي دموي بإمبراطور أثيوبيا العجوزهيلاسلاسي، و جاءت سياساته مناقضة بالضرورة لسياسات و توجهات النظام الذي سبقه، حينها قام النظام السوداني بتسريح بعض السرايا في منطقة أعالي النيل بالقرب من الحدود الأثيوبية، وجلهم من أبناء قبيلتي الشلك والنوير في خطوة احترازية، خوفا من القلاقل في أعالي النيل، وكانت خطوة لها ما بعدها لاحقا.
مشكلة جنوب السودان
2-2
مضوي الترابي
27. الهدوء النسبي وحركة الإعمار والتنمية التي شهدتها البلاد في النصف الثاني من السبعينيات دفع بأبناء الجنوب للتدفق نحو الخرطوم بحثا عن العمل والسكن. ولما كانت العاصمة نفسها تفتقر إلي البنى التحتية والتخطيط السليم، لم تتحمل نزوح مليون من أبناء الجنوب إليها في أقل من 5 سنوات، وتوسعت أحياء أحزمة الفقر و الصفيح الذي تحيط بالعاصمة.
28. في 1981 رأى محافظ الخرطوم السابق (مهدي مصطفي الهادي) خطرا أمنيا في النزوح والسكن العشوائي غير المنظم وبدأ في حملات شرسة ومنظمه لاخلاء العاصمة من أبناء الجنوب من دون إيجاد بديل سكني مناسب لهم . كان ضمن هؤلاء بعض العسكريين المسرحين أثر حادثة تمرد حامية أكوبو في إقليم أعالي النيل، ولما رأوا أن القوات المسلحة لم تحتمل وجودهم فيها، ولم تحتمل الدولة وجودهم في العاصمة الوطنية لبلادهم في الحياة المدنية أيضاٌ ، قرروا الرجوع إلي قتال الدولة، وأنضموا إلي القوة التي كانت داخل الأراضي الأثيوبية. وأعلنوا تأسيس حركة (الأنيانيا الثانية) بقيادة (غوردون أشول عبدالله)، والعقيد (صمويل قايتوت) قائد حادثة تمرد ( أكوبو).
29. على المستوى السياسي و بموجب اتفاقية 1972 أضحى الجنوب إقليما واحدا وعلى رغم أن السيطرة المدنية و العسكرية خلال عقد الهدوء النسبي الذي أعقب الاتفاقية كانت للجنرال (لاقو)، إلا أن حادثة (أكوبو) وسيطرة الدينكا على جل الوظائف السياسية والإدارية والعسكرية في الجنوب دفعت به أن يقترح على نميري إعادة تقسيم الجنوب إلي أقاليمه الثلاثة القديمة (الاستوائية وأعالي النيل و بحر الغزال) لأن بقية القبائل حتى النيلية منها (الشلك والنوير) إشتكوا من تسلط الدينكا وإستئثارهم بالنصيب الغالب في السلطة والثروة.
30. وافق نميري على إعادة التقسيم الإداري للجنوب وذلك بالرجوع للعمل بنظام المحافظات أو المديريات الجغرافية القديمة . الأمر الذي دفع بالمقدم (كاربينو كوانين بول) ، (من دينكا بحر الغزال – منطقة قوقريال -)، إعلان تمرد الكتيبة رقم 105 في منطقة (بور) على قيادة الفرقة الأولى في جوبا، وشق طريقه عبر إقليم أعالي النيل إلى أثيوبيا حيث يرابط زملاؤه ولحقت به الكتائب 106 و 107 و 104، والعقيد جون قرنق الذي كان يقضي إجازته السنوية في مسقط رأسه في مدينة بور الصغيرة .
31. في معسكر التمرد في أثيوبيا ، أعيد، تشكيل الحركة كلها. وولدت (الحركة الشعبية لتحرير السودان) في 16 أيار (مايو) 1983 برئاسة (أكواد أتيم) وأختير قرنق قائدا للجيش الشعبي لتحرير السودان. وبعد فترة قصيرة إندلع القتال بين الحلفاء داخل المعسكر، فقتل أكواد أتيم (من دينكا بحر الغزال - منطقة قوقريال)، وأختلف قرنق مع (صمويل قايتوت) وزميله (عبدالله شول)، مؤسسا الأنيانيا الثانية و كلاهما من قبيلة النوير ثاني أكبر قبائل الجنوب و أكثرها شراسة (قبيلة نائب الرئيس الحالي لحكومة جنوب السودان الدكتور رياك مشار)، فقررا العودة و الرجوع للسودان، و تحالفا ونسقا عملهما مع الجيش الحكومي ضد حركة قرنق الجديدة وأصبحت تحمل اسما جديدا داخل السودان في النصف الثاني من الثمانينيات هو (القوات الصديقة)، إذ أنها حاربت قرنق جنبا إلي جنب مع القوات الحكومية.
32. أطاحت إنتفاضة شعبية في 6 نيسان (أبريل) 1985 بحكم الرئيس نميري وبدأ العهد الديمقراطي النيابي الثالث في السودان، لكن العقيد قرنق الذي حارب نميري لم يعد إلي السودان ضمن من عادوا، وصبغ حركته بمسحه ماركسية متناقضة مع التوجه الليبرالي الجديد للدولة التي تلت نميري، وعمل قائد تمرد حامية بور الأول الجنرال (كاربينو) كنائب لقرنق حتى 1987، حيث أعتقله قرنق في أديس أبابا بعد أحداث احتلال الكرمك في جنوب النيل الأزرق، وسجنه في منطقة الاستوائية حتى 1994.
33. كان الدكتور لام أكول أستاذا في جامعة الخرطوم، (وهو من قبيلة الشلك- إقليم أعالي النيل) فأثر الانضمام إلي قرنق ليجد أن زميله أستاذ الهندسة الدكتور رياك مشار (من قبيلة النوير) قد سبقه إليها.
34. العقيد قرنق هو الذي جند الدكتور (مشار) تاريخيا للحركة، و الجنرال (كاربينو) هو الذي أشرف على تدريبه العسكري، هذه الحقيقة مضافا إليها أنتماء الدكتور مشار إلى قبيلة النوير الأصغر حجما من قبيلة الدينكا، كانت كافية لعدم قبول اللواء (كاربينو) العمل تحت قيادة تلميذه و "مستجده" السابق مشار الأصغر منه سنا والأقل منه خبرة ميدانية والأقل منه عصبية قبليه ونفوذا، كما وضح ذلك في أحداث واو في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي.
35. الدكتور لام أكول و زميله الدكتور رياك مشار ( من قبيلتي الشلك و النوير) شعرا قبل ذلك و هما داخل الحركة بالنزعة الديكتاتورية للعقيد قرنق، وبسيطرة دينكا بور على مقاليد الأمور بعد اعتقال وسجن الجنرال ( كاربينو- دينكا بحر الغزال )، ومقتل (مارتين ماجير) الذي كان عقل الحركة السياسي في أديس أبابا بيد أعوان قرنق . فأعلنا الانفصال عن حركة قرنق وتأسيس تنظيم (الناصر- نسبة للمدينة التي عقدت فيها الاتفاقية ) المناوئ لقرنق في أعالي النيل. وبعد فترة قصيرة إنشق عن قرنق رئيس أركانه وليام نون باني (من النوير أيضا)، وأطلق سراح (كاربينو) والعميد (أروك طون أروك) الذي راح ضحية حادث سقوط طائرة الناصر في 12 شباط (فبراير) 1998، التي كان بها أيضا نائب الرئيس البشير، الفريق الزبير محمد صالح.
36. توجه اللواء كاربينو إلى عصبته في إقليم بحر الغزال،( و هم يشكلون 70 في المائة من تعداد قبيلة الدينكا في السودان ) وتوجه العميد (أروك طون) إلي عصبته في منطقة بور لينازع قرنق النفوذ في منطقة بور نفسها حيث ينتمي قرنق إلى فرع بور من قبيلة الدينكا.
37. في 1995 إغتيل وليام نون، وتشير أصابع الاتهام إلى قرنق. بعدها بدأت مفاوضات سرية في نيروبي توحدت على أثرها الفصائل الستة المنشقة عن قرنق بقيادة (كاربينو) و(مشار) و(أروك طون) و(مارتن كيني) و(لام أكول)، ووقعت اتفاقية (السلام من الداخل) مع الحكومة في 21 نيسان (أبريل) 1997. وبموجبها جرت إنتخابات ولاة الأقاليم الجنوبية العشرة ومجلس التنسيق الأعلى للجنوب الذي ترأسه الدكتور (رياك مشار).
38. لم يرض الأمر اللواء (كاربينو) كما أشرنا، فنسق مع غريمه السابق وعدوه اللدود العقيد (قرنق) الهجوم على مدينة واو. ومن كل ما ذكر يتضح لنا أن هنالك مشكلة حقيقية في الجنوب نفسه قبل أن تكون هنالك مشكلة بين الشمال والجنوب، إذ أنه - عندما يشتد أوار الحرب بين الجنوبيين أنفسهم، وبين القوات الحكومية التي يشكل الجنوبيون وأبناء جبال النوبة 80% منها حتى منتصف التسعينات، ينزح أبناء الجنوب لطلب الأمن والأمان في الشمال، والدليل أعدادهم التي تفوق المليونين في كل مدن الشمال حتى حلفا شمالا و بورتسودان شرقا قبل الإنفصال. و كان منهم أكثر من 1.5 مليون نسمة في ولاية الخرطوم. و من العادة أن لا يلجأ الشخص لمكان يضطهد فيه أو لا يكون أمنا فيه على نفسه.
39. صاحبت هذه الحرب اللعينة أخطاء ادراية وسياسية وسوء تقدير قاتل خلق من الصدف المحضة قضية يعاني السودان بشقيه من أثارها حتى اليوم.
40. تغذي هذه الحروب والانقسامات أصابع مصالح ومطامع أجنبية وجدت مناخا مريحا وسط الطموحات الشخصية المخبولة للنخب السياسية والعسكرية الجنوبية.
41. أنفرط عقد الانضباط العسكري وبدأ في التلاشي داخل المؤسسة العسكرية السودانية، وتلاشت أسس قواعد الاشتباك بدٌا من عهد اللواء حسن بشير نصر نائب الفريق عبود الذي أعمل في الجنوب سياسة "الأرض المحروقة" لتصب الزيت على نار متقدة، وكان من الممكن تلافي هذا الأمر بقليل من الحكمة والبصيرة والحزم.
42. بعد الإنتفاضة جرت محاولات للإقتراب من المشكلة:
‌أ. إتفاقية كوكادام ( اليسار و حزب الأمة ) 1985
‌ب. إتفاقية الميرغني/قرنق 1988
‌ج. إتفاقية القصر بين النقابات و الاتحادات و الحكومة الديمقراطية المنتخبة 1989
43. ثم جرت محاولات ضمن أطر التجمع الوطني المعارض لنظام البشير للإقتراب من المشكلة:
‌أ. قرارات مؤتمر لندن (فبراير 1992)
‌ب. قرارات إعلان القاهرة (سبتمبر 1992)
‌ج. قرارات إعلان كمبالا (مارس 1993)
44. في أبريل من نفس العام ندوة معهد السلام و الدخول السافر للولايات المتحدة ( و إتفاق قرنق/مشار) و تهميش دور التجمع.
45. في أوائل ديسمبر 1994 تمكن السيد مبارك المهدي و المرحوم عمر نورالدائم قادة حزب الأمة، من توقيع إتفاقية شقدم مع الحركة مؤكدة مبدأ تقرير المصير وسط إحتجاج من بقية عناصر التجمع.
46. في ديسمبر من نفس السنة تم إتفاق ما سمي وقتها بالقوى الرئيسية على قاعدة و أساس شقدم ، مؤسسة لقيام مؤتمر أسمرا. ( القضايا المصيرية فبراير 1995!!!)
47. هذا التراجع أدي بالحركة الشعبية بقيادة قرنق للمطالبة بحدود جديدة للجنوب(خط العرض 13، بدلا من خط العرض 10 درجات شمال)
48. بعد اللإتفاق الإطاري في مشاكوس إزدادت المطالبة، (ظهرت قضية المناطق الثلاثة، أبيي، جنوب كردفان، و النيل الأزرق- المناطق الثلاثة).
49. وأخيرا فأن مقررات أسمرا (1995) واتفاقية السلام من الداخل (21/04/1999) لم تحل المشكلة و أصبحت تفاصيل تزيد الأمور تعقيدا. فدستور 1956 المعدل للعام 1964، والمعدل للعام 1985 بل حتى دستور النميري 1973 تعتبر من أعظم الوثائق الضابطة للحريات والحقوق المدنية، ومهما إجتهدنا سنجد أننا سندور في إطارها، لكن لم تكتمل القوانين المتفرعة منها لتجعل منها واقعا على الأرض.
50. . فهي جزء من الموروث السوداني وخلاصة فكره الوطني، على رغم ذلك ظلت المشكلة تكبر ككرة الثلج وترتدي كل يوم لباسا جديدا في دولة الجنوب الوليدة وذريعة جديدة ساعد في ذلك بدائية فكر الدولة، وافتقارها للبنايات الأساسية، وهشاشة التركيب الاجتماعي، وغياب قوة الردع المؤثرة واختزال دور المجتمع في دور دولة عاجزة تحكمها نخب مرتبكة مهووسة بالسلطة والجاه في الشمال والجنوب معا، و مرارات قبلية(دينكا /نوير/ استوائيين) و مذهبية تاريخية (تبشير إيطالي كاثوليكي في إقليم بحر الغزال، و تبشيرأنجليكاني في إقليم أعالي النيل نوير /شلك و قاعدة كبيرة إحيائية) لن تجعل من جنوب السودان دولة مستقرة في المستقبل المنظور، فالجيش أغلبه من قبيلة الدينكا، و البترول في أرض النوير و تحت حماية الكتائب و الألوية من أبناء قبيلة النوير بقيادة د. مشار الذين يعتقدون أن النفط في أرضهم و هم أحق به من غيرهم، و يكفي الدينكا حسب رأيهم إستئثارهم بمفاصل الدولة الوليدة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.